تابعنا على

جور نار

الدرجة الصفر من الدولة (أو: من يحكم تونس؟)

عبد القادر المقري

نشرت

في

عندما تقوم في الصباح و تجد ـ حاشاك ـ قمامة بيتك منشورة أمام الباب و على الرصيف و جزء من الطريق العام، لا يمكن أن تلوم القطط على نبشها كما لم يلمها القرمادي على فعل آخر فوق قبره … و لا تلومنّ أعوان البلدية الذين لم” يكهّبوا” على تلك المنطقة منذ خمسة أيام … و لا تؤاخذ رئيس البلدية الذي يقتصر فهمه للحكم المحلّي، على نوع السيارة التي يتجول بها مغتصبا إعجاب ناخبيه … و لا تعتب على وزير الشؤون المحلية و البيئة الذي انفرجت أساريره حين أقيل والي القصرين و دفع ضريبة كشك الخشناوي بدلا عنه … و لا تحقد على رئيس الحكومة الذي ورث دولة جائعة تعدادها مليار و نصف من البشر، لا عشرة ملايين كما يدّعي معهد الإحصاء …

على من ترسل زفيرك إذن؟ على من ستعيّط يا شريّط؟

على الهواء طبعا … و إذا كانت مشكلتك أنت تقف عند حاوية مقلوبة أو كيس مزّقه حيوان أليف، فلغيرك قضايا موت أو حياة … عاطلون على عمّال على رجال أعمال على فلاّحين على أرامل أمنيين على فنانين معوزين على مرضى على مسنّين على معدمين على مشرّدين على تلاميذ على مدرّسين على سكان جهات على رعاة تحت الشعانبي على جمعيات كرة تمّ حلّها على مستهلك وكّال يؤكل لحمه و جيبه في كل يوم  … على، على … دون نسيان ضحايا كوفيد الذين هم اليوم بالآلاف، و غدا يكونون بعشراتها في الحاصل، و بالملايين في الاحتمال …

كل هؤلاء و غيرهم يتوجّعون من مصاعب و مصائب تكاد تقطع عنهم التنفس، إلى درجة صار يضيق معها صدر أي مذيع يفتح هاتف برنامجه المباشر فينهي المكالمة بأسرع مما بدأها … و لكنك ترى منهم جميعا أصابع تتجه إلى مالك السلطة و السلطان و الإدارة و التسيير و التخطيط في البلاد … هل هؤلاء كلهم على خطإ؟ … بالقطع لا، و كم صارت مفضوحة تلك الحيلة التي يلجأ إليها كبار المسؤولين و صغارهم حين يحاصرهم سؤال لا جواب لهم عنه … و هي حيلة ما يسمونه بمسؤولية المواطن … أي مواطن تعني يا بشر؟ هل سنجنّد فرق تفتيش تقتحم البيوت التونسية من أقصى بنزرتها إلى أقصى تطاوينها مثلا؟ هل عندك سجن يتسع لمتساكني 24 ولاية؟ هل ستملأ الأرض مشانق و مقاصل كما قال الآخر؟ أيّهما أسهل عندما تخيب النتائج: طرد 25 لاعبا أم التخلي عن مدرّب واحد؟

الملك هو الملك، و الرئيس هو الرئيس كما يقول المثل … هناك أناس قبلوا بمسؤوليات لها امتيازات و وجاهة و مرتّب أكثر من محترم، و لها أيضا عمل و التزام بنتيجة يكرم المرء بعدها أو يهان … رئيس الحكومة ملتزم بطرد أي وزير سجّل فشلا في مجال اختصاصه … وزير الحكم المحلّي ملتزم (لو كانت الدنيا دنيا) بحلّ أي مجلس بلدي متهاون في مرافقه العامة … رئيس البلدية ملتزم بمحاسبة عامل التنظيف الذي تبقى قاذورة واحدة في المنطقة التي يعمل بها … العامل ملتزم بإنجاز شغله و يجازى أو يعاقب بحسب المنجز و غير المنجز … و هذا مجرد ضرب مثال من مئات آلاف في أي مجال، حتى لا يقال ما لك أمسكت بالعامل البلدي و لم تعتقه منذ ساعة و ربع …

و هنا ينهض لك أكثر من متعجّب أو تتحرك في الهواء أكثر من يد بإشارة سخرية أو يأس … ففي هذه البلاد تعوّدنا أن نرى الطبيعي على أنه غير طبيعي، و الشاذّ على أنه هو المقرّص و هو المعجون … و تفسير ذلك بسيط، و نعود إلى سلسلة العامل البلدي و رئيس الوزراء … الخدّام لا يخشى عقابا لأن وراءه نقابة أو حزبا يخشاهما أو يتواطأ معهما رئيس البلدية … رئيس البلدية لا يخشى الوزير لأن بين يديه قانونا يعفيه من المساءلة … الوزير لا يخشى رئيس الحكومة لأن وراءه حزبا يحكم أو جهة متنفّذة، و سنرى ذلك بعد انتهاء الموجة الأولى “المستقلة” للمشيشي و العودة إلى نظام المحاصصات … رئيس الحكومة لا يخشى رئيس الدولة لأن نظامنا برلماني، أو “برمائي” مثل الضفدعة … على أقلّ صوت أو خطر مستراب، تنجو بنفسها و تقفز سالمة إلى الغدير …

في البلاد الديمقراطية حقا، هناك قيمة أساسية اسمها الرأي العام، المواطن، الفرد، الناخب، دافع الضرائب … هذه القيمة يخافها كل من في الدولة و يقرأ لها حسابا، لأن بفضلها يصعد حُكّام و عند غضبها يسقطون و ربما يحاكَمون و كل مؤسساتهم مبنية على هذا … أما في تونس، فالمواطن كمسؤوليات المسؤولين، ككرة الشاطئ، متقاذَف بين الأرجل و الأيدي و الرؤوس … و لا دور له في تنصيب هذا أو إسقاط ذاك، أما صوته فهو مضمون محسوم لا خوف منه … تريد مثلا نتائج انتخابات 2024 من الآن؟ ليس أسهل من ذلك صدّقني …

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“أعوام” قرطاج السينمائية

نشرت

في

للمرة لا أدري كم، تنتظم ببلادنا أيام قرطاج السينمائية … و للمرة لا أدري كم، توزّع فيها جوائز خلال حفل رديء فوضويّ يرتكبه أناس يزعمون أنهم أبطال عالم في التنظيم … و للمرة لا أدري كم، أشاهد ـ ومعي قسط لا بأس به من الجمهور ـ فقط عرضين من عروض مهرجاننا الكثيرة: حفل الافتتاح، وحفل الاختتام !

عبد القادر المقري Makri Abdelkader
عبد القادر المقري

طبعا أبالغ بشناعة حين أقول إنني لا أتفرج على ما تعرضه الأيام … فإلى وقت قريب كنت من روادها الجوّالين المنقّبين عن أية قاعة مظلمة زيّن مدخلها أفيش التظاهرة … غير أن طول الرحلة أتعب الساقين و الفؤاد معا، فما نحن بهواة سينما أية سينما، و لا أيضا من المغرمين بالتقاط الصور (اليوم صارت سلفيات) مع هذا النجم العربي أو ذاك … أكثر من هذا، لم يعد ينتابنا أي تشويق لمعرفة من سيفوز في نهاية السباق و من سيسقط و مِن ثمة يشكك في ذمم اللجان و ظروف اللعبة … هذا كله الآن صار حطام ذاكرة نأسف على سذاجتها، وعلى رواح معظم العمر في غمامة وهم …

أي نعم، وهم كبير هذا المهرجان و أوهم منه من يتراكضون لصيد شيء فيه … لحظة للتوضيح … أولا، لا تعنيني قشور حفل الافتتاح و أزياء الداخلين و الخارجات فتلك قياسات أخلاقوية لها أصحابها … تماما كالذين كانوا يرون في البرلمان المنحلّ مجرّد فضيحة معارك، لا ورشة شغّالة لبيع الذمم والبلاد  … و ثانيا، لست من عدميي الوطن و لا من كارهي أدنى بارقة ضوء فيه، بالعكس … فلأننا من هذا البلد نابتون فيه ثابتون منحازون، نقول عن أيام قرطاج السينمائية بأنها وهم و كذبة و بالمختصر، هدر فاضح للمال العام … هذا الكلام قلناه ماضيا حتى عندما كنا نواكب و نحتفل مع من يواكبون و يحتفلون … لا، بل قاله قبلنا و طويلا أهل المهنة أنفسهم و منذ متى؟ منذ أول دورة حضرتها طالب صحافة سنة 1978 و كانت برئاسة على ما أعتقد فتانا الراحل الأستاذ حمادي الصيد …

ففي تلك الدورة حصلت أول مقاطعة مهمّة للمهرجان، و المقاطعون لم يكونوا أي كلام: جمعية السينمائيين التونسيين، جمعية السينمائيين الهواة، جامعة نوادي السينما … ثلاث منظمات كانت تصنع المطر و الطقس الجميل، كما يقال في لغة فرنانديل … أما سبب المقاطعة فأذكر أنه كان “تقاعس الأيام عن إفادة السينما التونسية بأي شكل من الأشكال” … إذ أن قاعات السينما كانت تغلق تباعا و بسرعة، ومرّت من أكثر من مائة صالة إلى حوالي عشرين … ذلك منذ 44 سنة، و لا حديث عن الحالة اليوم … كما أن “الساتبيك” شركة الإنتاج الوطنية كانت مهددة بالغلق (و اليوم أغلقت تماما) و معها مختبر قمرت … و أيضا و خصوصا و خاصة فشل بلادنا في إرساء صناعة سينمائية وقتها و قبلها و بعدها و اليوم و بعد غد …

في تلك السنة لم يكن هناك مهرجان للسينما بمصر و لا سوريا و لا المغرب الأقصى و لا الجزائر و لا تركيا إلخ … و مع ذلك كانت هذه الدول (و مصر في مقدمتها) تملك الصناعة و السوق و النجوم و الأعمال الكثيرة الجيدة … أما نحن، فكنّا مجرد “عرس” استقبالات و ضيافات و صور مع المشاهير و تدبير دعوة لحضور مهرجان أجنبي، ثم توزيع جوائز، و صنع أسماء تتنكر لك عند أول التفاتة، و عليكم السلام …

كما أن المهرجان لم ينجح (و لم يهدف حتى) لجعل تونس قبلة سياحية أثناء انعقاده كما تفعل المهرجانات الأخرى … و هنا أذكر أنه منذ فترة غير طويلة، ذهب أحد وكلاء السياحة إلى مدير من مديري أيام قرطاج السينمائية، واقترح عليه تنظيم حملة دعائية عالمية لزيارة تونس بمناسبة المهرجان، و توظيف حضور كبار النجوم و كبار الأفلام لهذا الغرض … فما كان من السيد المدير إلا أن رفض الفكرة بأدب … طبعا، فالمهرجان دوره أن ينفق مال البلاد، لا أن يُدخل لها مالا …

 لهذا قاطعت منظمات السينما أيام قرطاج في تلك الدورة البعيدة، و لكن لم تعد بعد ذلك لمثل هذا الصنيع …

 و الأكيد الأكيد أنه تم إرضاؤها … بتحقيق تلك المطالب للسينما التونسية، و لتونس !

أكمل القراءة

جور نار

هل ستحدد معركة “خيرسون” مصير الحرب بين الروس والأوكرانيين؟

نشرت

في

لقد وصلت الحرب بين روسيا من جهة و اوكرانيا المدعومة بالاموال و أحدث الأسلحة و التدريب والتخطيط و المعلومات من دول الناتو وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية دفاعا ليس عن وطن كان تابعا للاتحاد السوفياتي ويحتضن أربع مقاطعات هامة ممن يتحدثون اللغة الروسية و يرغبون في الانضمام إلى بلدهم الام روسيا ..

محمد الزمزاري Mohamed Zemzari
محمد الزمزاري

يشار إلى ان انفصال اوكرانيا عن كتلة الاتحاد السوفياتي سابقا كان قد تم بطريقة لم تستجب لحدود اليوم إلى تسوية قانونية دولية او ترسيم حدود طبقا للقوانين الدولية ..وحاليا استعادت روسيا أثناء فترة بوتين الأولى والثانية من الحكم قوتها الاقتصادية و العسكرية مما آثار مجددا الرغبة الجامحة لدى أمريكا و من ورائها دول الناتو إلى اعتماد خطة جيوسياسية ذات طابع عسكري متمثلة في انتزاع حالة التحالفات الروسية مع الدول السابقة التي كانت تتبع الاتحاد السوفياتي وقد ساعد في نجاح هذه الخطة الأوضاع الاقتصادية للدول المذكورة للتضييق المتواصل على روسيا التي قد تعود خطرا مفترضا ..

لقد حشدت الدول الغربية و الولايات المتحدة “ارمادات” من القوة العسكرية والأسلحة المتطورة التي نصبتها على اراضي الدول المتأخمة لروسيا ..أما في اوكرانيا الورقة الأهم فقد تم ملؤها بالمختبرات المختلفة الأغراض السرية و دعم المنصات الحربية و المصانع النووية لتتوسع وتصبح على مر السنوات اللاحقة لتفسخ الاتحاد السوفياتي خطرا محدقا على أمن روسيا ..وكان على الولايات المتحدة و البلدان الغربية ان تحمي ترسانتها التي كانت في واقع الأمر تمثل الجزء الأهم من الخطة الجيوسياسية العسكرية ..

لم يكن بالامكان ان تمر هذه الخطة العدوانية تجاه روسيا منذ البداية .فكان لابد أن يتحرك بوتين باتجاه حماية حدود بلاده واسترجاع المقاطعات المحيطة التي تتكلم اللغة الروسية و تخضع لتهديدات من الجهات النازية ونظام اوكرانيا. هذا بالإضافة إلى أن هذه المقاطعات تعد ذات أهمية استراتيجية بالنسبة لروسيا وأيضا بالنسبة لاوكرانيا والغرب وهو ما يمثل خطرا على أمن روسيا ..

اليوم وصلت الحرب بين الروس و الغرب (بالوكالة) إلى أخطر مرحلة قد تحدد بوضوح اسميْ المنتصر والمهزوم بل قد تحسم مصير هذه المواجهات الدامية بين الطرفين … ذلك أن مدينة “خيرشون” التي تمثل اهم منطقة استراتيجية لن تتنازل روسيا عنها باعتبارها أصبحت أرضا روسية اثر الاستفتاء و أيضا اثر موافقة البرلمان الروسي ..وينتظر أن تمر خلال الأيام القريبة القادمة باعتى و افظع المواجهات التي دارت لحد اليوم باوكرانيا.

فمن جهة قد يدفع الغرب القوات الاوكرانية المهاجمة إلى تفجير سد الوادي الذي يقسم المدينة إلى نصفين لمحاصرة الجنود الروس. لكن كل هذه التفاصيل التكتيكية لن تفوت الخطط الروسية التي أجلت معظم سكان المدينة باتجاه خطة عسكرية كبرى ستحسم الحرب .. لذا وضعت الولايات المتحدة هذه الفرضية في الحسبان تبعا للتقارير المخابراتية واوعزت للرئيس الاوكراني بضرورة فتح حوار مع بوتين ..

.هل ستكون معركة “خيرسون” مدفنة كبرى للجنود الاوكران ؟ خاصة إذا عرفنا ان العقلية العسكرية الروسية قد برزت في الدفاع اكثر من الهجوم و أن المواجهة بـ”خيرسون ” تذكرهم بمعركة ^ستالينغراد” ضد النازية …الايام القادمة ستكشف كل نتائج هذه المواجهة الدامية بين الطرفين والتي يعتبرها بوتين خطا احمر بل قضيته الشخصية …

أكمل القراءة

جور نار

مساحة للمرح الهادف وأنتم تستقبلون فترة دراسية جديدة

نشرت

في

من ليس باستطاعته أن يضحك ويمرح، لا يجب أن نأخذ ما يقوله على محمل الجدّ أبدا… هكذا يقول الكاتب النمساوي توماس برنار.

منصف الخميري Moncef Khemiri
منصف الخميري

في محفل الخصال البشرية والعلائقية والاجتماعية المرغوبة، تُعدّ روح النكتة والدّعابة وإشاعة المرح من الشّمائل المستحبّة والمشتهاة لدى جميع من نتعامل معهم ضمن دوائر الأصدقاء والباعة والسّاسة والرؤساء. لكن استخدام روح الدّعابة بحنكة وبراعة ليس بالأمر المُتاح للجميع لأنه يقتضي من المتكلّم أن تكون لديه مهارات ذهنية متطورة جدا مثل الوعي بالذات وحذق تفاصيل اللغة وتعرّجاتها وإدراك طبيعة المشاعر الانسانية والتمرّس على رصد المعاني التي تؤثّث غير اللفظي والعفوية والتعاطف… والقدرة كذلك على إثارة المتعة والضحك لدى المتلقّي ودفعه دفعا إلى القول “كم هو ممتع الحديث إلى فلان، لكونه يملؤك ويشحنُك ولا يُفرغك، يُبهجك ولا يُحزنك، يُعلّمك ولا يُبلّدُك، يشدّك ولا يُنفّرك”. لذلك يُقال إن معاشرة إنسان بهيج وجذل وطروب أفيَدُ للفؤاد من شخص مغتمّ ومبتئس ومكروب… فيكفي التجهّم في السّماء على رأي إيليا أبو ماضي.

هذه بعض الحكايات والنوادر في علاقة بالتربية والمربين تعكس بالإضافة إلى طرافتها المؤكّدة قدرة خارقة على إيجاد الردود العفوية المناسبة في لحظات محدّدة :

الحكاية الأولى :

أستاذ جامعي حالِكٌ ومتجبّر وسيّء المعاملة مع طلبته كان بصدد تناول لمجة الغداء بمطعم الكلية، عندما جلس قبالته أحد طلبته المعروف بذكائه الوقّاد وتمرّده على كل الضوابط. بادره الأستاذ قائلا في نبرة تنمّ عن شيء من الاحتقار والاستهزاء “جميع الكتب التي قرأتها تؤكد دائما على أن الطيور والخنازير لا تأكل على نفس المائدة” !

لم يفكر الطالب طويلا قبل إجابته “آه، معذرة أستاذ، إذن دعني أحلّق”!

ظل الأستاذ صامتا كامدا غيظه أمام الصفعة المعنوية التي تلقّاها ردّا على محاولته استفزاز طالبه، وقال في نفسه لا بد من الانتقام منه هذا الوغد، فقرر إفراده بفرض مفاجئ خلال الأسبوع الموالي. وكان الأمر كذلك، لكن الطالب أجاب بشكل صحيح وبدقة متناهية عن كل الأسئلة المطروحة. أمسك الأستاذ ورقة الفرض وناداه إلى المنبر وطرح عليه إشكالا منطقيا مطالبا إياه بالإجابة عنه، قال له “كنتَ مارّا في الطريق وفجأة عثرت على كيسيْن، يحتوي الأول على أوراق نقدية والثاني على كمية لا بأس بها من الذكاء، أي الكيسيْن تختار ؟

–  “أختار الكيس الذي يحتوي على الأوراق البنكية بطبيعة الحال” أجاب الطالب

– “لماذا ؟ لو كنتُ مكانك لاخترت الذكاء بدون تردد” أردف الأستاذ.

– هذا طبيعي جدا أستاذ، لأن الناس بصورة عامة تختار الأشياء التي لا تتوفّر لديها !

بلغ الغضب مداه الأقصى لدى أستاذنا فحطّ ورقة الامتحان على المكتب وخطّ في طُرّتها بالقلم الأحمر “غبي وأحمق”… تسلّم الطالب ورقته والتحق بمقعده قبل أن يعود إلى الأستاذ بعض لحظات :

“عُذرا سيدي، لقد أمضيتَ لكنّك سهوتَ ولم تسندْ إليّ عددا.”

ما يُغريني شخصيا في هذه الحكاية هو النجاح في أن توجِع شخصا جديرا بذلك باستخدام “سلاح لغة الذّهن فقط” أو ما يسمّيه الفرنجة بــ les mots d’esprit أي باستعمال وسائل الثقافة بدلا من اللّجوء إلى وسائل الطبيعة المتألّفة من العضلات والهراوات. ومن ناحية أخرى، هذا النموذج من الأساتذة العُتاة موجود بوفرة في مدرّجاتنا الجامعية، فمنهم الدّون جوان والعدواني والشّامت والمقاول والمسافر أبدا والمتغيّب دائما … فوجب أحيانا إرجاعهم إلى حقيقة أحجامهم وتذكيرهم بأنه لن يبقى من مسيرتهم بعد “تعليق الحذاء” سوى خاصيّاتهم السيّئة التي عُرفوا بها.

الحكاية الثانية :

كانت جدّةٌ تتجول مزهوّة في شوارع المدينة رفقة حفيديْها، لمّا اعترضها شخص يعرفها، فبادرها بالسؤال : كم يكون عمر هذين الأميرين الصغيرين سيّدة جوزيفين ؟ أجابته على التوّ ودون طويل تفكير “الطبيب عمره 5 سنوات، أما المحامي فعمره 7!

ينطبق على هذه الحكاية مبدأ “النهاية أو المنتهى أو الغاية النهائية” telos في فلسفة أرسطو، والذي يعني “العملية المركزية التي تمارسها الغايات على الوسائل” لأن الإنسانية لها اتجاه، وهي تتطور باتجاه كمالها النهائي. أي أن الطفل ليس ما هو عليه الآن بل هو ما سيُصبحه في المستقبل. أو ليس هذا قفزا محمودا في المستقبل يؤثر إيجابيا في مُجريات حاضرنا جميعا ؟ !

الحكاية الثالثة :

في قديم الزمان، كان هناك أستاذ صيني يتنقّل بين مدينة وأخرى ليلقي في كل مرة محاضرة أمام جمهرة من المتعلمين والمهتمّين حول موضوع تقني معقّد. وكان يمتطي عربة تقليدية يقودها سائق من نفس سنّه تقريبا وكان هذا الأخير على درجة عالية من الفطنة والانتباه والقدرة على الحفظ.

وبعد عدة تنقّلات، انتهز السائق فرصة الاقتراب من المدينة التي ستحتضن المحاضرة الجديدة، فقال للأستاذ : “لقد حفظت تفاصيل محاضراتك بالكامل وأراهنك أنني أستطيع تقديمها عوضا عنك وكأنني أنتَ”.

– أجابه صديقه الأستاذ: “نعم قد يكون، ولكن كما تعلم يا صديقي المحاضرة يعقبها دائما سيل من الأسئلة التي يُلقيها الحضور، وعندها… لا أعتقد….”

– قاطعه السائق متحمّسا: “لا أعتقد أن ذلك يمثل مشكلا يا أستاذ لأنهم يطرحون دائما نفس الأسئلة وقد حفظت جميع الإجابات عن ظهر قلب.”

أُعجب الأستاذ بالفكرة وأغراه التحدّي فاقترح أن يتبادلا اللباس والأدوار وهما على مشارف المدينة.

أبدع السائق يومها وقدّم محاضرة رائعة متمكّنا من الردّ على كل الأسئلة التي ألقيت عليه لكونها أسئلة مكرورة يُعاد طرحها في كل مرة.

ولكن في نهاية الأمسية بادر أحد الحاضرين بطرح سؤال غير متوقّع وغير مسبوق. كان الأستاذ في آخر القاعة متنكّرا في لباس السائق يُتابع بانتباه ودهشة ما يحدث أمامه. وفجأة توجّه السائق إلى الأستاذ الجالس وراء الحضور مُشيرا إليه بإصبعه :

– “أصدقائي، لقد مثّلتم بالنسبة إليّ جمهورا بديعا، أنصتّم إليّ بتركيز كبير وطرحتم أسئلة صعبة جدا…ولكن وصلنا إلى وقت متأخر، لذلك نشعر كلّنا بتعب شديد… وهو ما يفسّر أننا كنّا بصدد الاستماع إلى سؤال غاية في السهولة بشكل حتى السائق الذي يرافقني والذي يجلس هناك قادر تماما على فكّ رموزه… وستكتشفون ذلك بأنفسكم. فتفضل صديقي لو سمحت ! “

نستطيع أن نقول إزاء هذه الحكاية أن :

قوّة العقل (مرة أخرى) لا تُضاهَى وأصعب المآزق باستطاعتنا التغلّب عليها إذا نحن تحلّينا بما يكفي من الدهاء والذكاء.

العِصامي – كما تعرّفه الكاتبة ماري إيموني-  ليس من يتعلّم كل شيء لوحده (وهو تعريف عار من أي معنى له دلالة حقيقية) بل هو من تكون معارفه غير مؤشّر عليها في أي شهادة ولا يدافع عنها أيّ كان.

أكمل القراءة

صن نار