تابعنا على

جور نار

السياسيون في أوج الهستيريا، و الشعب في قلب “الميزيريا” !

الحكومات هي من صنعهم يمتدحونها متى كانت طوع بنانهم ويرجمونها متى أرادت تحمل مسؤولياتها…

نشرت

في

لم يعد المشهد السياسي في تونس في حاجة إلى وصف أو توصيف فالكل يرى و يسمع و يتألم مما يجري ….مشهد تسيطر عليه نزعات الإستحواد والغطرسة و لأجلها استبيحت كل الوسائل ….من سباب وشتائم ودسائس بعضها ظاهر و بعضها خفي … حكومات متعاقبة أرادوها مكبلة مشلولة حتى تظل الدولة تنزف و تسير نحو موت محتوم …

أما ما خفي طيلة هذه السنوات العجاف فقد بدأت ملامحه ترتسم بوضوح أكبر من خلال ما يجري داخل البرلمان وعلى صفحات الفايس بوك الذى تحول الى ساحة وغى وغوغاء

يريدون إعادة البلاد إلى منطقة التناحر المجتمعي الذي استشرى ما بين 2011 و 2013 و أفضى إلى ما أفضى إليه من كوارث ومنزلقات كادت تعصف بالبلاد وتحولها إلى ركام ورماد…

محمد الواد

اليوم صرنا نرى العدوانية بعين مجردة لا تحتاج إلى شرح أو تفسير و نسمع ألفاظا موغلة في الوقاحة و الانحطاط بدعوى الحرية وممارسة الديمقراطية و الحقيقة أن النمادج الماثلة أمامنا لا تعبر إلا عن نزعات استبدادية و أغراض اقصائية وحتى تصفوية

و طالما أن مجلس النواب هو مرجع السلط بحسب الدستور و المدافع الأول عن هموم الشعب فإن منطق الاشياء يفترض منه أن يكون مختبرا للإصلاح من مختلف الوجوه…

فاين نحن من كل هذا؟ لا شيء على الإطلاق فكل الشغب و التناحر و الضوضاء لا غاية منها سوى تكريس منطق الغورة و الاستيلاء و ترسيخ عقلية الإقصاء و التخوين و لو بالتنمر و الاستئساد المرضي المقرف…

إن هذه الهستيريا و هذا المجون لم ينجرّ عنهما سوى إحساس عام بأن الطبقة السياسية ببرلمانها و أحزابها و جزء كبير من إعلامها هي أصل البلاء و هي التي فتحت الباب واسعا أمام كل من هب ودب لفرض قانونه عبر الاستقواء على الدولة ومقايضتها بمنطق التحوز و الاستفزاز…

يحدث كل هذا و البلاد تئن تحت وطأة التداين المتعاظم و المؤسسات و الشركات المتهاوية و اتساغ رقعة العاطلين عن العمل وتزايد المنضمين الى قوافل الفقر المدقع…

وحين تسأل رموز البؤس السياسي عن مصير البلاد و العباد يجيبونك بنبرة استعلاء وتعفف منافق: هذا شان الحكومات… طيب أوليست الحكومات هي من صنعهم يمتدحونها متى كانت طوع بنانهم ويرجمونها متى أرادت تحمل مسؤولياتها…

أما الشعب المسكين المغلوب على أمره فبقي صاغرا مذهولا و هو يعاين… الكل يتحدث باسمه ويمارس عليه جميع الأساليب من أجل تقسيمه وتحويله الى كتل متباغضة متناحرة…

أهذه هي تونس؟ أمن أجل هذا انتخبتهم ؟

أبدا، أبدا … فلا هذه تونس التي استأمننا عليها الأجداد ولا هذا ما يريده الشعب … فكفانا هستيريا فالناس لم يجنوا منكم سوى الإنهاك والميزيريا، و لن يرحموكم يوم تعودون لطلب ودهم … و وقتها هيهات

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

التَيمُّم … وسياسة ترشيد استهلاك الماء !

نشرت

في

مراحل التيمم | المرسال

كنت خارجا لتوي من حبث دفعت ما جاء في أثقل فاتورة استهلاك ماء غير صالح للشرب، عكس ما يقال … فالحقيقة هي أن اغلب المياه التي توزعها الدولة لم تعد صالحة للشرب كما كانت وكنّا نعرفها، هي فقط وفي بعض المدن والجهات بالذات صالحة للاستحمام وغسل الأواني ومآرب أخرى...

محمد الأطرش
محمد الأطرش

أقول كنت خارجا بعد أن دفعت “دمّ قلبي” كما يقال حين اعترضني أحد أصدقائي من الدُعاة المدافعين والمنظرين الشرسين لتحوّل الخامس والعشرين من شهر جويلية، وهو أمر لا يهمني كثيرا فانا مع حرية الانتماء والاختلاف والتصفيق… قصفني هذا الأخير قصفا عشوائيا بابتسامة عريضة ناسفة قبل أن يقترب منّي وكأنه يدعوني إلى جلسة حول فنجان قهوة يحاول خلالها تحويل وجهتي إلى فرقة “الله واحد الله واحد” التي يديرها صحبة بعض المصفقين…والمطبلين…الافذاذ…البررة…

اقترب منّي وفتح ذراعيه مرحّبا ومحتضنا وكأني غبت عنه لسنوات، وقال “ما بك وكأنك خارج من معركة اليرموك يا صديقي؟” نظرت إليه وقلت له “حياتنا كلها أصبحت معارك يا (سعيد الصحاف)…واليوم كانت لي مشاركة في معركة القادسية”

{أسميته بالصحّاف منذ عرفت أنه من المصفقين المطبلين المدافعين دون حجة ولا برهان وبكل الطرق عن التحوّل المبارك الثاني الموافق للخامس والعشرين من جويلية، فالصحاف كان يلمّع صورة صدام وجيشه ويبالغ في نشر الاخبار الزائفة عن هزائم الأمريكان والحقيقة أنه لا يعلم شيئا عما يحدث على بعد أمتار منه… }

 قلت له: حياتنا أصبحت كلها معارك، ففي اليوم الواحد نقضي أكثر من ساعة ونصف ونحن في معارك رصّ الصفوف طمعا في الظفر والفوز برطل من السكر أو بعض المواد المفقودة التي أصبحت مواعيد وصولها وبيعها تُرصد برؤية الهلال كرمضان والعيد أو من خلال ردّ خبر من أحد الذين يعملون في الفضاءات الكبرى… وأضفت: كنت قبل قليل أدفع ما لم أدفعه منذ ولدت خلاصا لفاتورة استهلاك الماء فسعر المتر مكعب من الماء الآتي من الأرض والسماء ارتفع ولم ترتفع قوّة تدفقه، رغم أني ومنذ أكثر من شهر أعاني من قطع في التزويد لا أحد نبهني عن حدوثه مسبقا لمدّة تقارب الأربع ساعات يوميا، إضافة إلى ضعف قوة التدفّق التي نعانيها منذ اشهر الأمر الذي أعادنا إلى أكثر من أربعين سنة إلى الوراء فــ”الطنجرة” عادت للظهور في منازلنا لتسخين الماء للاستحمام وغيره…فضعف قوّة التدفق لا تسمح للسخان المنزلي بالعمل ويضطرنا للعودة إلى العادات التي تركناها حين تصورنا اننا ارتقينا وتطورنا وتقدمنا كبعض الدول الأخرى التي سبقتنا…

قال وهو يستعد لدخول المقهى “حكاية الصفّ يا صديقي هي منفعة لا مثيل لها لشعبنا اليوم…فالصفّ هو أفضل مكان لإعادة العلاقات والودّ بين الأصدقاء والأحباب، فالصفّ للظفر برطل من السكر يجمع الجميع رغم اختلافاتهم، وهو المكان الأنسب اليوم للالتقاء والتقارب وتبادل الآراء بعد أن تمّ القضاء على الأحزاب التي فرقتنا، وشتتت أهدافنا، فالهدف الذي يجمعنا أصبح واحدا وهو رطل السكر أو أي مادة ضرورية مفقودة…وحين نُوحّد أهدافنا ذلك هو الكسب الكبير لهذه البلاد…” كاد يغمى علي مما سمعته من “الصحّاف” والتزمت الصمت خوفا من أن أغضبه وأتسبب في خلاف لا موجب له…

جلس “الصحّاف” أمامي حول طاولة في مقهى “عمّ احمد العطشان” وقال وهو يبتسم ابتسامة لا أعرف معناها “ولكم في ذلك منافع كثيرة وأنتم لا تعلمون”، ضحكت ملء شدقي وقلت ” أأصبحت منظرا وتحاكي في قولك ما جاء بالقرآن الكريم يا صحّاف الكذّاب؟؟” قال”والله لا لكن سأكون واضحا معك فأنا أقرب منك فهما وتحليلا لما يريده الحكام بأمرهم في هذه البلاد وفي ما يفكرون …” قلت “وما هذه المنافع يا صحّاف…؟؟” قال “أولا لانقطاع وضعف تدفق الماء واضطراركم للعودة إلى عادة تسخين الماء في “الطنجرة” منفعتان أولاهما تعويض سياسة تحديد النسل التي نجحت تونس فيها وتركناها منذ سنوات، فحين تدرك انك لن تكون قادرا على الاستحمام بالماء الساخن دون ان ترهق نفسك بالتسخين وما إلى ذلك من معاناة ومشقّة “الطنجرة” ستضطرّ إلى النوم باكرا وستؤجل برنامج معاشرة زوجتك حتى اشعار آخر، وبذلك قد تنخفض نسبة الولادات بحوالي عشرة آلاف مولود سنويا وهو أمر قد يفيد الدولة والعائلات في إطار ترشيد مصاريف الدولة، وتحديد نسب الاستهلاك عموما…

 كما يساهم ذلك في بلورة الميزانية العامة للدولة ومنوال تنموي جديد تؤخذ فيه بعين الاعتبار نسبة التطوّر السكاني السنوي في البلاد، وأنت تعلم جيدا حجم تكاليف مولود جديد ومصاريفه اليومية في زماننا هذا، وما ستدفعه الدولة غدا حين يصل إلى سن الدراسة وصولا إلى التخرّج من الجامعة…كما يساعد ذلك الأمر على استشراف سياسة التخفيض من نسب البطالة والحدّ منها في الأجيال القادمة…أما ثاني المنافع فهي العودة إلى وسيلة شرعية في الوضوء وهي “التيمّم” فالتيمّم من الوسائل الشرعية في ترشيد استهلاك الماء والحفاظ على الثروة المائية، كما أن التيمّم والتخفيض من عدد مرّات الاستحمام شهريا سيساعد على الحفاظ على مخزوننا من المياه في المائدة المائية وسيحدّ من أزمة الماء التي بدأت تلقي بظلالها على أغلب دول العالم… وفي كلتا المنفعتين قد توفّر الدولة لخزينتها سنويا حوالي مليار من الدنانير …أظنّك فهمت ما أقصد يا صديقي؟؟؟ “

استغربت قوله ولم أصدّق ما سمعته منه ونظرت إليه قائلا “لا تقل لي أيضا إن فقدان بعض المواد الأخرى له منافع بعدد شعر الرأس…؟؟” أجابني “لا…لا… تلك مسألة أخرى، مؤامرة خارجية من بعض الدول العظمى بمساعدة بعض العملاء من الداخل… فبعض الدول لا تريدنا أن ننعم بهذا الاستقرار وهذا التحديث الذي تعيشه اغلب مناحي الحياة في بلادنا، كما أن ديمقراطيتنا الاستثنائية التي أصبحت حديث الدنيا لم تعجب بعض الذين يريدون زرع الفتنة في صفوف هذا الشعب…” قلت “حديث الدنيا… دنيا اشكون؟ أهذه قراءتك لما يقع بالبلاد يا صحّاف ؟؟” قال “نعم طبعا وهي قراءة سليمة خالية من كل مغالاة ومن كل عاطفة، هي قراءة محايدة وعقلانية…يا صديقي” قلت “بكم كيلوغرام من العلف اليوم في سوق الأعلاف يا صحّاف؟؟” قال “سل الحمير فأنا لست منهم…”

نظرت إليه وغادرت المكان وأنا أقول في خاطري… أين النخبة المثقفة في هذه البلاد لماذا تركت مكانها لأمثال “الصحّاف” ليكذب على الشعب ويغالط أصحاب القرار ويهدم كل ما بنيناه سذاجة وحقدا وانتقاما؟؟ أليست النخبة هي من يتحمّل هموم المجتمع وتوجيهه الوجهة الصحيحة…أليست هي الاقدر على تسليط الضوء على ما هو كائن، وما يمكن أن يكون؟؟ أين إعلامنا الذي نعرفه سابقا ؟؟ ماذا يمكن أن نغيّر في ظل الصمت المُريب للمُثقف، وخوف السياسي الغريب، وواقع الإعلام المُفزع والمبكي والمخزي…

أليس الاعلام هو من ينير السبيل لمؤسسات الدولة لتعرف ما يجب ان تفعله لصالح هذا الشعب؟؟ لماذا نترك إعلام الباطل يُسكت إعلام الحقّ… لماذا فسحنا المجال ليتوهّم أصحاب الباطل انهم على حقّ؟؟ ماذا جلب لنا التصفيق والتأليه والتطبيل سابقا أأفادنا في إصلاح حالنا وأحوالنا وحال الوطن؟؟ لا… فلم يصرّ بعضنا على مواصلة التصفيق؟؟ لماذا يقبل بعضنا بأن يكبّل الباطل ألسنتهم ويلجم افواههم ويخدّر ضمائرهم؟؟ أين الأحزاب من كل هذا الذي يجري، لماذا أخفت رؤوسها في التراب؟؟ ألم يحن الوقت لتنظّم نفسها وتبتعد عن الانتهازية السياسية واغتيال الضمائر بمفاهيم ضيقة خانقة، ومدمرة لمستقبل البلاد والعباد…أليس هذا دورها التوعوي الذي كثيرا ما فاخرت به؟؟

ابتعدت عن المكان وأنا أقول “الله يرحمك يا بورقيبة…برنامجك للتنظيم العائلي يتواصل بالتيمّم وهجر زوجاتنا في الفراش بسبب انقطاع التزود بالماء الصالح للاستحمام وضعف تدفقه عبر الشبكة… فانقطاع الماء الصالح للاستحمام يعوّض وسائل منع الحمل الأخرى … نم هانئا… نم هانئا فنحن أصبحنا نعيش مهزلة ومأساة (الطنجرة) التي رافقتنا حين كنّا صغارا…مأساة تتكرر كل يوم في حياتنا ابتداء من لحظة قيامنا من النوم وخروجنا من المنزل إلى عودتنا إلى منزلنا وفراشنا للنوم ليلا…مع رفع زوجاتنا ليافطة كتب عليها “ممنوع الانتصاب…ولا تسألني عن الأسباب”…

فجأة شعرت بصوت يقول: “تي اشبيك دخت والا اشبيك…خلصت فاتورة الماء وإلا لا…” …كانت زوجتي، وجدتني نائما بعد أن أرهقني ثقل ما جاء في فاتورة استهلاك الماء… نظرت إليها وقلت “اشبيك يا صحّاف…اشبيك؟؟” قالت: “اشكون الصحّاف …؟؟؟ خلصت الماء وإلا لا…ترصيلناش يقصوه زادة …”…نظرت إليها وقلت: “الماء قوي زعمة…السخّان يمشي والا لا…”…ورويت لها كل ما وقع معي مع الصحّاف في حلم كنت اظنّه حقيقة…ضحكت وقالت: ” الماء ضعيف…يبطى شوية”…

أكمل القراءة

جور نار

كلمات خفاف نظاف … إلى ديوان الأعلاف

نشرت

في

اتحاد الدواجن: احتجاز 2 مليون و700 ألف طن أعلاف في الموانئ بسبب نقص الدولار

“وافق مجلس الوزراء المنعقد بقصر الحكومة أمس الخميس 4 جانفي 2024 على مشاريع أوامر تتعلق بإحداث الديوان الوطني للأعلاف وبضبط تنظيمه الإداري والمالي وطرق تسييره، نظرا للإشكاليات المتعلّقة بتوريد الأعلاف وبإنتاجها على المستوى المحلي والاخلالات المسجلة على مستوى منظومة التوزيع”.

عبد القادر المقري Makri Abdelkader
عبد القادر المقري

الخبر ـ كما نرى ـ جد في جد، وهو لو نظرنا إلى واقع فلاحتنا وخاصة على مستوى تربية المواشي، لا يمكن إلا أن نقول آمين … ففي كل عيد كبير، يبرر الجميع تقريبا الارتفاع المجنون لأسعار الأضاحي بغلاء العلف وندرته سواء كان العام أجدب أو ممطرا … وفي كامل السنة وكلما طاف طائف منا بمحلات الجزارة ولحم الدجاج وصعقته التعريفة المتصاعدة دون كهرباء، تسمع أيضا تعليلة أو تعليلتين عن العلف ومشاكله … ويمر ذلك حتما إلى الحليب ومشتقاته، هنا أيضا يجد الباعة والمروجون والمنتجون نفس “السبّة” (بكسر الباء) ليقنعوك أن زيادة السعر واجب وطني …

إذن قد يكون هيكل كهذا من باب قطع باب المهرب على من يلعب بالأسعار ببراعة لاعبي السيرك … ولو أن في جراب هؤلاء الحواة أكثر من حيلة أخرى حتى لو انفضّ مشكل العلف تماما … فسيعود الحديث عن سرقة الأغنام، وتهريب الأبقار، وموسم الإخصاب، وتكاثر السكان، ولهفة المستهلك إلخ … كما أن التوجّس لا يمكن أن يفارقنا ونحن نرى إدارة جديدة تضاف على الركام الإداري الذي نرزح تحته بلا فائدة … بل ربما كان الضرر من هذه الدواوين المتكاثرة أكبر من نفعها … فعندنا بعدُ ديوان للزيت بلا زيت، وديوان للحبوب ولا حبوب، وديوان تجارة فاقم أزمة القهوة والسكّر، وديوان لمساكن أعوأن التربية، ونحن نلحظ رجال التعليم ومعظمهم بين سكنى الكراء والقروض العقارية القاتلة …

ولكن بما أن الشيء بالشيء يذكر، وبما أننا والبقر صنوان، فهلاّ التفت ديوان الأعلاف هذا إلى حالنا نحن البشر … هو يعلم جيّدا أننا منذ مدة طويلة نكاد نرفس بعضنا البعض في طوابير المخابز التي تفتقد موادها الأوّلية … وبحدة … وهناك محلات أغلقت وهناك دقيق يباع ويشترى في السوق السوداء بأضعاف ثمنه، وهناك نخالة لا تجدها إلا نادرا وهناك وهناك … بل لا هنا و لا هناك …

لذا … على الديوان الجديد أن يعدّ نفسه من الآن لقراءة حسابنا في ما سيقع تحت يديه الكريمتين من شعير وفول وقطانية وقصيبة وسداري ونخالة ونفلة وبرسم وكتان و شوفان وحلبة وتريتيكال وكرع دجاجة … والله لا يضيع أجر المحسنين …

أكمل القراءة

جور نار

ورقات يتيم… الورقة 80

نشرت

في

كواليس انقلاب 7 نوفمبر 1987.. شهادات على العصر

في آخر سنوات، بدأ زميلنا وأستاذنا الصحفي الشامل عبد الكريم قطاطة، في كتابة سيرته الذاتية … السيرة كانت معنونة بـ “ورقات يتيم” وكان مسرح نشرها صفحته الرسمية على فايسبوك … وقد انقطع كرّومة مدة عن تحبير هذه الورقات التي كانت تجد متابعة كثيفة من قرائه الكثر، ثم “هداه الله” أخيرا إلى وصل ما انقطع واستئناف نشر الذكريات … كما تفضل كريما بإشراك جريدته جلنار في عملية النشر هذه … وها نحن نسعد ونُسعد قراءنا بِبَوْحِه الجميل الذي هو أيضا شهادة على هذا العصر، في هذا المصر …

ـ التحرير ـ

عبد الكريم قطاطة
عبد الكريم قطاطة

يوم قررت ان اخطّ لكم تجاربي في الحياة لاوثّق لجيل كما عشته بكلّ صدق ونزاهة دون روتوش دون تزييف .. كتبت في ورقتي الاولى كتقديم لماهي ورقات يتيم، مقدّمة هذا البعض منها … اليتم ليس فقط ان نفقد احد الوالدين او كليهما .. اليتم ايضا ان نعيش الوجع ونحن نشاهد اوراق شجرة كم انتفعنا بثمارها واستظللنا بظلّها ان نشاهد اوراقها الواحدة تلو الاخرى … الثابت انّ لكلّ واحد منّا ذكرياته مع دروب الحياة منذ نعومة اظافرنا .. دروب قد تختلف من جيل الى جيل ولكنها ـ على الاقلّ بالنسبة لي ـ هي مزروعة في اعمق اعماقنا .. وبدات رحلتي مع كتابة ورقات يتيم منذ 3 جويلية 2016 .. بدءا بولادتي ثم حياتي في الطفولة وفي الشباب بكلّ هزاتها وزلازلها بكلّ ورودها واشواك ورودها ..

ويعلم الله اني حاولت من خلال ما كتبته ان اقوم بعملية توثيق صادقة لذلك الجيل من خلال ما عشته واياه وكانت آخر ورقة (الورقة 79) وكانت بتاريخ 18 جوان 2019 .. وانقطعت عن مواصلة الكتابة ..وها انا اضيف لمساوئي سوأة اخرى ..انا سجين لقلمي ..هو الآمر الناهي ولا سلطان لي عليه ..راسو صحيح وكاسح برشة ..يبدو انّو جا لمولاه ..ربي يهديه .. وزيدو ادعيولو بالهداية باش في خريف العمر هذا يرجع للصواب … آخر ورقة، في مضمونها كانت عن عودتي للاذاعة سنة 1987 بعد ابعاد دام 18 شهرا … وها انا اليوم وفي اليوم الثاني من جانفي 2024 اعود لاستكمال تلك الورقات بحلوها وبمرّها … وكما الماء في توليفته هو ذرّات من الاوكسجين والهيدروجين فطبيعيّ ان تكون الحياة باوكسجين حلوها وبهيدروجين مرّها …

العودة للمصدح وكما اسلفت كانت يوم 12 جانفي 1987 … ولانّ جانفي هو شهر الاحداث في تاريخ تونسنا فانّه ايضا شهر الاحداث في حياتي … كانت انذاك زوجتي حاملا .. وكان حملها من النوع الشائك .. مما حتّم عليها ملازمة المستشفى قسم الولادات وتحت مراقبة طبّية دائمة .. حالتها كانت طبّيا تسمّى “البلاسنتا برافيا” وهي تعني انّ الولادة قد تحدث في ايّ يوم وفي ايّة ساعة .. وحتى قبل موعد شهرها التاسع … لكن الاخطر في كلّ هذا انها هي مهددة بما يسمّى “ايموراجي انترن” اي نزيف داخلي يهدّد حياتها وحياة جنينها …

الوالدة عيّادة رحمها الله كانت قلقة جدا من هذه الحالة .. لانها وحسب المعتقدات السائدة انذاك هي على شبه يقين او يقين كامل بانّ ايّ مولود في الشهر الثامن لا فُرص له في الحياة ..فتلك ميزة لرسولنا فقط ولا احد غيره ..نعم اجدادنا لهم قناعة بانّ (الثموني) لا حظّ له في الحياة والثموني تعني الطفل الذي يولد في شهره الثامن … رغم انّ الطبّ والاطبّاء يسخرون من هذا الاعتقاد وهم على حقّ في ذلك .. لانّ الجنين حظوظه اكبر في الحياة عندما يمكث اكثر في بطن امّه للما انّ ذلك يعني استكمال نموّ اعضائه …

يوم 13 جانفي صباحا افقت على زيارة غير منتظرة تماما من زميل كان في بداية مشواره في الصحافة المكتوبة (عماد الحضري) ومن صديقة العائلة، المرحومة كلثوم الطرابلسي، قدما على متن سيارة اجرة حيث اقطن بحوشنا في ساقية الدائر … فوجئت جدا بزيارتهما الصباحية ولم يمهلاني كثيرا ..ايّا مبروك سي عبدالكريم … يبارك فيكم .. قلتها وفي ذهني انّ الامر متعلّق بعودتي بالامس الى المصدح … او هكذا خُيّل اليّ … لكن قلتها وباستغراب .. اما كان عليهما ان ينتظرا طلوع النهار ؟؟ .. ولعلّهما لاحظا استغرابي فلم يتركاني لضياعي وبادراني بالقول .. مبروك المولود الجديد .. تقولشي كان حالف ما يجي الا ما ترجع انت للاذاعة !

وهللت عيادة للخبر ..انه مولود وليس مولودة … وفرحة آبائنا وامهاتنا مضاعفة عندما يكون المولود ذكرا .. خاصة انّ والدتي دفنت في حياتها 4 ذكور .. لكنّ فرحتها بالمولود (كروان ابني) كانت مشوبة بكثير من الحذر .. كما اسلفت هو وُلد في الشهر الثامن (ثموني) لكنّها وبحكمتها لم تشأ ان تنكّد الاجواء فانخرطت مع الجميع في الفرح .. يوم 13 جانفي كان مولد ابني كروان .. وكانت ولادته عسيرة للغاية .. بل كانت خطرا على حياة والدته اي زوجتي منية … في الليلة بين 12 و13 جانفي اصيبت منية بايموراجي مفاجئ … والحمد لله ان تفطّن الطاقم الطبي الساهر على سلامتها للامر .. وهنا اخصّ بالذكر الممرضة السيدة سارّة بعزاوي حرم المرحوم حمادي العقربي، أسطورتنا الرياضية، والدكاترة القرمازي والحمامي ..نعم هؤلاء انقذوا منية زوجتي من … لا قدّر الله .. والحمد لله …

وتمّت الولادة القيصرية على جناح السرعة وجاء ابني للحياة وهو الان ينعم بحياة عائلية سعيدة مع زوجته وابنته بُنيّة السنتين ونصف، حفظهم الله جميعا … شفت يا سي كروان اش عملت فينا وخاصة في امّك ؟؟… سنة 87 وفي اواخرها كان الحدث الابرز … انّه 7 نوفمبر .. انّه التحوّل .. يومها صباحا كنت نائما بحوشنا .. وفجأة قدمت زوجتي لتوقظني وهي في قمة الاستغراب قائلة … فيق فيق بورقيبة اتنحّى .. لم اصدّق اذنيّ اطلاقا … بورقيبة يتنحّى .. هذي ما تصيرش .. نعم كان بورقيبة بالنسبة لي واظنّ لغالبية الشعب التونسي رمز الدولة ورجلها .. قد نختلف معه في عديد الاشياء واختلفنا معه .. ولكن ومهما اختلفنا هو في داخلنا الزعيم سواء علانيّة او سرّا … فمن يجرؤ على المسّ به ؟؟

نهضت بسرعة وجذبت الراديو اليّ وكان بيان السابع من نوفمبر .. للامانة كان وقتها بيانا مقنعا شكلا ومضمونا .. اذ انّه كان انقلابا لم يخلُ من الاخلاقيات .. الاعتراف بما قدمه الزعيم .. حتميّة التغيير نظرا إلى صحة الزعيم المتدهورة .. ووعود للشعب التونسي بغد لتونس افضل حيث مزيد من الحرية والديموقراطية … ويبدو انّ هاتين الكلمتين هما مفتاح لكلّ حاكم جديد … رغم انّ الاحداث في تونسنا اكّدت انّهما مفتاح للسراب وامتحان متجدّد لغبائنا .. ولعلّنا نجحنا بامتياز في كلّ امتحانات الغباء …

يومها اي السابع من نوفمبر .. وقعت دعوة كلّ المسؤولين في اذاعة صفاقس وبعض الاسماء الاخرى (زعمة زعمة اللي عندهم وزن واشعاع لدى الجمهور) وكنت من بينهم لاعداد برمجة جديدة تتلاءم مع التغيير .. كنت انظر في الوجوه .. واوّل ما عاد لذاكرتي بيت شعري لمنوّر صمادح (شيئان في بلدي قد خيّبا أملي .. الصدق في القول والاخلاص في العمل) .. وعجز البيت هو الشعار البورقيبي للدولة التونسية ايام حكمه …

لماذا جال بخاطري هذا البيت الشعري ؟؟ هاكم الاجابة … اقسم بالله العظيم .. كان هنالك شخص من مسؤولي اذاعة صفاقس رحمه الله قال يوم 6 نوفمبر 87 .. انا لو يقومو بتحليل دمي ما يلقاوش فصيلة “أ” ايجابي او “ب” سلبي .. يلقاوه دم بورقيبي … يوم 7 نوفمبر 87 نفس الشخص يقول .. يزّيه بورقيبة .. شيّط .. يخخي ما فهمش انو يلزم يمشي على روحو … نعم “الصدق في القول” يمشي على ساقيه ! وطبعا انخرط المسؤولون في عمليّة جرد لكلّ الاغاني الخاصة بالزمن البورقيبي والمتباهية بانجازاته .. “يا حبيب تونس يا عزيز علينا” لنعمة كمثال …ولكن ايضا لكلّ اغنية فيها خدش بكلمة الزين … “الزين هذا لواش” كمثال …

وبما انّي طحت للمصروف متاع الاغاني دعوني اختم هذه الورقة بـ “ليه يا زمان ما سبتناش ابرياء” …

4 جانفي 2024

أكمل القراءة

صن نار