تابعنا على

جلـ ... منار

العدل الدولية واصطياد السَحَرة… إقلاق عظام كيسنجر

نشرت

في

واشنطن والـ«فيتو»: لا وقف لإراقة الدم الفلسطيني

أمر منتظَر أن تتباين الآراء حول تقييم الخلاصات التي انتهت إليها محكمة العدل الدولية بصدد شكوى جنوب إفريقيا ضدّ دولة الاحتلال الإسرائيلي، وأن يتراوح التفاوت بين قطب يرى فيها انتصاراً صريحاً أحرزه سجلّ الاحتكام إلى القانون الدولي؛ وقطب، نقيض أحياناً، لا يلمس فيها مستوى ملموساً أو كافياً من الإجراء الاحترازي الردعي، خارج اللغة الغائمة والتعبير الرمزي والرطانة القانونية المطاطة.

صبحي حديدي

ثمة، إلى هذا، منطقة توسّط ليست البتة أقلّ وضوحاً، ولعلها أعلى من القطبين المتوازيين السالفين قدرةً على حيازة إجماع عريض، قوامها: 1) أنّ محرّمات عديدة تمتعت بها دولة الاحتلال على امتداد عقود، بعضها جوهري ومزمن، قد سقطت في لاهاي، على رأسها تسييج الكيان الصهيوني بمتاريس دفاع حصينة، مثل العداء للسامية ومأساة الهولوكوست؛ و2) أنّ تصويت قضاة المحكمة الدولية بمعدلات بلغت 15، وأحياناً 16، من أصل 17، شكّل تحوّلاً ساطع الدلالات بصدد إجراءات بعضها تجاوز الصفة الاحترازية، أياً كانت مفردات الحذر والتحفظ.

فإذا شاء امرؤ البحث عن “حسّ” انتصار ما في خلاصات العدل الدولية الأخيرة، لصالح جنوب إفريقيا وضدّ دولة الاحتلال؛ فالأرجح أنّ من الخير ترحيل تلك الرغبة (المشروعة تماماً، ولعلها مطلوبة أيضاً) إلى منطقة وسطى ثانية؛ تردّ عناصر السجال إلى إشكالية المحكمة في ذاتها هذه المرّة، وإلى قسط من التربّص بها واستهدافها والسعي إلى تفريغها من أيّ محتوى قانوني/ جيو – سياسي يحاذي منطق العلاقات الدولية وموازين الاستراتيجيات الذرائعية الكونية.

وقد يكون هنري كيسنجر، وزير الخارجية الأمريكي الأشهر في عقود الحرب الباردة وسائر النصف الثاني من القرن العشرين، هو سيّد المنظّرين لهذا المنطق التوسطي؛ حتى إذا كان قد تسيّده ابتداءً من فترة لم يكن فيها حاكماً مطلقاً على الدبلوماسية الأمريكية. ففي مقال شهير، يعود إلى صيف 2001 نشرته “فوريين أفيرز” وحمل عنوان “مزالق الاختصاص القضائي الكوني”؛ حذّر كيسنجر من إخضاع العلاقات الدولية إلى إجراءات قضائية يمكن أن تنطوي على أخطار “إحلال طغيان القضاة محلّ الحكومات، فالتاريخ يقول إنّ دكتاتورية ما هو فاضل قادت غالباً إلى محاكم التفتيش أو حتى صيد السَحَرة”.

ولأنه كان أستاذ تاريخ في عداد الأردأ تفسيراً للتاريخ وحولياته بين الأمم والمراكز الإمبراطورية والإمبريالية، فقد تناسى كيسنجر سلسلة اجتهادات حاسمة تفيد العكس، وتحثّ على الضرورة، تمتدّ من القانون الروماني وحتى 1948 سنة تأسيس محكمة العدل الدولية، من جهة أولى؛ وأنّ الولايات المتحدة خصوصاً، وخلال عهود هيمنة كيسنجر نفسه على الدبلوماسية الأمريكية، سعت مراراً وتكراراً إلى توظيف وإساءة تأويل اختصاص المحكمة القانوني طبقاً للمصالح الأمريكية، سلباً أو إيجاباً، من جهة ثانية.

ليس عجيباً، والحال هذه، أن تعيد الإدارة الأمريكية الراهنة عزف الأنغام ذاتها التي سبق أن عزفتها إدارات سابقة ضمن معادلة ازدواج التفسير ذاتها؛ فيسارع جون كيربي، الناطق باسم مجلس الأمن القومي، إلى ردّ دعوى جنوب أفريقيا بهذه الشطحة المختصرة المبتسرة الوقحة: “لا قيمة لها، معكوسة الأثر، بلا أيّ أساس فعلي أياً كان”. لم يكن هذا منطق قراءة الإدارة ذاتها، في آذار (مارس) 2022، لقرار المحكمة إياها الذي قضى بمطالبة روسيا إيقاف العمليات العسكرية في أوكرانيا؛ رغم أنّ البراهين على أعمال الإبادة هناك كانت أقلّ بما لا يُقاس مقارنة مع جرائم الحرب الإسرائيلية في قطاع غزّة.

لا عجب، كذلك، أن يذهب امرؤ إلى أنّ إجراءات لاهاي الاحترازية، بعجرها وبجرها كما يُقال، قد تتكفل بإقلاق عظام كيسنجر، خاصة أنّ اعتقال دكتاتور تشيلي أوغستو بينوشيه في لندن سبق أن أقلقه حيّاً؛ هو الذي كان مهندس انقلاب بغيض، حوّل جنرالاً مجرم حرب إلى “رئيس”.

ـ عن “القدس العربي” ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جلـ ... منار

الطغاة وزراعة الخوف

نشرت

في

التنين يفيرن الرسم ، طاغية, مخلوق أسطوري, تنين png

لم يستطع طاغية في التاريخ البشري أن يبسط هيمنته على شعبه إلا بطريقتين، لا ثالث لهما.تزوير الحقائق واستخدام البطش!

وفاء سلطان
وفاء سلطان

لكي يتم تزوير الحقائق بطريقة يصعب كشفها،لابد أن يُحيط ذلك الشعب بجدران حديدية تعزله عن العالم المحيط به، وهذا مانراه في كل بلد يحكمه طاغية.

مع بداية عصر الإنترنت ووسائل التواصل الإجتماعي أصبحت هذه المهمة شبه مستحيلة، ولم يبق في متناول الطغاة إلا وسائل البطش.

عندما مات رئيس كوريا الشمالية كيم يانغ إيل، وأثناء جنازته أثلجت السماء.

أعلن التلفزيون الرسمي، أنها أثلجت في غير موعدها، وفي يوم الجنازة، كبرهان كوني أنه إلهيًّ وفوق مستوى البشر، فراح الشعب المحاصر داخل جدران حديدية يتداول تلك المعلومة كحقيقة مقدسة.

……..

توماس جفيرسون، أحد رؤساء أمريكا، يقول:

All tyranny needs to gain a foothold if for people of good conscience to remain silent

(لا يستطيع طاغية أن يملك موضع قدم، مالم يُخرس أولا أصحاب الضمائر الحية)

لذلك، عندما يستشري الطغيان تصبح الأزمة الحقيقية أزمة ضمائر!!!

عندما أقول “أزمة ضمائر” لا أعني غياب من يمتلك تلك الضمائر، بل أعني إرهابهم إلى حد الصمت!

وعندما يصمتون يعلو عواء كلاب الحراسة، حتى يُخيّل للمراقب العادي أن الأغلبية تدعم الطاغية،بل وتؤلهه.

في تلك الحالة كلمة “أغلبية” لا تعني العدد، وإنما تعني من يملك وسائل البطش!

إذ يصبح أخرق مسلّح هو الأغلبية على أرض الواقع، بينما تتحول الجموع إلى مقبرة.

(وأي ثائر ستنجب أمة رحمها مقبرة)!!!

……….لم يستطع أحد أن يصوّر لنا حقيقة تلك المقبرة كما فعل ايزنهاور، أحد رؤساء أمريكا، بقوله:

From behind the iron curtain, there are signs that tyranny in trouble and reminders that its structure is as brittle as its surface is hard

(من وراء الستائر الحديدية تستطيع أن تلتقط اشارات من أن الطاغية يتخبط في مشاكله، ومن أنه محطم وهش في الداخل بقدر مايبدو صلبا من الخارج)!

نعم يبدو صلبا من الخارج، بينما يغلي من الداخل، وكل شيء يشير إلى أن الانفجار قاب قوسين أو أدنى!

وتبقى لحظة الإنفجار رهينة بأيدي أصحاب الضمائر الحيّة، الذين ـ للأسف ـ يتوهمون أن قوة الطاغية أكبر من قدرتهم على فعل شيء.هم لا يعرفون أنه هش ومحطم في الداخل بقدر ما يبدو صلبا من الخارج.وقد لا يتطلب الأمر أكثر من عود ثقاب،لكنهم صامتون صمت المقابر!

……..

يطلقون على هذه الحالة في علم النفس Hopelessness“الإحباط”. حيث يقتنع المرء أن الهروب من جحيم الواقع هو ضرب من المحال، مع العلم أنه ليس أصعب من أن تشعل النار في كومة من القش!

……..

وضع عالم نفس كلبا في غرفة وفتح بابها.كلما حاول الكلب أن يخرج من الباب يعرضه لصدمة كهربائية،فيركض الكلب باتجاه الداخل.بعد عدة صدمات توقف الكلب عن المحاولة وخرّ صامتا في احدى زوايا الغرفة.

ترك العالم الباب مفتوحا، لكن الكلب رفض الخروج وظل مرميّا ومحبطا في الزاوية.

……..

هذا هو الحال الذي تصل إليه الشعوب عندما تعيش في قبضة الطاغية!

يختفي الباب المفتوح من ساحة وعيها، ويظل الصاعق الكهربائي مغروزا في ساحة اللاوعي!

فتتوهم أن الباب الذي يقودها إلى طريق الحرية موصد، رغم أن فتحه قد لا يحتاج إلاّ إلى ركلة قدم….

……..

تراودني الآن قصة تقول أن شخصا قد حُكم عليه بالإعدام.

في اليوم المقرر لتنفيذ الحكم،سأله السجّان: لدينا طريقتان لتنفيذ الحكم، إما أن نطلق عليك الرصاص أو أن تخرج من هذا الباب!

فكر الشخص مليّا: الموت رميا بالرصاص أقل عذابا، فما بالك لو خرجتُ من هذا الباب لتنهشني السباع حيا!!

فاختار الموت بالرصاص…

……..

عندما سُئل السجّان عمّا كان وراء ذلك الباب،رد: الطريق إلى حريته!

……..

طالما يتحكم الخوف بأصحاب الضمائر الحيّة سيخرّون صامتين في الزاوية، مقتولين روحانيا ومهمشين عقليا.

وقد فاتتهم حقيقة واضحة وضوح الشمس، من أن الطاغية هش في الداخل بقدر مايبدو صلبا من الخارج…

أكمل القراءة

جلـ ... منار

جنوب إفريقيا إذ تخوض أبرز معارك العدالة في لاهاي

نشرت

في

شكّل البثّ المباشر لجلسة محكمة العدل الدولية التي رافع فيها وفد جنوب إفريقيا ضد الحرب الإسرائيلية على الفلسطينيين في قطاع غزة، حدثاً استثنائياً في تاريخ القضية الفلسطينية وفي تاريخ القانون الدولي. وعبّر كذلك عن تبدّل جذري في تموضع الدول تجاه المؤسسات والمعاهدات والمواثيق الإنسانية، الكونية نظرياً، التي انبثقت في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية.

زياد ماجد*

ويمكن التوقّف عند أربع مسائل أثارها الحدث الجلل في مقرّ المحكمة في لاهاي.

المسألة الأولى هي تلك المتعلّقة بالحرب نفسها وبالتوحّش والتدمير وكثافة النيران وتوظيف التكنولوجيا الأكثر تطوّراً لإحداث أكبر أضرار بشرية ومادية ممكنة في رقعة جغرافية صغيرة ومحاصرة ومقصوفة جواً وبراً وبحراً، وفي مدّة زمنية محدودة، على نحو لم نشهد له مثيلاً في العالم منذ عقود، إن لم يكن منذ العام 1945. وقد وصّف الحقوقيّون المترافعون ضمن الفريق الجنوب إفريقي الحرب هذه، لجهة انتهاكاتها الخطيرة لاتفاقية منع الإبادة الجماعية ونتائجها الميدانية والخسائر الفادحة التي أنزلتها بالفلسطينيين ومقوّمات حياتهم، بأسلوب شديد التكثيف والدقة في استعراض المعطيات وتفصيلها.

كما بيّنوا أن الانتهاكات المذكورة حُرّض عليها وجعل حدوثها ممكناً المسؤولون الإسرائيليون الأعلى شأناً، من رئيس الدولة إلى رئيس الحكومة ووزير الدفاع ووزير الأمن القومي ووزير المالية والعشرات من المسؤولين السياسيين والعسكريين، وصولاً إلى الجنود المُحتفين في الميدان بقتل الفلسطينيين وتدمير عُمرانهم. وهذا يؤكّد نيّة الإبادة ثم ترجمتها إلى عمليات تصفيةٍ وجرحٍ لعشرات الآلاف من المدنيّين وتجويع وتهجير لمئات الألوف وتدميرٍ ممنهج لغزّة ومستشفياتها ومؤسساتها الحياتية والخدماتية. ووضعوا كلّ ذلك ضمن تحقيب لمسار تطوّر الأمور قبل الحرب وخلالها.

بهذا المعنى، شهدنا في أعلى محكمة دولية انقلاباً حقوقياً وضع الإسرائيليين في موقع المتّهمين بالإبادة، ملزمين بتبرير أفعالهم وأقوالهم، أمام العالم بأسرِه الذي بوسعه الاستماع إلى كلّ ذلك من دون رقابة، على نحو لم يتعرّضوا له مرّةً في تاريخهم، إذ ظلّوا “فوق القانون”، يُطلّون بغرور على وسائل الإعلام ويتصرّفون بلا مبالاة كاملة تجاه محاوريهم. كما شهدنا عرضاً قانونياً متماسكاً يشرح (بلا مقاطعات معهودة) السياق التاريخي الذي وقعت فيه الأحداث الأخيرة وكيف تولّدت من ثقافة احتلال واستيطان وتمييز عنصري وحصار واستهتار بالقوانين الدولية دفع ويدفع ثمنها الشعب الفلسطيني.

المسألة الثانية تتعلّق بجنوب إفريقيا ذاتها كمندوبة للفلسطينيين في هذه المواجهة القضائية، وما تمثّله سياسياً ورمزياً في عالم اليوم. فالدولة التي خاض شعبها معارك ضد الكولونيالية ثم نظام التفوّق الاستيطاني الأبيض “الأبارتهايد” وانتصر فيهما بقيادة نلسون مانديلا المُتحرّر من السجن ليُنتخب رئيساً، تخوض اليوم أبرز معركة قانونية لوقف إبادة جماعية تنفّذها إسرائيل بحقّ الفلسطينيين.

ولا شكّ أن التذكير بالتحالف السياسي والتعاون الأمني والعسكري والاقتصادي الوثيق الذي ربط إسرائيل بنظام الأبارتهيد الجنوب إفريقي على مدى عقود وللحظة سقوطه من جهة، ومشهديّة المواجهة القضائية والتضاد بين التنوّع والتعدّد الثقافي والعرقي والديني اللذين تجسّدهما جنوب إفريقيا، والانتقاء والتماثل وعنجهية العنصرية التي تجسّدها النخبة الإسرائيلية، هذين التذكير والمشهدية، يُفسّران بعض أسباب الاهتمام المُواطني العالمي الاستثنائي بما يجري، ومقدار غيظ الإدارات الأمريكية والأوروبية منه، وارتباكها تجاهه وتعليق الناطقين باسم بعضها عليه بطريقة مبتذلة ورقيعة.

والمسألة الثالثة ترتبط بتبدّلٍ في هويات المدافعين عن القانون الدولي الإنساني اليوم، الذي يُريد ورثة المبادِرين الغربيّين إلى تصميمه كشأن إنساني بعد الحربين الكونيّتين، “استعادته” وجعله أداةً يحتكرون استخدامها في الجغرافيا التي يقرّرون وفي التوقيت الذي يرون وحدهم وجوبه، وفق استثناءات يفرضونها بدورهم، وغالباً ما تتقاطع في ما يخصّ إعلاء إسرائيل عليه وحمايتها من تبعات انتهاكاتها المتكرّرة له.

فأن تنتزع منهم جنوب إفريقيا مبادرة اللجوء إليه، وأن تناصرها في ذلك أمام محكمة العدل الدولية أو تجاه المحكمة الجنائية دول مثل البرازيل وبوليفيا والشيلي وبنغلاديش وسواها، وتطالب بتطبيق هذا القانون ومعاييره ومواثيقه على إسرائيل التي كرّروا في الآونة الأخيرة دعمها وتغطية جرائمها، فالأمر مدعاة تفكير في احتمالات انتقال فعل السهر ـ ادّعاءً أو واقعاً ـ على السلام العالمي وسيادة الحقّ والقانون في العلاقات الدولية من واشنطن ولندن وباريس وبرلين إلى جنوب إفريقيا والبرازيل وغيرهما من ديمقراطيّات الجنوب الصاعدة سياسياً واقتصادياً.

المسألة الرابعة تتّصل بما يمكن توقّعه قانونياً من المحكمة بعد الدفاع الإسرائيلي الذي سعى إلى التشكيك في أمرين: أمر حدوث الإبادة في غزّة والتحريض الرسمي عليها، وأمر صلاحية الشكوى الجنوب إفريقية ذاتها.

ويجوز القول في ما يخصّ الأمر الثاني أن الحجّة الإسرائيلية بانعدام مشروعية الشكوى إذ أن لا “خلاف” ثنائياً بين إسرائيل وجنوب إفريقيا أو لا تبادليّة في هذا الخلاف تستدعيها، ولا استنفاد لسُبل بتّ الخلاف إن وُجد عبر القنوات الديبلوماسية قبل اللجوء إلى المحكمة، حجّة ساقطة. فجنوب إفريقيا تحرّكت بعد أسابيع من بدء الحرب وتحوّلها بحسبها إلى عملية إبادة حذّرت منها أكثر من مرّة في الأمم المتحدة وعبر الطلب إلى مدّعي عام المحكمة الجنائية التحقيق في الجرائم المرتكبة في سياقها وفي مراسلات مباشرة مع تل أبيب. وهي بالتالي تحرّكت بعد كلّ ذلك وفق ما تُمليه اتّفاقية منع الإبادة التي وقّعت عليها.

ويُرجّح أن تُصدر المحكمة بالتالي قراراً في غضون أسبوعين يطلب وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية “خشية مخاطر حدوث الإبادة”. ويبدأ بعد ذلك، في ما يخصّ الأمر الأول، النظر في مسألة الإبادة نفسها، إن لجهة وقوعها أو لجهة التحريض على تنفيذها. ويُتوقّع هنا أن تأخذ المداولات والردود وقتاً طويلاً، قد يصل لسنوات قبل البتّ بشأنها، إذ أن القول بحدوث “إبادة جماعية” محفوف بالمحاذير وشديد التطلّب لجهة الاثباتات ولجهة تمييز “الإبادة” عن “جرائم الحرب” و”الجرائم ضد الإنسانية” (بما فيها “التطهير العرقي”). وقد بدا جلياً أن الوفد القانوني الممثّل لإسرائيل بدا معنياً بشكل خاص بنفي “مأسسة” أو “رسمية” الدعوات للإبادة (التي أشارت جنوب إفريقيا إلى تكرارها على أعلى مستوى في إسرائيل)، ذلك أن نجاحه في ذلك يُطيح بمبدأ شارطٍ للقول بحصول إبادة، وهو إثبات النيّة أو التحريض أو الدعوة السافرة للتنفيذ.

بمعنى آخر، وفي مفارقة فظيعة، يبدو الإسرائيليون قابلين باعتبار بعض ارتكاباتهم في ظلّ ما يدّعون أنه
“دفاع عن النفس” أو “حرب على الإرهاب” جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية لتجنّب الحديث عن “الإبادة”
في موازاة عمل محكمة العدل الدولية الذي سيتواصل لفترةٍ إذن، سيكون مهماً ضغط الدول الخمس التي تحرّكت رسمياً، أي جنوب إفريقيا وبوليفيا وجيبوتي وبنغلاديش وجزر القمر، مدعومةً من الشيلي ومن مئات الأفراد والجماعات والتحالفات الحقوقية، طالبةً من المدّعي العام في المحكمة الجنائية الدولية تحمّل مسؤولياته والتحقيق في الجرائم الواقعة في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية. ففلسطين انضمت إلى معاهدة روما، وعمل المحكمة الجنائية متاحٌ بالتالي قانونياً فوق أراضيها، وسيكون له إن حصل أثرٌ مهم على مسار القضايا الحقوقية دولياً، وليس فقط فوق جغرافيا غزة.

في الخلاصة، يمكن القول إن ما شهدناه على مدى يومين في لاهاي، حدث تاريخي، سيبقى وقع ما تُلِيَ فيه ومشهديّته ماثلَين أمامنا وأمام أجيال ستستعيده لتدرس أهمّيته وتأثيره على فلسفة القانون وعلى منظومة العلاقات الدولية وتوازناتها. وسيقى ماثلاً أيضاً ليذكّرنا ويذكّر سوانا أن نساءً ورجالاً من جنوب إفريقيا (وإيرلندا وبريطانيا) وقفوا يوماً بتنوّعهم وعِلمهم وقِيمهم ونُبل كلماتهم وتمثيلهم لمئات ملايين البشر على امتداد العالم، ليدافعوا عن مُستضعفين في فلسطين ويتصدّوا لآلة قتلٍ إسرائيلية همجية مدعومةٍ من حكومات أمريكا وألمانيا وإنكلترا وفرنسا، وُمتواطئٍ معها من حكوماتِ دولٍ أُخرى عديدة. وهم بذلك، حفظوا للإنسانية ولقيمة العدالة الأسمى موقعاً، لا شكّ أن كثراً من بعدهم سيدافعون عنه رغم الصعاب وغطرسة الأقوياء.

ـ عن “القدس العربي” ـ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*كاتب وأكاديمي لبناني

أكمل القراءة

جلـ ... منار

تحلل النظام الدولي في اختبار غزة!

نشرت

في

عبد الله السنّاوي
UNFPA Arabstates | "سباق مع الموت" وسط القصف المستمر على غزة، هذا ما تقوله  نساء حوامل لصندوق الأمم المتحدة للسكان

تحللت مؤسساته وقيمه وتقوضت صلاحيته وقدرته على البقاء.

هكذا بدت صورة النظام الدولي في اختبار غزة.
كان العجز شبه مطلق أمام أبشع الجرائم ضد الإنسانية في العصور الحديثة
.

عبد الله السنّاوي
عبد الله السنّاوي

يفي غضون أربع سنوات توالت ثلاثة اختبارات كاشفة لمدى تدهوره وعجزه عن الوفاء بمتطلباته.
كانت جائحة “كوفيد 19” اختبارا جديا لمدى كفاءة المنظومة الصحية الدولية وقدرة النظام الدولي على التساند الإنساني في مواجهة الموت الجماعي، الذي
ضرب بلا رحمة مناطق واسعة من العالم شاملة أوروبا والولايات المتحدة.
أثناء الجائحة ضرب التفكك بنية الاتحاد الأوروبي، الذي عجز عن إبداء الحد الأدنى من التضامن بين أعضائه.
بالوقت نفسه لم تبد الولايات المتحدة أي قدر من الاستعداد لمد يد العون للحلفاء المفترضين، ولم يكن هناك أي دور يعتد به للأمم المتحدة.

كان ذلك مؤشرا على قرب انهيار النظام الدولي، الذي تمسك واشنطن بمقاليد القوة فيه منفردة منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وانقضاء الحرب الباردة.
ثم تعرض النظام الدولي لاختبار ثان في الحرب الأوكرانية.
طرح على نطاق واسع سؤال: لمن تؤول قيادته وما طبيعة حسابات وتوازنات القوة فيه؟.. لكنه ظل معلقا في فضاء الحرب التي تمددت وأنهكت بتداعياتها العالم كله.
لا الولايات المتحدة كسبت رهاناتها على إذلال موسكو ولا روسيا رفعت الرايات البيضاء رغم العقوبات القاسية التي فرضت على اقتصادها المنهك.

في اختبار أوكرانيا لوحت الولايات المتحدة بسلاح العقوبات أمام بيكين، كما باستعراضات القوة في المحيطين الهادي والهندي، حتى تردع أي تدخل صيني محتمل، اقتصاديا وتسليحيا يدعم موسكو.
في اختبار غزة وجهت رسائل مشابهة لمنع أي طرف إقليمي من “استغلال الوضع” بعد صدمة السابع من أكتوبر.
في الاختبارين لم تنجح الولايات المتحدة، رغم ما استثمرته من عناصر قوة فائقة تخطيطا وتمويلا وتسليحا، فى حصد ما طلبته من أهداف.
في غزة تضررت صورتها بالشرق الأوسط كما لم يحدث من قبل.
كانت تلك خسارة استراتيجية لها تبعات على مصالحها في المنطقة.
بقدر مماثل تضررت قيادتها الفعلية للمنظمة الدولية حيث أبقتها في وضع شلل وعجز.

لم يكن لجوء الأمين العام للأمم المتحدة “أنطونيو غوتيريش” إلى استخدام المادة (99) من ميثاقها، التي تخوله تنبيه مجلس الأمن إلى أية مسألة يرى أنها قد تهدد حفظ السلم والأمن الدوليين، سوى احتجاج على تعطيل صلاحيات المنظمة الدولية بجميع مؤسساتها في وقف الإبادة الجماعية، أو التخفيف من وطأة المأساة الإنسانية المروعة.
الخطوة بذاتها سابقة تاريخية، والمعنى أن الأمور أفلتت وصلاحيات منظومة الأمم المتحدة تعطلت.
أصابع الاتهام نالت الولايات المتحدة قبل أي طرف دولي آخر بحكم قيادتها للنظام الدولي كله.
الأفدح انهيار القيم المؤسسة للأمم المتحدة في حفظ الحريات وحقوق الإنسان وضمان حق الشعوب في تقرير مصيرها.

كان استهداف الصحفيين في غزة وجنوب لبنان داعيا إلى غضب حقوقي ومهني واسع دون أن يكون ممكنا فتح أي تحقيق دولي يحاسب ويردع.
وصلت المأساة إلى ذروتها في تعطيل وكالات الأمم المتحدة المتخصصة عن أداء مهامها، خاصة منظمة الصحة العالمية، ومنظمة الأغذية والزراعة، والمحكمة الجنائية الدولية.
المستشفيات حوصرت وقصفت، وحرب التجويع اتسعت إلى حدود غير مسبوقة، وأية حقوق إنسانية قوضت تماما دون أن يرتفع صوت مؤثر للمنظمة الدولية يضفي عليها صدقية واحتراما.
قصفت مكاتب ومدارس «”الأونروا”، التي أنشئت خصيصا لغوث اللاجئين الفلسطينيين بعد نكبة (1948)، دون صرخة احتجاج تلوح بإنزال العقاب.
بقوة الفيتو الأمريكي ونفوذه، فشل مجلس الأمن، في استصدار قرار يوقف الحرب.

رغم ذلك كله، لم تتمكن إسرائيل بعد مرور أكثر من شهرين من إحراز علامة نصر واحدة.
لم تنجح في اجتثاث “حماس” وتحرير الأسرى والرهائن الإسرائيليين بالقوة دون دفع أثمان سياسية باهظة.
فاوضتها عبر وسطاء قبل أن تقطع الهدن وتعود إلى الحرب.
مع كل إخفاق في المواجهات المباشرة تصعد من ضراوة استهداف المدنيين.
العالم لم يعد يحتمل تمديدا للحرب، التي أسقطت عشرات آلاف الضحايا المدنيين من قتلى ومصابين ومفقودين تحت الأنقاض.
حسب وزير الخارجية الأمريكي “أنتونى بلينكن” فإنه يتعين على القادة الإسرائيليين إنهاء الحرب خلال أسابيع لا أشهر.
الأعباء السياسية للحرب على غزة نالت من مكانة الولايات المتحدة وفرص “جو بايدن” في تمديد ولايته لفترة ثانية بانتخابات (2024).

في إجابة عن سؤال: ماذا بعد؟.. طرحت أفكارا للتداول بعضها تحليق في الأوهام مثل الخروج الآمن للمقاومة على غرار ما حدث عام (1982) بعد احتلال بيروت وترحيل منظمة التحرير الفلسطينية إلى تونس.
الوضع هذه المرة يختلف تماما، فالمقاومة تحارب على أرضها لا على أرض أخرى.
حمل مشهد تعرية مدنيين لإذلالهم بزعم انتمائهم لـ”حماس” والتوسع في القتل العشوائي بدم بارد في الضفة الغربية رسالة عكسية عنوانها: القتال حتى آخر شهيد.
بقوة الصور تبدت الفوارق شاسعة بين معاملة الأسرى الإسرائيليين لدى المقاومة، والأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية.
كانت تلك هزيمة أخلاقية كاملة.

بدا طرح سؤال اليوم التالي على قدر من التعجل: من يملأ فراغ الأمن والسياسة فى غزة؟
أثبتت الحرب أن الأمر لن يكون يسيرا على النحو الذى جرى تصوره من قبل، فالمقاومة فكرة أصيلة وليست مقحمة على المجتمع الفلسطيني.
لا إعادة احتلال غزة مقبولة أمريكيا وأوروبيا وعربيا، ولا إنشاء مناطق عازلة تلقى قبولا من الراعي الأمريكي، ولا استبعاد السلطة الفلسطينية واستبدال محمود عباس برجل آخر حسب مواصفات الاحتلال، يمكن أن يقبله الشعب الفلسطينى رغم أية اعتراضات واسعة على أداء السلطة.

أكدت التظاهرات، التي عمت العواصم والمدن الغربية الكبرى، وداخل الولايات المتحدة نفسها دعما وتأييدا للقضية الفلسطينية، التناقض الهائل ما بين مؤسسات دولها والرأي العام فيها.
إنها إشارة تغيير تحت الجلد السياسي.
بصياغة ثانية، إنها إشارة تصدع جديدة ومنذرة في النظام الدولي.

تقوض ذلك النظام دون أن يستبين ما بعده.
لا الصين بوارد ملء فراغ الدور القيادي ولا تقدر بأي مدى منظور على تكاليفه وأثمانه.
يكتفى الصينيون بأدوار المراقبة من بعيد والمواقف المتضامنة دون التورط في الحربين الأوكرانية والفلسطينية.
ولا روسيا مستعدة أن تفتح جبهة صراع جديدة رغم أنها من أكثر المستفيدين استراتيجيا من تراجع الحرب الأوكرانية إعلاميا وسياسيا بعد الحرب على غزة.

إننا أمام تحلل كامل في بنية النظام الدولي يؤشر على فوضى واسعة مقبلة دون أن تتبدى أية إشارة على ميلاد جديد بأي مدى منظور.

ـ عن “الشروق” المصرية ـ

أكمل القراءة

صن نار