تابعنا على

جور نار

“الكونتراتو”

نشرت

في

احتجاج أمام مقر ولاية

كثر اللغط عن تنوع أشكال الاحتجاج لدى جهات و أجسام مهنية و أحزاب و جمعيات و غيرها، و أكثر ما رأيناه من تعاليق هو استنكار ذلك خاصة من قبل غير المعنيين بالموضوع أو المستقيلين تماما من الشأن العام حتى و لو آلت نتيجة الاحتجاج لصالحهم … و هنا أذكر صديقا قديما كان يستغرب كيف يستفيد من زيادات الأجور لا فقط المطالبون بها و المضربون لأجلها و المعرّضون أنفسهم للخطر، بل تشمل النعمة أيضا من بقي يتفرج عليهم أو رفض مساندتهم أو حاربهم أو كسر إضرابهم بضراوة …

عبد القادر المقري Makri Abdelkader
عبد القادر المقري

و أكثر ما يدور على الألسنة و الأقلام، وصم الاحتجاج بـ “التطاول” على الدولة … مما يحيلنا على العودة إلى تعريف الدولة ذاتها: هل هي كيان فوقي مقدس منفصل عن المجتمع، أم هي نتاج له؟ هل الدولة في خدمة الشعب أم الشعب في خدمة الدولة؟ هل طاعة الشعب للدولة يقابله وضع الدولة نفسها على ذمة الشعب؟ بل نصل حتى إلى التساؤل عن مفهوم “الشعب” في حد ذاته هل هو أغلبية الناس أم فئة منهم أم أفراد قلائل في جهة أو سلك مهني أو طرف سياسي أو جمعياتي؟ أم نكتفي بذلك التعريف الظريف الذي أورده عادل إمام عن علاقة الشعب بالدولة في مسرحيته “الزعيم”؟ … هل إدراكنا لمفهوم الدولة مرتبط بالعقد الاجتماعي كما حدده روسو، أم نحن ننظر إليها كما توارثناها سلطة قهرية و قضاء و قدرا … من وقت البايات و الاستعمار و ما بعدهما من استبداد تواصل في المؤسسات و الأذهان  إلى 2011، و انقطع من الطرفين طوال 2011، و عاد شيئا فشيئا في الأذهان بداية من 2012 …

نحن نعرف التزامات المواطن إزاء الدولة … فما هي التزامات الدولة إذن؟ أعتقد أن الجواب عن السؤالين يكمن في العديد من فصول الدستور … الدستور تتفرع عنه ترسانة قوانين و مراسيم لا يكاد يحصرها حصر، ما يظهر منها هو واجبات المواطن و ما ينتظره من عقوبات في حال الإخلال بها … و هي عقوبات ناجزة موجعة و فورية …  فهل توجد قوانين تحدد واجبات الدولة و العقوبات التي تقع عليها في حالة الإخلال؟ … هي قليلة جدا و ضعيفة و غير منتجة … فهي خاصة تتعلق بالشكوى إلى المحكمة الإدارية سعيا وراء إلغاء قرار، و لكن و على افتراض أن إجراءات التقاضي لم تطل كثيرا، فإن مؤسسات الدولة لها الحرية التامة في احترام أحكام القضاء الإداري أو الإلقاء بها جانبا  … أو يمكن الاشتكاء بالدولة أو بأحد ممثليها لجبر الضرر، و هذا أيضا ليس سهلا و قد يأخذ وقتا طويلا جدا … و في بعض حالاته قد يقتصر على الدفع بأحد الموظفين ككبش فداء، دون أن يلحق المنظومة أي عقاب …

إذن لا تكافؤ بين دولة قوية محصنة و بين مواطن ضعيف هش، رغم أنها تستمد شرعيتها منه و لا وجود لها من دونه … توجد شعوب من غير دولة، و لكن لا توجد دولة من غير شعب … حتى دولة الفاتيكان لها “شعب” من القساوسة و الكهّان الذين ينتخبون البابا و قد يزيحونه من منصبه ǃ

الدول الديمقراطية لا تتعسف على الناس باسم القانون و الأغلبية، بل عندها الأغلبية تحكم، و الأقلية تحاسب و تحظى بالحماية … و أهمّ من هذا، الديمقراطيات تبنى على الفرد … نعم على الفرد الواحد حيثما كان و مهما كان وضعه، و من حق أي واحد أن يقاضي أعلى سلطة في البلاد و يطالبها بحقه و يجد صدى لصوته في وسائل الإعلام دون أن يسخر منه و من حجمه أحد … فذلك الواحد يعني الجمع في نظرهم، خاصة إذا كانت مشكلته قابلة للتكرار مع الجميع …

من يتطاول على من؟

ليس من حق الشعب أن يتطاول على الدولة (قطع مرافق، امتناع عن دفع ضرائب، وقف استغلال ثروات، إيقاف عمل) و لكن هل من حق الدولة أن تتطاول على الشعب (زيادة أسعار، فرض التبرع بيوم عمل، إصدار قوانين لا شعبية، السماح لحاويات قمامة بالدخول عبر الموانئ …)؟

في صورة ما أخلت الدولة بواجبها تجاه جهة من الجهات، ما العمل؟

تحرير عريضة يمضي عليها عدد من المواطنين و توجيهها نحو أقرب ممثل للسلطة (المعتمد) فيحيلها بدوره إلى سلطته الترتيبية (الوالي، و الوزير و رئيس الحكومة)

إن لم تأت بنتيجة، يقع الاشتكاء إلى نواب الجهة، يتكلم هؤلاء عن المشكلة في إحدى جلسات الاستماع مع الحكومة …

إن لم يأت ذلك بنتيجة، تتبنى الأحزاب المعارضة و المجتمع المدني و الاتحاد الجهوي للشغل الموضوع … و يقررون تحركات تصل إلى التظاهر و الإضراب و الاعتصام …

كل هذا و الدولة صمّاء بكماء عمياء … بل تواصل سيرها في الطريق الضالّ و توزيع ثروات البلاد دون عدل و تسمين القطط السمان  و رهن مصير للخارج و إعلان ذلك دون خجل … و في أثناء ذلك و كلما تصاعد احتجاج الطرف المقابل، تجد من في وسائل الإعلام و مواقع التواصل و ألسنة بعض الأحزاب من يتحدث عن مؤامرة و أجندا و يقوم بتهييج الأمن و الجيش بأن يتدخلا لفرض هيبة الدولة …

ما معنى هيبة الدولة؟

هل هي في نزاهتها و عدلها و معاملتها للمواطنين و الجهات على قدم المساواة، أم في استخدام القوة و فرض الطاعة لحاكم و لو كان ظالما؟

معطيات كثيرة (بل ربما كل ما عندنا) ستتغيّر لو عدنا إلى أصل الكلمات و طرحنا من الأسئلة أبسطها … و ليت ماسكي السلطة يبدؤون بأنفسهم و يتساءلون: ما دورنا و ما بوصلتنا، و إلى أي حد ضميرنا مرتاح مع هذا الشعب الذي نأكل من راحتيه … و خاصة يقولون، لو تنتهي الكوميديا في يوم ما، كيف سيكون مصيرنا؟

أكمل القراءة
تعليق واحد

1 Comment

  1. عبير

    2 ديسمبر 2020 في 14:53

    ليت التي ختمت بها مقالك تفيد التمني… و التمني هنا مستحيل الوقوع…
    فهم لا يتساءلون و لا يفكرون…

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“أعوام” قرطاج السينمائية

نشرت

في

للمرة لا أدري كم، تنتظم ببلادنا أيام قرطاج السينمائية … و للمرة لا أدري كم، توزّع فيها جوائز خلال حفل رديء فوضويّ يرتكبه أناس يزعمون أنهم أبطال عالم في التنظيم … و للمرة لا أدري كم، أشاهد ـ ومعي قسط لا بأس به من الجمهور ـ فقط عرضين من عروض مهرجاننا الكثيرة: حفل الافتتاح، وحفل الاختتام !

عبد القادر المقري Makri Abdelkader
عبد القادر المقري

طبعا أبالغ بشناعة حين أقول إنني لا أتفرج على ما تعرضه الأيام … فإلى وقت قريب كنت من روادها الجوّالين المنقّبين عن أية قاعة مظلمة زيّن مدخلها أفيش التظاهرة … غير أن طول الرحلة أتعب الساقين و الفؤاد معا، فما نحن بهواة سينما أية سينما، و لا أيضا من المغرمين بالتقاط الصور (اليوم صارت سلفيات) مع هذا النجم العربي أو ذاك … أكثر من هذا، لم يعد ينتابنا أي تشويق لمعرفة من سيفوز في نهاية السباق و من سيسقط و مِن ثمة يشكك في ذمم اللجان و ظروف اللعبة … هذا كله الآن صار حطام ذاكرة نأسف على سذاجتها، وعلى رواح معظم العمر في غمامة وهم …

أي نعم، وهم كبير هذا المهرجان و أوهم منه من يتراكضون لصيد شيء فيه … لحظة للتوضيح … أولا، لا تعنيني قشور حفل الافتتاح و أزياء الداخلين و الخارجات فتلك قياسات أخلاقوية لها أصحابها … تماما كالذين كانوا يرون في البرلمان المنحلّ مجرّد فضيحة معارك، لا ورشة شغّالة لبيع الذمم والبلاد  … و ثانيا، لست من عدميي الوطن و لا من كارهي أدنى بارقة ضوء فيه، بالعكس … فلأننا من هذا البلد نابتون فيه ثابتون منحازون، نقول عن أيام قرطاج السينمائية بأنها وهم و كذبة و بالمختصر، هدر فاضح للمال العام … هذا الكلام قلناه ماضيا حتى عندما كنا نواكب و نحتفل مع من يواكبون و يحتفلون … لا، بل قاله قبلنا و طويلا أهل المهنة أنفسهم و منذ متى؟ منذ أول دورة حضرتها طالب صحافة سنة 1978 و كانت برئاسة على ما أعتقد فتانا الراحل الأستاذ حمادي الصيد …

ففي تلك الدورة حصلت أول مقاطعة مهمّة للمهرجان، و المقاطعون لم يكونوا أي كلام: جمعية السينمائيين التونسيين، جمعية السينمائيين الهواة، جامعة نوادي السينما … ثلاث منظمات كانت تصنع المطر و الطقس الجميل، كما يقال في لغة فرنانديل … أما سبب المقاطعة فأذكر أنه كان “تقاعس الأيام عن إفادة السينما التونسية بأي شكل من الأشكال” … إذ أن قاعات السينما كانت تغلق تباعا و بسرعة، ومرّت من أكثر من مائة صالة إلى حوالي عشرين … ذلك منذ 44 سنة، و لا حديث عن الحالة اليوم … كما أن “الساتبيك” شركة الإنتاج الوطنية كانت مهددة بالغلق (و اليوم أغلقت تماما) و معها مختبر قمرت … و أيضا و خصوصا و خاصة فشل بلادنا في إرساء صناعة سينمائية وقتها و قبلها و بعدها و اليوم و بعد غد …

في تلك السنة لم يكن هناك مهرجان للسينما بمصر و لا سوريا و لا المغرب الأقصى و لا الجزائر و لا تركيا إلخ … و مع ذلك كانت هذه الدول (و مصر في مقدمتها) تملك الصناعة و السوق و النجوم و الأعمال الكثيرة الجيدة … أما نحن، فكنّا مجرد “عرس” استقبالات و ضيافات و صور مع المشاهير و تدبير دعوة لحضور مهرجان أجنبي، ثم توزيع جوائز، و صنع أسماء تتنكر لك عند أول التفاتة، و عليكم السلام …

كما أن المهرجان لم ينجح (و لم يهدف حتى) لجعل تونس قبلة سياحية أثناء انعقاده كما تفعل المهرجانات الأخرى … و هنا أذكر أنه منذ فترة غير طويلة، ذهب أحد وكلاء السياحة إلى مدير من مديري أيام قرطاج السينمائية، واقترح عليه تنظيم حملة دعائية عالمية لزيارة تونس بمناسبة المهرجان، و توظيف حضور كبار النجوم و كبار الأفلام لهذا الغرض … فما كان من السيد المدير إلا أن رفض الفكرة بأدب … طبعا، فالمهرجان دوره أن ينفق مال البلاد، لا أن يُدخل لها مالا …

 لهذا قاطعت منظمات السينما أيام قرطاج في تلك الدورة البعيدة، و لكن لم تعد بعد ذلك لمثل هذا الصنيع …

 و الأكيد الأكيد أنه تم إرضاؤها … بتحقيق تلك المطالب للسينما التونسية، و لتونس !

أكمل القراءة

جور نار

هل ستحدد معركة “خيرسون” مصير الحرب بين الروس والأوكرانيين؟

نشرت

في

لقد وصلت الحرب بين روسيا من جهة و اوكرانيا المدعومة بالاموال و أحدث الأسلحة و التدريب والتخطيط و المعلومات من دول الناتو وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية دفاعا ليس عن وطن كان تابعا للاتحاد السوفياتي ويحتضن أربع مقاطعات هامة ممن يتحدثون اللغة الروسية و يرغبون في الانضمام إلى بلدهم الام روسيا ..

محمد الزمزاري Mohamed Zemzari
محمد الزمزاري

يشار إلى ان انفصال اوكرانيا عن كتلة الاتحاد السوفياتي سابقا كان قد تم بطريقة لم تستجب لحدود اليوم إلى تسوية قانونية دولية او ترسيم حدود طبقا للقوانين الدولية ..وحاليا استعادت روسيا أثناء فترة بوتين الأولى والثانية من الحكم قوتها الاقتصادية و العسكرية مما آثار مجددا الرغبة الجامحة لدى أمريكا و من ورائها دول الناتو إلى اعتماد خطة جيوسياسية ذات طابع عسكري متمثلة في انتزاع حالة التحالفات الروسية مع الدول السابقة التي كانت تتبع الاتحاد السوفياتي وقد ساعد في نجاح هذه الخطة الأوضاع الاقتصادية للدول المذكورة للتضييق المتواصل على روسيا التي قد تعود خطرا مفترضا ..

لقد حشدت الدول الغربية و الولايات المتحدة “ارمادات” من القوة العسكرية والأسلحة المتطورة التي نصبتها على اراضي الدول المتأخمة لروسيا ..أما في اوكرانيا الورقة الأهم فقد تم ملؤها بالمختبرات المختلفة الأغراض السرية و دعم المنصات الحربية و المصانع النووية لتتوسع وتصبح على مر السنوات اللاحقة لتفسخ الاتحاد السوفياتي خطرا محدقا على أمن روسيا ..وكان على الولايات المتحدة و البلدان الغربية ان تحمي ترسانتها التي كانت في واقع الأمر تمثل الجزء الأهم من الخطة الجيوسياسية العسكرية ..

لم يكن بالامكان ان تمر هذه الخطة العدوانية تجاه روسيا منذ البداية .فكان لابد أن يتحرك بوتين باتجاه حماية حدود بلاده واسترجاع المقاطعات المحيطة التي تتكلم اللغة الروسية و تخضع لتهديدات من الجهات النازية ونظام اوكرانيا. هذا بالإضافة إلى أن هذه المقاطعات تعد ذات أهمية استراتيجية بالنسبة لروسيا وأيضا بالنسبة لاوكرانيا والغرب وهو ما يمثل خطرا على أمن روسيا ..

اليوم وصلت الحرب بين الروس و الغرب (بالوكالة) إلى أخطر مرحلة قد تحدد بوضوح اسميْ المنتصر والمهزوم بل قد تحسم مصير هذه المواجهات الدامية بين الطرفين … ذلك أن مدينة “خيرشون” التي تمثل اهم منطقة استراتيجية لن تتنازل روسيا عنها باعتبارها أصبحت أرضا روسية اثر الاستفتاء و أيضا اثر موافقة البرلمان الروسي ..وينتظر أن تمر خلال الأيام القريبة القادمة باعتى و افظع المواجهات التي دارت لحد اليوم باوكرانيا.

فمن جهة قد يدفع الغرب القوات الاوكرانية المهاجمة إلى تفجير سد الوادي الذي يقسم المدينة إلى نصفين لمحاصرة الجنود الروس. لكن كل هذه التفاصيل التكتيكية لن تفوت الخطط الروسية التي أجلت معظم سكان المدينة باتجاه خطة عسكرية كبرى ستحسم الحرب .. لذا وضعت الولايات المتحدة هذه الفرضية في الحسبان تبعا للتقارير المخابراتية واوعزت للرئيس الاوكراني بضرورة فتح حوار مع بوتين ..

.هل ستكون معركة “خيرسون” مدفنة كبرى للجنود الاوكران ؟ خاصة إذا عرفنا ان العقلية العسكرية الروسية قد برزت في الدفاع اكثر من الهجوم و أن المواجهة بـ”خيرسون ” تذكرهم بمعركة ^ستالينغراد” ضد النازية …الايام القادمة ستكشف كل نتائج هذه المواجهة الدامية بين الطرفين والتي يعتبرها بوتين خطا احمر بل قضيته الشخصية …

أكمل القراءة

جور نار

مساحة للمرح الهادف وأنتم تستقبلون فترة دراسية جديدة

نشرت

في

من ليس باستطاعته أن يضحك ويمرح، لا يجب أن نأخذ ما يقوله على محمل الجدّ أبدا… هكذا يقول الكاتب النمساوي توماس برنار.

منصف الخميري Moncef Khemiri
منصف الخميري

في محفل الخصال البشرية والعلائقية والاجتماعية المرغوبة، تُعدّ روح النكتة والدّعابة وإشاعة المرح من الشّمائل المستحبّة والمشتهاة لدى جميع من نتعامل معهم ضمن دوائر الأصدقاء والباعة والسّاسة والرؤساء. لكن استخدام روح الدّعابة بحنكة وبراعة ليس بالأمر المُتاح للجميع لأنه يقتضي من المتكلّم أن تكون لديه مهارات ذهنية متطورة جدا مثل الوعي بالذات وحذق تفاصيل اللغة وتعرّجاتها وإدراك طبيعة المشاعر الانسانية والتمرّس على رصد المعاني التي تؤثّث غير اللفظي والعفوية والتعاطف… والقدرة كذلك على إثارة المتعة والضحك لدى المتلقّي ودفعه دفعا إلى القول “كم هو ممتع الحديث إلى فلان، لكونه يملؤك ويشحنُك ولا يُفرغك، يُبهجك ولا يُحزنك، يُعلّمك ولا يُبلّدُك، يشدّك ولا يُنفّرك”. لذلك يُقال إن معاشرة إنسان بهيج وجذل وطروب أفيَدُ للفؤاد من شخص مغتمّ ومبتئس ومكروب… فيكفي التجهّم في السّماء على رأي إيليا أبو ماضي.

هذه بعض الحكايات والنوادر في علاقة بالتربية والمربين تعكس بالإضافة إلى طرافتها المؤكّدة قدرة خارقة على إيجاد الردود العفوية المناسبة في لحظات محدّدة :

الحكاية الأولى :

أستاذ جامعي حالِكٌ ومتجبّر وسيّء المعاملة مع طلبته كان بصدد تناول لمجة الغداء بمطعم الكلية، عندما جلس قبالته أحد طلبته المعروف بذكائه الوقّاد وتمرّده على كل الضوابط. بادره الأستاذ قائلا في نبرة تنمّ عن شيء من الاحتقار والاستهزاء “جميع الكتب التي قرأتها تؤكد دائما على أن الطيور والخنازير لا تأكل على نفس المائدة” !

لم يفكر الطالب طويلا قبل إجابته “آه، معذرة أستاذ، إذن دعني أحلّق”!

ظل الأستاذ صامتا كامدا غيظه أمام الصفعة المعنوية التي تلقّاها ردّا على محاولته استفزاز طالبه، وقال في نفسه لا بد من الانتقام منه هذا الوغد، فقرر إفراده بفرض مفاجئ خلال الأسبوع الموالي. وكان الأمر كذلك، لكن الطالب أجاب بشكل صحيح وبدقة متناهية عن كل الأسئلة المطروحة. أمسك الأستاذ ورقة الفرض وناداه إلى المنبر وطرح عليه إشكالا منطقيا مطالبا إياه بالإجابة عنه، قال له “كنتَ مارّا في الطريق وفجأة عثرت على كيسيْن، يحتوي الأول على أوراق نقدية والثاني على كمية لا بأس بها من الذكاء، أي الكيسيْن تختار ؟

–  “أختار الكيس الذي يحتوي على الأوراق البنكية بطبيعة الحال” أجاب الطالب

– “لماذا ؟ لو كنتُ مكانك لاخترت الذكاء بدون تردد” أردف الأستاذ.

– هذا طبيعي جدا أستاذ، لأن الناس بصورة عامة تختار الأشياء التي لا تتوفّر لديها !

بلغ الغضب مداه الأقصى لدى أستاذنا فحطّ ورقة الامتحان على المكتب وخطّ في طُرّتها بالقلم الأحمر “غبي وأحمق”… تسلّم الطالب ورقته والتحق بمقعده قبل أن يعود إلى الأستاذ بعض لحظات :

“عُذرا سيدي، لقد أمضيتَ لكنّك سهوتَ ولم تسندْ إليّ عددا.”

ما يُغريني شخصيا في هذه الحكاية هو النجاح في أن توجِع شخصا جديرا بذلك باستخدام “سلاح لغة الذّهن فقط” أو ما يسمّيه الفرنجة بــ les mots d’esprit أي باستعمال وسائل الثقافة بدلا من اللّجوء إلى وسائل الطبيعة المتألّفة من العضلات والهراوات. ومن ناحية أخرى، هذا النموذج من الأساتذة العُتاة موجود بوفرة في مدرّجاتنا الجامعية، فمنهم الدّون جوان والعدواني والشّامت والمقاول والمسافر أبدا والمتغيّب دائما … فوجب أحيانا إرجاعهم إلى حقيقة أحجامهم وتذكيرهم بأنه لن يبقى من مسيرتهم بعد “تعليق الحذاء” سوى خاصيّاتهم السيّئة التي عُرفوا بها.

الحكاية الثانية :

كانت جدّةٌ تتجول مزهوّة في شوارع المدينة رفقة حفيديْها، لمّا اعترضها شخص يعرفها، فبادرها بالسؤال : كم يكون عمر هذين الأميرين الصغيرين سيّدة جوزيفين ؟ أجابته على التوّ ودون طويل تفكير “الطبيب عمره 5 سنوات، أما المحامي فعمره 7!

ينطبق على هذه الحكاية مبدأ “النهاية أو المنتهى أو الغاية النهائية” telos في فلسفة أرسطو، والذي يعني “العملية المركزية التي تمارسها الغايات على الوسائل” لأن الإنسانية لها اتجاه، وهي تتطور باتجاه كمالها النهائي. أي أن الطفل ليس ما هو عليه الآن بل هو ما سيُصبحه في المستقبل. أو ليس هذا قفزا محمودا في المستقبل يؤثر إيجابيا في مُجريات حاضرنا جميعا ؟ !

الحكاية الثالثة :

في قديم الزمان، كان هناك أستاذ صيني يتنقّل بين مدينة وأخرى ليلقي في كل مرة محاضرة أمام جمهرة من المتعلمين والمهتمّين حول موضوع تقني معقّد. وكان يمتطي عربة تقليدية يقودها سائق من نفس سنّه تقريبا وكان هذا الأخير على درجة عالية من الفطنة والانتباه والقدرة على الحفظ.

وبعد عدة تنقّلات، انتهز السائق فرصة الاقتراب من المدينة التي ستحتضن المحاضرة الجديدة، فقال للأستاذ : “لقد حفظت تفاصيل محاضراتك بالكامل وأراهنك أنني أستطيع تقديمها عوضا عنك وكأنني أنتَ”.

– أجابه صديقه الأستاذ: “نعم قد يكون، ولكن كما تعلم يا صديقي المحاضرة يعقبها دائما سيل من الأسئلة التي يُلقيها الحضور، وعندها… لا أعتقد….”

– قاطعه السائق متحمّسا: “لا أعتقد أن ذلك يمثل مشكلا يا أستاذ لأنهم يطرحون دائما نفس الأسئلة وقد حفظت جميع الإجابات عن ظهر قلب.”

أُعجب الأستاذ بالفكرة وأغراه التحدّي فاقترح أن يتبادلا اللباس والأدوار وهما على مشارف المدينة.

أبدع السائق يومها وقدّم محاضرة رائعة متمكّنا من الردّ على كل الأسئلة التي ألقيت عليه لكونها أسئلة مكرورة يُعاد طرحها في كل مرة.

ولكن في نهاية الأمسية بادر أحد الحاضرين بطرح سؤال غير متوقّع وغير مسبوق. كان الأستاذ في آخر القاعة متنكّرا في لباس السائق يُتابع بانتباه ودهشة ما يحدث أمامه. وفجأة توجّه السائق إلى الأستاذ الجالس وراء الحضور مُشيرا إليه بإصبعه :

– “أصدقائي، لقد مثّلتم بالنسبة إليّ جمهورا بديعا، أنصتّم إليّ بتركيز كبير وطرحتم أسئلة صعبة جدا…ولكن وصلنا إلى وقت متأخر، لذلك نشعر كلّنا بتعب شديد… وهو ما يفسّر أننا كنّا بصدد الاستماع إلى سؤال غاية في السهولة بشكل حتى السائق الذي يرافقني والذي يجلس هناك قادر تماما على فكّ رموزه… وستكتشفون ذلك بأنفسكم. فتفضل صديقي لو سمحت ! “

نستطيع أن نقول إزاء هذه الحكاية أن :

قوّة العقل (مرة أخرى) لا تُضاهَى وأصعب المآزق باستطاعتنا التغلّب عليها إذا نحن تحلّينا بما يكفي من الدهاء والذكاء.

العِصامي – كما تعرّفه الكاتبة ماري إيموني-  ليس من يتعلّم كل شيء لوحده (وهو تعريف عار من أي معنى له دلالة حقيقية) بل هو من تكون معارفه غير مؤشّر عليها في أي شهادة ولا يدافع عنها أيّ كان.

أكمل القراءة

صن نار