تابعنا على

جور نار

المجلس الأعلى للتربية … ما لا يجب أن يُقترف !

نشرت

في

بداية، ما لُزوم هيئة مُجرّدة من أية صلاحيّات تقريرية يجتمع في لجانها المتخصصة الخبراء وجميع الشركاء في الشأن التربوي والتعليمي والتكويني، من أجل إبداء الرأي في جملة القضايا المتعلقة بتكوين الناشئة وإعداد مستقبلها وتسيير المرفق التربوي عموما وحوْكمته ؟

منصف الخميري Moncef Khemiri
منصف الخميري

المجالس العليا للتربية في عديد بلدان العالم هي هياكل استشارية تُعنى بالتنسيق والتوجيه والمتابعة والتقييم واقتراح اتخاذ القرارات على الحكومات. وباعتبار خصوصية هذا المرفق الاستراتيجي وحيويّته وتشابك العلاقات صلبه وتعدد الأطراف المتدخّله فيه وتنوّعها، وبحكم تشظّي مكوّناته وتوزّعها على أكثر من وزارة وجهة رسمية، وكذلك اعتبارا لكون التربية والتعليم والتكوين هي مجالات خِبرة وتخصّص دقيقين، فإنه لا يمكن لأية حكومة سياسية مهما علا مستوى اقتدار أعضائها أن تُبدي النظر الدقيق والمختص فيها دون الرجوع إلى ما يقوله الخبراء والمختصون وأهل المهنة وجميع الشركاء الآخرين. …

وعليه، فإن وجود مثل هذه الهيئة قد يساهم بشكل كبير في تجاوز عديد الإشكاليات التي أعاقت تاريخيا التوصّل إلى حلول مُقنعة لشتّى معضلات مدرستنا التونسية، مثل تحديد الأطراف المشاركة في الحوار الوطني حول التربية والتعليم، وفق أية نسب تمثيليّة، من يؤمّن التنسيق بين مختلف وِجهات النظر، أيّة آليات للتعديل وحسم الاختلافات في الرؤى والتصورات… ؟

ولكن تحقيق هذا الهيكل الاستشاري المستقل للأهداف التي سيُبعث من أجلها مرتبط إلى حدّ ما حسب اعتقادي بشرط أن لا “يتتوْنس” كثيرا، لا بمعنى ضرورة تبيِئتِه وجعله يراعي مختلف خصوصيّاتنا وإرثنا وعقليّتنا وظروفنا الخ… بل على معنى أن لا يُعيد إنتاج عديد التجارب السابقة مع هيئات وطنية مستقلة أخرى شُحذت السّكاكين من أجل افتكاك مواقع نفوذ فيها أو تمّ السطو عليها واستخدامها في تصفية الحسابات وتمرير أجندات لا تمتّ بصلة للغايات التي بُعثت من أجلها… أو ظلت يافطة لمّاعة تستخدمتها السلطة القائمة لإقناع الهيئات الدولية المانحة بأن “تونس على الطريق المستقيم”.

والتونسيون بصورة عامة بارعون جدا في الالتفاف المُحكم على أي إجراء أو آليّة يتمّ إقرارها :

– إذ تمّ إقرار إجراء احتساب المعدّل السنوي للتلميذ بنسبة 25 % في امتحان الباكالوريا (لجعل التلميذ يستفيد من مجهوده وكدّه أثناء السنة الدراسية … في جزء من فلسفة هذا الإجراء على الأقل كما هو معمول به في عديد بلدان العالم) ولكن سرعان ما اكتظّت المعاهد الخاصة بالتلاميذ الراغبين في “شراء” معدلات مرتفعة جدا تكون حاسمة في المعدّل النهائي ! أذكر في هذا الخصوص بأن معهدا خاصا بالعاصمة كان يدرّس أكثر من 1000 تلميذ في الباكالوريا (أي ما يعادل 30 قسما تقريبا).

– وتمّ إقرار مادّة “إنجاز مشروع” كمادّة اختيارية سنة إجراء امتحان الباكالوريا، فاكتظّت الأسواق والدكاكين بمجموعات هائلة من التلاميذ يشترون مشاريع جاهزة مقابل آلاف الدنانير … ولكن مع ضمان “عشرينات كاملة” في تلك المادة تُحتسب بسخاء في الباكالوريا.

– وتمّ إقرار التمييز الإيجابي لفائدة الجهات الداخلية في التوجيه الجامعي نحو بعض الشًعب صعبة المنال، فهاجر بعض تلاميذ المناطق الساحلية نحو الداخل لضمان التفوّق ضمن جمهور غير متمرّن بشكل جيد على ما قاله أحمد شوقي “وما نيل المطالب بالتمنّي…”

فرجائي بالتالي هو أن نُتوْنس هذه الهيئة إن كُتب لها أن ترى النور بالشكل الإيجابي الذي يجعلنا نتخطّى عجزنا وخيباتنا لا بالشكل الذي كنت بصدد الحديث عنه.

ينصّ الدستور الجديد في بابه الثامن وبالفصل 135 على بعث المجلس الأعلى للتربية والتعليم الذي “يتولّى إبداء الرأي في الخطط الوطنية الكبرى في مجال التربية والتعليم والبحث العلمي والتكوين المهني وآفاق التشغيل.

يمكن لأي مطّلع ولو بصورة جزئية أن فكرة بعث آلية عليا تسهر على حوْكمة الشأن التربوي والتعليمي هي فكرة قديمة جدا، فكان أول مجلس أعلى للتربية في تونس سنة 1888 وكان اسمه المجلس الأعلى للمعارف “يعطي رأيه في الإصلاحات وفي الميزانية وفي التأديب بالنسبة لأعضاء التعليم”. ثم المجلس الأعلى للتربية القومية سنة 1958 إلى أن جاء القانون التربوي عدد 65 لسنة 1991 والأمر الحكومي عدد 2260 المؤرخ في 10 أكتوبر 2000  اللذان يؤسّسان نفس الآلية لتشريك “المجتمع” في ضبط السياسات التربوية والتعليمية العامة والمساهمة في رسم ملامح المدرسة التي يحلم بها عموم الناس.

نحن إذن أمام محاولة متكرّرة تسعى إلى تأسيس آلية وطنية مستقلّة تسهر على تطوير أداء مدرستنا التونسية من خلال تقديم المقترحات ولفت النظر إلى مواطن الخلل وإبداء الرأي في السياسات المتّبعة… وكل رجاؤنا أن ألا يُكتب لها الموت الجنيني مثل سابقاتها وتكون من الملفّات المنسيّة بمجرّد أن تتغيّر الحكومات ويتبدّل الأشخاص.

لن أتحدّث في ما يجب أن يكون عليه المجلس الأعلى للتربية وتركيبته وصلاحيّاته ومجالات تدخّله وكيفية اشتغاله هياكله ولجانه الخ… وإنما سأحاول قدر الإمكان لفت الانتباه إلى ما لا يجب أن يقع فيه هذا المجلس صوْنًا له كمكسب وطني وضمانا لديمومته واكتسابه فاعلية حقيقية بالنظر إلى حجم الانهيارات والأزمات المتتالية :

واحد : المجلس الأعلى للتربية هو أساسا مجال للخِبرة والتخصّص… وليس مجالا “برلمانيا” نُطبّق فيه التمثيلية الشكلية لكل الرؤى والتوجّهات لأن التربية لا علاقة لها بسياسة “السياسيين” بقدر ما لها علاقة بتوجّهات فلسفية وتربوية وثقافية عامة هي اليوم بصدد إحداث نقلات نوعية في المنظومات التربوية الأكثر تطورا في العالم.

إثنان : تجاوز معضلة تمثيلية الأولياء والتلاميذ وكافة المعنيين والمتدخّلين في الشأن التربوي التي عطّلت تاريخيا إحداث “مجلس المؤسسة” و “مشروع المؤسسة” تحت ضغط شعارات نقابية لا تستقيم كثيرا حسب اعتقادي. فبأي منطق نُقصي التلاميذ من إبداء أرائهم داخل هذا المجلس والحال أن كل قراراته ونقاشاته وسياساته المقترحة…محورها الأساسي وهدفها النهائي هو التلميذ ؟

ثلاثة : المدة التمثيلية لا يجب أن تكون نفسها بالنسبة إلى مختلف الأطراف الممثلة داخل المجلس باعتبار أن تلميذ اليوم سيصبح طالبا في ظرف وجيز والولي المعني اليوم غير معني غدا.

أربعة : من الضروري أن يكون المجلس الأعلى للتربية ممثلا للتربية والتعليم العالي والبحث العلمي والتكوين المهني… ولكن مع الانتباه إلى أهمية أن تكون تمثيلية التربية هي الأهم وأن تكون تمثيلية التعليم العالي والتكوين المهني بقدر ارتباط التربية بهذين المرفقين والانسجام مع مهمة التنسيق والتكامل بين الوزارات الثلاث في ما يخص مخرجات التربية.

خمسة : سيكون هذا المجلس هيئة استشارية بالتأكيد مهمته الأساسية التفكير الاستراتيجي في قضايا التربية والتكوين والبحث العلمي ولكن لا يجب أن تكون استشارة بنكهة “جئتُ أستشيركم في سياسة قرّرتُها” بل يتوجّب أن تُتّخذ كل الاحتياطات الإجرائية والقانونية من أجل ضمان إنفاذ الإصلاحات المقترحة والحائزة على أوسع توافق ممكن داخل هيئات هذا المجلس.

ستة : من المفروض ألا يتحوّل المجلس الأعلى للتربية إلى “منتدى فكري حرّ لتطارح النظريات والمقاربات” بل من المفروض أن يكون ورشة كبيرة للخوض في كبرى المسائل التربوية والتعليمية والتكوينية والانتهاء إلى صيغ وحلول ورسم آفاق للتجاوز ويتعيّن أن يُكسِب صاحب القرار  قوة معنوية في إنفاذ الإصلاحات والإجراءات المقترحة.

سبعة :  لا يجوز استبعاد أية كفاءة أو صاحب رأي يُعتدّ به على قاعدة “الانتماء الفكري أو السياسي المحتمل لهذا أو ذاك” طالما أن القاسم المشترك بين جميع الذين سينتمون إلى هذا المجلس هو مدرسة الجمهورية بمبادئها وقيمها الإنسانية الكبيرة القائمة على الحياد والمواطنة والفكر النقدي ونبذ العنف والتطرف والعيش المشترك …

ثمانية : لا خطوط حمراء في الإصلاحات المرتقبة والتي من المفروض أن يتولى أعضاء المجلس  التداول بشأنها والتصديق عليها. فلا إصلاح حقيقي في تقديري بدون التحلي بالجرأة “الرمزية” على زعزعة بعض الثوابت وإجراء مراجعات كلية وعميقة في العديد من المجالات … مع المحافظة قدر الإمكان على استقرار الموارد البشرية المُتاحة ولكن بتوزيع جديد.  فالتخلي عن شعب دراسية معينة وإعادة هيكلة أخرى أو بعث مسالك جديدة أو مراجعة منظومة المواد الاختيارية أو كذلك إعادة النظر في المؤسسات التربوية النموذجية … هي إجراءات قد تكون تداعياتها كبيرة لكنها ضرورية ولا مناص منها إن كنّا نطمح إلى إصلاحات حقيقية ترتقي بمدرستنا.

تسعة : تجنّب تمتيع أعضاء المجلس الأعلى للتربية بأي نوع من الامتيازات حتى تكون الرغبة في الانتماء إلى هذا الهيكل قائمة فحسب على التطوّع والالتزام الشخصي والإرادة الصادقة في جعل مدرستنا ذكيّة ومُبادِرة ومُنصفة ومؤهِّلة وتوّاقة نحو معانقة المعايير الدولية. فالامتياز الحقيقي هو رمزي بالأساس لأن المساهمة في بناء نموذج مدرسي جديد وناجح هو أكبر الامتيازات وأرقاها.

عشرة : من الطبيعي أن تكون الجلسات العامة les plénières متباعدة نسبيا في دوريّتها نظرا لارتفاع عدد الأعضاء (حوالي 100 عضو في العديد من بلدان العالم) ولكن لا يجب أن يقتصر عمل المجلس على جلسات عامة سنوية ثم “شكر الله سعي الجميع” بقدر ما يتعين أن يستمر العمل على امتداد كامل السنة في شكل ورشات متخصصة توكل إليها مهمات محدّدة ومضبوطة.

أحد عشر وأخيرا : لا يجب بأي حال إستبعاد عالم المهن وخاصة الفاعلين الاقتصاديين والصناعيين والخدميين الذين لديهم فكرة مستفيضة عن سوق الشغل المحلية والعالمية. 

أكمل القراءة
تعليق واحد

1 Comment

  1. نحاح

    29 أغسطس 2022 في 09:49

    مقال صادر عن علم من أعلام حقل التربية يصلح وثيقة عمل يُعتدّ بها

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

التونسي ميّال تلقائيّا إلى الكُبّي وتثبيط العزائم

نشرت

في

“الكآبة أو الشّجن هما أن تجد نوعا من السّعادة في أن تكون حزينا. ” فيكتور هوغو

منصف الخميري Moncef Khemiri
منصف الخميري

أَجرت جامعة ميشيغان الأمريكية دراسة علمية ميدانية على نطاق عالمي  بقيادة الجامعي باتريك فورنييه شارك فيها حوالي 1150 شخصا يمثلون القارات الخمس، كان موضوعها “حاجز السلبيّة المُتأصّل في سلوك الناس” أي محاولة الإجابة عن السؤال المُحيّر : هل صحيح أن الانسان أينما وُجد هو ميّال فطريّا إلى التفاعل بأكثر إيجابية مع الأنباء السلبيّة ولماذا لا يحصل العكس إلا نادرا ؟ ونُشرت نتائج هذه الدراسة في سبتمبر 2019.

تمثلت التجربة في أنه كان يُعرض على المشاركين صنفان من التحقيقات الصحفية القصيرة : صنف سلبي وصنف إيجابي وذلك على النحو التالي :

تحقيقات سلبية :

___ البيرو : المدينة البيروفية الصغيرة شمبوت تلتهمها نيران الحرائق

___ غرّة ماي : مظاهرات واسعة في ظل الانكماش الاقتصادي بأوروبا

___ النيجر : النّقص الشّامل في المواد الغذائية يُشعل فتيل الاحتجاجات الشعبية

___ سري لانكا : الأمم المتحدة تحقق في جرائم حرب

تحقيقات إيجابية :

___ قطيع من الغوريلا يقع إطلاقه في الطبيعة

___ سيارة كهربائية جديدة بحجم مرن قابل للتقليص في زحام الطرقات يتمّ تصنيعها في بولونيا

___ طفل لم يتجاوز 11 سنة يتوصّل إلى إخراج أفلام متحركة

___ طفل صغير يشفى تماما من مرض نادر أصابه في كبده.  

وخلال مشاهدة التحقيقات الصحفيّة، كان المشاركون مَوْصولين بتجهيزات متطورة تسمح برصد ردود الفعل التفاعلية المزدوجة بين حساسية التوصيل عبر الغشاء الجلدي للمشارك والتغيرات المسجلة في نسق دقات القلب.

كان من النتائج الجزئية لهذه الدراسة (انطلاقا من الملاحظات المسجّلة خلال التجربة) أن الناس بصورة عامة يحتفظون بــــ :

الأنباء السلبية أكثر من الايجابية

الفشل أكثر من النجاح

الهِنات في سلوك الآخر أكثر من خِصاله

الانتقادات أكثر من الامتداح والثّناء

الكوارث أكثر من مُنجزات البشرية… 

ما يُفسِّر إلى حدّ كبير كثافة الأخبار السلبية في مختلف وسائل الإعلام التي تنشُدُ الانتشار لأن هنالك لهفة كبيرة يُبديها المتلقّي إزاء الأنباء الكارثية. لكن عادة ما تكون لحاجز السلبية هذا انعكاسات على أفكار الناس في شكل أفكار مسبقة وأحكام جاهزة ومواقف تمييزيّة في حق الآخر المختلف أو في شكل مواقف يحدوها التطيّر والتوجّس.

من التفسيرات التي قدّمها فريق الباحثين بجامعة ميشيغان أن “نظرية الميْل إلى كل ما هو سلبي” مرتبطة بنظرية النشوء والتطور لأن الانسان البدائي ما كان ليستمر وجوده لولا ذلك “الحاجز البدائي” الذي يجعله يفرّ هاربا تلقائيا لمجرّد سماع أبسط صوت أو حركة مجاورة لغدير مّا كان يشرب منه، دون التساؤل إن كان مردّ تلك الأصوات حيوانات مفترسة أم كائنات أليفة”.

أمّا في سياقنا التونسي،

فيبدو أننا لا نُشكّل استثناءً لهذه القاعدة التي تأكّدت كونيّتها، بل لديّ انطباع أننا “لا نكتفي بمعرفة العلم وإنما نُضيف إليه ونُغْنيه” كما في كل شيء، فنحن لا نكتفي بالميل الطبيعي إلى تحبيذ ما هو سلبي والتلذّذ برفقته بل تأسّست لدينا ردّة الفعل السلبية كمنوال أساسي ثابت في التعامل بين الناس والتعاطي مع الأخبار الواردة من هنا وهناك. (حتى أن صانع مقهى أعرفه أضحى قِبلة العديدين من أهل الحي يأتونه خصّيصا للتزوّد الدّوري بما تيسّر من أخبار موغلة في الطعن والقتل وقطع الطرقات والسِّفاح واشراف الدولة على الإفلاس…).

وهذه بعض الأمثلة الحيّة التي تُجسّد حسب نظري هذا الاتجاه العام في سلوك التونسيين :

___ الخبر على صفحة رئيسة بلدية سيدي مرشد بسليانة الجنوبية : انطلاق التسجيل في برنامج تعليم الكبار والتعلّم مدى الحياة بكافة معتمديات ولاية سليانة… (تعليق أحد المٌتابعين : خرّف يالّي تخرّف، ولايات تجيب في المشاريع وسليانة باش اتقرّي واتعلّم الكبار،  مقروش الصغار حتى باش يقرو الكبار…)

___ الخبر على صفحة إحدى الإذاعات : شاب تونسي قادم من بعيد يُعيد الأمل في صنع أمجاد الفريق الوطني لكرة القدم، إسمه حنبعل المجبري. (أحد المعلّقين : انتصارات كرة القدم لم تعد تستهوي  الا السُذّج والمغفّلين من الناس، نحن بحاجة للانتصار على الفقر والتخلف والجهل…)

___ الخبر : الانطلاق في مساءلة الضّالعين في حملات تسفير آلاف الشباب التونسيين إلى بؤر الإرهاب. (أغلب المعلّقين :  هذه مسرحية جديدة سيّئة الإخراج أو هذا حمّام أخضر لتبييض الحَمام الأزرق أو كذلك “في الحلقة الأخيرة سيكتشفون أن الشعب هو الذي قام بالتسفير إلى سوريا” …)

___ الخبر : بطلة التنس أنس جابر في نهائي دورة أمريكا المفتوحة. (بعض التعليقات : هنيئا للبرجوازيين ببطلتهم في رياضتهم المفضّلة أو مبروك عليها المليارات !)

___ الخبر : حصول تونس سنة 2008 على جائزة الأمم المتحدة لجودة الخدمات الإدارية (نجاح تجربة وضع كل خدمات التوجيه الجامعي في تونس على الخط آنذاك) وقد أسندت اللجان الأممية قرارها في ديسمبر 2007 بناءً على ملف مفصّل من مئات الصفحات سهرتُ شخصيا من أجله الليالي حتى أقدّم أفضل صورة حول مكسب حقيقي تحقّق بكفاءات تونسية خالصة، دون أدنى إشارة إلى السلطة السياسية ولو في جملة واحدة. (كثير من المعلقين وخاصة من الحقوقيين الثوريين : “هذه جائزة لا معنى لها، ومن المؤكّد أن بن علي صرف على نيْلها المليارات من أموال الشعب لتلميع صورته والتطبيل للتطور الزائف الحاصل في البلد.” )

___ الخبر : تنظم الجامعات خلال شهر مارس من كل سنة مناظرات بالاختبارات الكتابية لتعديل المسار الدراسي، ويُقبَل بصفة آلية في هذه المناظرات جميع المترشحين إذا كان عددهم لا يفوق عدد البقاع المفتوحة. (تعليق أغلب الكسالى و”الطايحين قبل الضّربة” : لا فائدة من المشاركة لأن نتائج المناظرات معروفة مسبّقا وقائمات الناجحين تكون جاهزة قبل اجتياز المناظرة أصلا !  )

___ الخبر : طالب بإحدى مؤسسات الجامعة التونسية (INSAT) يُدعى كريم الغرياني، 19 سنة توصّل الى ابتداع أداة جديدة في مجال البرهنة الرياضية وتمّ اعتمادها من لدن المنظمة العالمية LANL في جامعة كاليفورنيا وأطلق عليها إسم كاريماسيون Karimation (كان ذلك سنة 2009) متوصّلا إلى نفس النتيجة التي تم بلوغها سنة  1866، الشيء الذي يُعتبر علامة نبوغ كبير في حدّ ذاته. (أتذكّر جيدا أن تعليقات العديد من الجامعيين الرياضيين والفيزيائيين الذين أعرفهم آنذاك كانت من قبيل : “برافو عليه كريم آما راهو ما جابش فريمون حاجة جديدة خاطر ماناش قُدّام نتائج جديدة وإنما فقط طريقة جديدة تتميز بالبساطة وعدم التعقيد “).

أقول في النهاية بأن لحظة التحوّل في صباحات تونس (وربما في صباحات كامل المنطقة العربية)، اللحظة التي تخلّى فيها التونسي (مدفوعا إلى ذلك قسرا) عن تلك المُراوحة المتوازنة والمُمتعة صباحا بين بعض المدائح والأذكار البرّاقة بأصوات تونسية شجيّة ثم جُرعة من الفرح العارم والبهجة الساطعة بصوت فيروز الحريري”التي تجعل الصحراء أصغر وتجعل القمر أكبر” كما قال عنها درويش… كانت لحظة مُنبئة بحلول مزاج جديد من أهم ركائزه تمجيد البكاء وازدراء الحياة والاحتفاء بالممات. (ولهم في هذه المعاني نصوص وفتاوى ما أنزل الله بها من سلطان).

أكمل القراءة

جور نار

متى تصبح تونس رواندا ؟

نشرت

في

عندما نشاهد اليوم صور العاصمة الأثيوبية أديس أبابا و باقي المدن الكبرى و نلاحظ الطّفرة العمرانيّة و تطوّر البنية التّحتيّة في أثيوبيا التي كانت حتى سنوات قريبة تعاني من المجاعة ، أو عندما نطالع أرقام النّموّ التي تحققها رواندا و ما تشهده من تغيير إيجابيّ على امتداد السّنوات الأخيرة جعلها من أكثر البلدان نموّا في العالم بعد أن قصمت ظهرها الحرب الأهليّة و أبادت عددا كبيرا من سكانها و هجّرت بعضهم الآخر و اغتُصِبت نساؤها و أتلفت مواردها و مقدّراتها … 

عبير عميش

عندما نشاهد هذه الصور تعود بنا الذاكرة إلى فترة التّسعينات ، إلى زمن كانت فيه تونس ترسل المساعدات و قوات حفظ السلام إلى هذين البلدين  ، و نتساءل عمّا أصاب بلادنا و جعلها تتقهقر من دولة تطمح نحو الحداثة و كانت تسير بخطى ثابتة نحو التّقدّم و التّطوّر إلى دولة تتوسّل حكومتها رضاء صندوق النّقد الدّولي و تتسوّل بعض حاجياتها الأساسيّة و يعاني شعبها الويلات على جميع المستويات … ما الذي جعل البلدان الافريقية تتجاوزنا وتتفوّق علينا ؟ و الحال أنّنا نملك كل المقومات وحبانا الله بكثير من الهبات والخيرات التي توجد في مختلف ولايات البلاد ، إلا أننا وللأسف الشديد في كثير من الأوقات نفتقد التخطيط السليم وقبل ذلك نفتقد للاتفاق حول هدف موحّد  يعمل من أجله الجميع و نفتقد أساسا فكرة وحدة الشعب …فكلّ تعاملاتنا و رؤيتنا و تنظيرنا في السنوات الأخيرة تقوم على الإقصاء و رفض الاختلاف فهل يمكن أن ينهض بلد يعيش أفراده انقسامات كثيرة و تحرّكه نوازع الانتقام من الآخر و يسيطر الحقد و التّشفّي على العلاقات بين أفراده

بعد 14 جانفي 2011  صارت حملات ديڨاج للمسؤولين السامين و موظفي دولة ” بن علي ” أمام تهليل و تصفيق الثورجيين  فماذا حصل .. تنكيل و تعذيب و تشويه لأفراد أثبت القضاء براءة أغلبهم لكن بعد ماذا ؟ بعد أن مات بعضهم في السجون ؟ بعد أن دمّرت عائلاتهم ؟ بعد أن فقدوا حقوقهم و لاحقهم الوصم ؟ ماذا حصل ؟؟ تمّ إفراغ الإدارة من الكفاءات و استولى على المناصب أصحاب الولاءات الجديدة و تقهرت الخدمات … و ليتنا نتعظ من أخطائنا ، لكن ها إننا اليوم نعاود نفس الأخطاء لنفس الأسباب السّابقة و لكن في ظروف أصعب مع تدهور الوضع الاقتصادي و بنفس الشماتة و التشفي من الخصوم و ملفّ التسفير مؤخرا خير مثال و قد نسي معظم الشعب أنّه ملف دولي شائك ملف عابر للقارات و كان يعكس إرادة دوليّة في سنوات 2013 و 2014 و لم تكتو بناره  العائلات التونسيّة فحسب و لم يقع فيه التغرير بالشباب التونسي فحسب . فهل بوسع القضاء في تونس أن يفصل فيه  جزائيّا ؟؟

إنّ المحاسبة أية محاسبة لا بدّ أن تكون عادلة بعيدا عن منطق الانتقام و التّحكّم في الرّقاب وما على القضاء إلا أن يقوم بدوره . و إن كان للجماعة من مسؤولية واضحة فهي المسؤولية السّياسية ، لكن استغلال الملف لتصفية الحسابات اليوم لا يمكن أن يحقق العدالة و لا أن يضمن الاستقرار

” المهم تمرمدوا … المهم ذلوهم … ”  و بعد ؟؟؟  شعب امّمرمد يقضي يومه يبحث عن دواء مفقود و يتذلل لأصحاب المحلات طمعا في الحصول على علبة حليب تبخر أو كيلوغرام سكّر غائب أو لتر زيت كريه و لكنّه يتلذذ سحل خصومه  و إهانتهم و تعذيبهم

فهل بهذا المنطق يمكن أن نبني دولة و يمكن أن  نؤسس لتحقيق النّموّ و الرخاء

إنّ رواندا التي نذكرها بتحسّر لم تستطع تحقيق ما حققته إلا بفضل المصالحة الوطنية الشاملة و اعتراف المخطئين بذنبهم و اعتذارهم عنه و تسامح المضطهدين و استعدادهم لطيّ الصّفحة و وضع  اليد في اليد و الاتحاد لتحقيق الأفضل للبلاد و بناء دولة قويّة متضامنة متقدّمة ومتوثّبة نحو المستقبل..

أمّا ما نعيشه اليوم في تونس فهو خسارة كبيرة في الوقت و المال و هدر للطاقة و ضياع للحلم

فهل بيننا حكيم يفقه و يصلح ؟ و هل بيننا وطنيّ يبني و يجمّع  ويوحّد  ؟

أكمل القراءة

جور نار

من كانوا ينتظرون أن لا يخيب ظنّهم … خاب ظنّهم !

نشرت

في

بعد أن عشنا ومنذ 25 جويلية من السنة الماضية ما وقع لكل من نعتهم مولانا وأتباع مولانا وأنصار مولانا ومن بايعوا مولانا ومن ساندوا مولانا ومن راهنوا على مولانا، بالفاسدين والمحتكرين والخونة والعملاء والانتهازيين…

محمد الأطرش Mohamed Alatrash
محمد الأطرش

وبعد أن ثبت “قضائيا” ان أغلب إن لم نقل كل من نعتوا بغير ما فيهم، كانوا مجرّد وسائل وآليات افتعال أزمات لإلهاء الشعب عمّا يعانيه ويعيشه وعن أمهات الأزمات…فالأزمة الاقتصادية استفحلت وأغرقت البلاد في أزمة شكّ وأزمة ثقة وأزمة يأس وإحباط وأزمة وجود…لكن رغم ذلك لم ينفضّ أتباع ساكن قرطاج من حوله، كما لم يصرخ كل الشعب باسمه أيضا يوم الاستفتاء، وقبله يوم الاستشارة…

فمن كانوا ينتظرون وضع كل خصومهم في السجن خاب ظنّهم…ومن كانوا ينتظرون انتقاما من جميع من حكموا قبلهم خاب ظنّهم…ومن كانوا يشعلون فتيل الفتنة بين مكوّنات المشهد السياسي خاب ظنّهم…ومن كانوا يحقدون على النهضة خاب ظنّهم…ومن كانوا يحقدون على ” الدساترة” خاب ظنّهم…ومن كانوا يحقدون على نواب الائتلاف خاب ظنّهم…ومن كانوا ينتظرون إغراق السجون بعصابات التسفير خاب ظنّهم…ومن كانوا ينتظرون فراغا وشغورا في كل مؤسسات الدولة للاستحواذ على كراسيها خاب ظنّهم…

ومن كانوا ينتظرون إعادة ما يزعم البعض أنه أموال منهوبة خاب ظنّهم…ومن كانوا ينتظرون مليارات رجال الأعمال خاب ظنّهم…ومن كانوا ينتظرون هرولة الدول الشقيقة للتصفيق ودعم ما أتيناه خاب ظنّهم…ومن كانوا ينتظرون مليارات الدولارات من صندوق النقد الدولي خاب ظنّهم…ومن كانوا ينتظرون بروز وجوه سياسية تصنع العجب خاب ظنّهم…ومن كانوا ينتظرون انخفاضا كبيرا في نسبة العاطلين عن العمل خاب ظنّهم…ومن كانوا ينتظرون تجميدا للأسعار او الحدّ من ارتفاعها خاب ظنّهم…ومن كانوا ينتظرون وقوف “جماعة الطبوبي” إلى صفّهم خاب ظنّهم…

ومن كانوا ينتظرون خروج الشعب إلى الشوارع خاب ظنّهم أيضا…ومن كانوا ينتظرون انتعاشة اقتصادية خاب ظنّهم…ومن كانوا ينتظرون إنجاز أحد الوعود خاب ظنّهم…ومن كانوا ينتظرون رفع المظالم خاب ظنّهم…ومن كانوا ينتظرون نسيان ما أنجزه بن علي رحمه الله خاب ظنّهم…ومن كانوا ينتظرون نسيان ما أنجزه الزعيم بورقيبة خاب ظنّهم…ومن كانوا ينتظرون حلّ حركة النهضة خاب ظنّهم…ومن كانوا ينتظرون زيادات معتبرة في الأجور خاب ظنّهم…ومن كانوا ينتظرون موسما سياحيا متميزا خاب ظنّهم…ومن كانوا ينتظرون انتعاشة فلاحية خاب ظنّهم…ومن كانوا ينتظرون مصالحة وطنية شاملة خاب ظنّهم…

كذلك من كانوا ينتظرون البقاء بمفردهم في المشهد السياسي خاب ظنّهم…ومن كانوا ينتظرون مسح بورقيبة وبن علي من ذاكرة اغلب هذا الشعب خاب ظنّهم…ومن كانوا ينتظرون وجودهم في دائرة ساكن قرطاج خاب ظنّهم…ومن كانوا ينتظرون عودة العلاقات مع سوريا خاب ظنّهم…ومن كانوا ينتظرون انخفاض العجز التجاري خاب ظنّهم…ومن كانوا ينتظرون انخفاضا في نسبة التضخم خاب ظنّهم…ومن كانوا ينتظرون قبول الشعب بهذه “العيشة” خاب ظنّهم…ومن كانوا ينتظرون أن أحوالنا ستتحسّن بالخطب العصماء خاب ظنّهم…ومن كانوا ينتظرون أن الشعب سيقبل بهذه الأوضاع وتواصلها خاب ظنّهم…

نعم هكذا نحن اليوم في تونس نعيش حالة يومية واسعة من افتعال الأزمات وخلق الأحداث الجانبية والايهام بحملات لمقاومة الفساد والاحتكار وغيرها من الملفات التي تتطلب دعاية إعلامية واسعة لإلهاء الشعب في قضية ما تأخذ اهتمامًا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي، وعاشت وتعيش البلاد منذ 2011 المئات من الأزمات المفتعلة، منها أزمات سياسية واجتماعية وفكرية وبرلمانية ودستورية وقانونية ورياضية وصحيّة، وهذه الأزمات دائمًا ما تصدّر إلى الشارع لتُحوّل وجهته عن القضايا الأهمّ والأزمات الأكبر والأخطر…لذلك أعود لأقول …من كانوا ينتظرون الجنّة…فلا جنّة غير جنّة الله…ومن كانوا ينتظرون عدلا…فلا عدل غير عدل الله…ومن كانوا ينتظرون خيرا فلا خير إلا ما يعلمه الله…فحتى من كانوا ينتظرون انه لن يخيب ظنّهم…خاب ظنّهم….وسيخيب…

أكمل القراءة

صن نار