تابعنا على

جور نار

بداية الرحلة، و المرحلة

نشرت

في

عبد القادر المقري

كما سارت عليه السُنَن لا بدّ في يوم افتتاحي كهذا، أن نمعن في المقدمات و التحيات و المصافحات … افتراضيا طبعا حتى لا يتم ضبطنا بمخالفة البروتوكول الصحي … نحيّي و نرحّب و نتمنى الأفضل لكل من فتح لنا قلبه و عينيه و وقته … و أيضا ذاكرته من أولئك الأوفياء الذين رافقونا بدفئهم و اهتمامهم من قرن إلى قرن …

هذا اليوم هو يوم انطلاقنا في تجربة جديدة أطنب في تفصيلها الرفاق أحسن مني … و أكيد أن فريقنا يفرغ ما في جعبته لنهار واحد، لأنها قد تكون آخر مرة و أول مرة نحكي فيها عن أنفسنا و عن جريدتنا … أما باقي الأيام، فلن يكون المجال إلا للاجتهاد في ملاحقة الأحداث الوطنية و العربية و الدولية، و مسابقتها في أحيان، و السعي الدائم بين صفا الخبر و مروة التعليق …

ولادتنا تجيء في وقت صعب، و لعلّني لا أقلب الأدوار لو قلت إنها جاءت في وقتها … نعم … فالشدة التي نجتازها جميعا تحتاج إلى حشد 12 مليون قلم، و 12 مليون حنجرة، و 12 مليون فكر، و 12 مليون ساعد، و 12 مليون إرادة خير … لكي لا تكبو بلاد لا مورد لها سوى هذا الشعب الذي ـ بتعداده المعروف ـ قد لا يملأ مدينة صينية متوسطة …

بلد قليل العدد يمكن، ضيق المساحة نسبيا ممكن، عديم الثروات قالوا … و لكننا ننظر إليه كما ينظر المستكشفون إلى كتلة ضئيلة من جبل جليد عملاق … وحدهم المصابون بعمى الألوان و المسافات يقفون عند ويل للمصلين أو ويل للتونسيين … و لكن حكماء الأعماق و قرّاء التاريخ، يعلمون حق العلم أن هنا موطن شعب عظيم و دولة أعظم … ليس مطلوبا منك أن تكون من هواة الآثار أو الباكين على ذكرى حبيب و منزل، حتى تستعيد الحضارات التي أنشأها التونسي(همجيّ اليوم)، و ظلّلت تحت فيئها أقواما في الاتجاهات الأربعة … و ليس مطلوبا أن تكون من مرضى الوطنية العمياء التي تجمّل الجميل من تاريخنا و القبيح على حد سواء … و لكن يكفي أن تنجم بين جدراننا محنة أو يستفزّنا خطر، حتى يخرج من القمقم مارد نندهش نحن أنفسنا من جبروته …

و الأمثال كثيرة قريبة … منها تلك الأيام العزاز التي عشناها في الشهرين الأوّلين من 2011 … لم تكن هناك حكومات و لا مؤسسات قائمة و لا هذه الشخصيات التي تتصدّر من الأزل إلى الأبد عناوين أنباء الثامنة … كل ذلك إمّا هرب و إمّا اختبأ في البيوت و إمّا كمن في المنافي الذهبية … و لم يبق في هذا المدى القاحل سوى متساكنين نعرف منهم القلّة و البقية بلا أسماء … هم الذين اشتغلوا حرسا و عسسا و منظفين و سوّاقا و مزوّدين و ممرضين و معلّمين و قائمين على كل المرافق دون انتظار تهديدات مدير أو زيارة وزير … أما التضامن ـ الطوعي حقا هذه المرة ـ فقد فاقت حدوده الحدود، مع الجار القريب أو العابر البعيد …

و قد تكررت الأمثلة و الملاحم … في تقاسم المؤن بين العائلات، في نجدة مشردي بلد مجاور، في جمعيات مخيم الشوشة، في ملاحقة المنحرفين، في مواجهة الفارّين من السجن، و بعد ذلك في إلياذة بن قردان 2016 … و كم أحسد بعض ساستنا على جرأتهم في توصيف كل هذا برسوخ الإدارة و قوة الدولة … و هم يريدون إقناعنا بأن مناصبهم هي الطبيب المداوي، و أن صراعهم على الكراسي لوجه الله و الوطن و خدمتنا … بينما الحقيقة أن الدولة و الوطن و الخدمات، و قبل ذلك إعاشة غوغاء السلطة، هي نحن و أنتم و أنتنّ و جملة من يعمّرون أرضنا الطيبة … فقط لا غير …

و فقط أيضا … أن يجد أهلنا من يحترمهم و يحترم ذكاءهم و يَحْذر غضب الحليم الكامن فيهم … و هذا ما سنسعى إليه من موقعنا الصغير البسيط، و أيدينا على قلوبنا …

أكمل القراءة
5 تعليقات

5 Comments

  1. عبير

    18 أكتوبر 2020 في 09:18

    جميلة تحية البداية
    البداية التي جاءت في وقتها… إن لم تكن تأخرت نسبيا
    سعيدة بالقراءة لك من جديد
    حروفك اليوم مهادنة رقيقة رقة البدايات لكني واثقة من أنها ستعود لنيرانها من جديد…
    تحياتي

    • makri abdelkader

      22 أكتوبر 2020 في 13:36

      لا تخافي أختي … علبة الكبريت سحبوها من أكشاك باعة التبغ، فاستبدلناها بـ “بريكية” في قوة شاليمو

  2. جربة..المنجي بن سليمان

    19 أكتوبر 2020 في 12:49

    برافو..يعطيكم الصحة…تقريبا أغلب اسرة التحرير..عايشتها منذ منتصف الثمانينات ..وهم اعتبارهم من أبرز الأقلام في المشهد الإعلامي ماضيا وحاضرا..من الورقي الي الاكتروني…
    موفقين ان شاء الله..

  3. ام غسان { فاطمة بية }

    19 أكتوبر 2020 في 21:49

    ولك 12 الف تحية من الشعب التونسي يا سي عبد القادر .. وربي يوفقكم وويسدد اقلامكم لما يفيد البلاد والعباد …

    • makri abdelkader

      22 أكتوبر 2020 في 13:32

      دام عزّك أختي أم غسان

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

وداعا أيها القيصر

نشرت

في

Franz Beckenbauer : suspendu par la Fifa, il annule son séjour au Mondial !  - Africa Top Sports

من أمارات المعالم الجميلة أنها حين تزال ويفجعك نبأ زوالها ، تختلط عندك المفاجأة بعدم التصديق، بإحساس بتفاهة العالم، برغبة في الصحو من كابوس قليل الذوق … يقع لنا ذلك عندما نفقد عزيزا أو نجد خلاء بلقعا مكان بناية أليفة أو شجرة عمرها يزيد عن القرن … قد نغضب ونسبّ سلالة الهمّج الذي ارتكبوا الجرم، ولكن إذا كان القدر هو الجاني فلا تملك إلا أن تقول مع أبي الطيب: وتقتلنا المنون بلا قتال …

عبد القادر المقري Makri Abdelkader
عبد القادر المقري

في البشر هناك العامّة والخاصة، هذا بديهي … ولكن تعريف مشاعرنا لهؤلاء الخاصة يختلف تماما عن تعريفات الأكاديميين ومفوّهي القنوات التلفزية … مشاعرنا الصغيرة قد لا تضع ضمن خاصتها الساسة والدكاترة ورجال الأعمال وصانعي الرأي العام … بل يحوي جرابها فقط أشرطة وجوه وأصوات لأحبّة من العائلة، وصديق أو اثنين من رفقاء مرحلة ما، وحفنة من نجوم فن ورياضة كبرت معهم ذائقتنا وقاماتنا وأيامنا وأحلامنا والتصقت بذكراهم التصاق الزهرة بعطرها، وعصفور الخطاف بلونيه الأسود والأبيض … وأيّ خدش بهذه الأشرطة ينجم عنه وجع دفين مبرح بأعماق القلب، وأي اختفاء لصورة من صورها يعادل انطفاء قنديل في طريقنا الذي نسلكه في ليالي الزمن … 

نحن أيضا كنا شبابا … ومثلما أجيال اليوم لها نجوم قد تجد فيها نفسها، فقد كنا أيضا نجد أنفسنا في نجوم عصرنا البعيد … الذي من أنصار أم كلثوم، والذي مع عبد الوهاب، والذي لا يشجيه سوى فريد على عوده الباكي … أنا كنت أولا من عاشقي العندليب، وبعدها بقليل أصبحت حليميا فيروزيا، وبقيت هناك … أما في الكرة، وما المشكلة في الغرام بالكرة؟، فكنت أصغر من أن أُعجب بالملك بيليه، وأكبر عمرا من أن أهيم بمارادونا … أنا ابن شباب السبعينات، وفي تلك المرحلة طغى اسمان لا ثالث لهما: الهولندي يوهان كرويف، والألماني (الغربي وقتها) فرانز بيكنباور …

ولأسباب خاصة بنا نحن العرب، كنت من كارهي كرويف رغم انبهاري بفنّه الكبير … فقد أشيع في تلك الأيام أنه من أنصار ذلك الكيان الغاصب وأنه في صورة رفعه لكأس العالم سيحملها إلى تل أبيب إلخ … وقد تبين فيما بعد زيف هذه الإشاعات، ولكن سبق السيف العذل … إذن كان هذا الهولندي الطائر فلتة هجومية ومهارية لم أر مثلها إلى اليوم … يضاف إلى ذلك أنه يتحرك ضمن فريق فاجأ العالم بأسلوب لعب فريد (الكرة الشاملة) وقدرة افتراس لا تبقي و لا تذر، فضلا عن أنه من بلد ضئيل جدا و لا ماضي له ولا أمجاد في هذه اللعبة … أجاكس أمستردام السبعينات كان مثل الحاصدة الدارسة لا يوقفه كبير ولا صغير … لا الإنتر ولا اليوفي ولا الريال ولا برشلونة ولا مانشستر ولا أي واحد …

في مونديال 74 كان منتخب هولندا عبارة عن “انتداب” جماعي لمعظم عناصر أجاكس، بمن في ذلك المدرب العظيم “رينوس ميكلس” … ودخل الدورة يضرب فيصرع، عصف بكافة دول أمريكا اللاتينية (بمن فيها البرازيل لتي سحقتنا في الوديات وقتها برباعية وخرجنا مسرورين لأن محيي الدين سجل لهم هدفا) ومعها كل من اعترضه سواها … وبسرعة رشح الجميع “البرتقالة الميكانيكية” (المنتخب الهولندي) لترفع التاج الأغلى والأعلى … وبما أننا كما قلت كنا ـ وما زلنا ـ فلسطينيي الهوى، فقد التفتنا إلى بعضنا البعض وقلنا: من يوقف هذه الكارثة؟

وجاءت الإجابة في النهائي على أيدي ـ وأرجل ـ الألمان الغربيين، أي الوحيدين الذين لم يرعبهم الخطر القادم من الشمال … في تلك المباراة، استعرض كرويف كل قوّته من البداية وما هي إلا دقائق حتى تلاعب بكامل ألمانيا وأحرز ضربة جزاء تحوّلت إلى هدف سبق وطريق يبدو سهلا للفوز بالكأس … وهنا انتظمت الماكينة الجرمانية ووقفت سدّا أصمّ حيال الإعصار … تسعون دقيقة من صراع ملحمي أشبه بالحرب، مصداقا لنظرية “ميكلس” ومفهومه القتالي لكرة القدم، و تصويرا لروح ثأرية من هولنديين لم ينسوا ما فعله بهم عساكر أجوارهم من مجازر قبل 30 سنة ذات حرب عالمية … وفي المقابل، كانت ألمانيا المنزوعة السلاح تريد إقناع الجميع بأن لديها حججا أخرى غير الرصاص والدم … وأنها اليوم صارت قلعة سلمية للمعرفة والعمل الدؤوب والإرادة التي لا تلين…

 وكان رمز هذه الكتيبة الصامدة في البداية، وكاسرة الغول الهولندي في المنتهى، رجل طويل القامة أنيق الحركة وسيم الملامح … مركز بيكنباور الرسمي هو الدفاع وقلب الدفاع، غير أنه كان أولا يدفع خطر المنافس بنجاعة وذكاء دون خشونة يتسم بها عادة أصحاب تلك الخطة … وكان ثانيا طاقة انتقال لا تكلّ و لا تملّ، فهو في الدفاع وفي الهجوم وفي التنسيق من الوسط وفي المحاصرة وفي أي متر من الملعب … وكان ثالثا منارة لزملائه وقائدهم و نائب المدرب على الميدان، فهو الذي ينظم الهجمات، وهو الذي يشير بالتراجع، وهو الذي يرفع المعنويات، وهو الذي يغلق المنافذ أمام الخصم … وعند تصفيرة الظفر الأخيرة، كانت وجوه الاثنين وعشرين لاعبا منهكة إلى أقصى الدرجات، ونظرات بعضها تقول لم يذهب تعبنا سدى، والبعض المقابل يقول من حظكم أنكم نجوتم منّا …

صورة “الكايزر” وهو يرفع الكأس تحت انتشاء الشعب الألماني ومعه مئات الملايين في العالم من محبي اللعبة … وأيضا من محبي قيم وأخلاق جسّدتها ألمانيا في تلك الدورة، عكس العنجهية والغرور اللذين لازما كرويف ومنتخبه في سنوات السطوة تلك … الصورة رسخت في الأذهان إلى الأبد … ولكن الأقرب إلى قلبي صورتان ربما أقل شهرة ولكن أكثرها دلالة … الأولى حصلت سنة 2001 بملعب المنزه عندما زار فريق “بايرن مونيخ” تونس في مباراة ودية ومعه بيكنباور مدربا … بين الشوطين وبعد تكريم النجم الكبير، صعد بيكنباور إلى مكانه بالمنصة الشرفية مارا بمنصة الصحفيين … فانقضّ عليه معظم صحفيينا طالبين منه “أوتوغراف” أو صورة معه بأنامل الراحل حبيب هميمة … ولبّى الرجل طلباتهم برحابة صدر … وقد كنت تقريبا الوحيد الذي بقيت في مكاني لا أعرف ماذا أفعل وأنا غير معتاد على تلك المواقف … وما إن أتم بيكنباور مشواره مع الزملاء وواصل طريقه حتى التفت إلينا ـ أحد الأصدقاء وأنا ـ فحيّيناه بابتسامة وانحناءة رأس كما يليق بمقام قيصر ملك مثله … فما كان منه إلا أن ردّ علينا بابتسامة أعرض وانحناءة رأس مماثلة وكأنه فهم حبّنا وتقديرنا لأسطورته، منذ صبانا الأوّل …

أما الصورة الثانية التي بقيت في نظري مقترنة ببيكنباور القائد والمثل الأعلى … فقد تم التقاطها له في ملعب ويمبلي ذات نهائي عاصف آخر ولكن ضد أنكلترا … أصيب أثناء اللعب إصابة بالغة في كتفه وكان من المفروض إخراجه وحمله إلى المستشفى … إلا أنه رفض ذلك واكتفى بـ “إيشارب”  لإسناد كتفه المكسورة … واستمر يلعب ويقاتل بيد معلّقة والعالم كله منذهل لهذا العزم البطولي الذي قل نظيره  … ويقيني أن صورة كهذه تجاوزت إطار الكرة والملعب، لتكون ترجمانا لألمانيا البلد الذي نهض من ركام الهزيمة والجراح … بعد الحرب العالمية الثانية … 

أكمل القراءة

جور نار

عشرُ حكايات طريفة احتفظت بها دفاتر التوجيه عبر السّنين

نشرت

في

هذه ورقة تُريد لنفسها أن تكون مرِحة صرفة لا غرض من وراء نظمها سوى التّرويح على النفس وتهوئة أيّامنا المُعوزة وتمضية بعض الوقت مع حكايات طريفة.

منصف الخميري Moncef Khemiri
منصف الخميري

هذه الحكايات هي من الواقع عشتُها شخصيا ولا مجال فيها للتركيب أو التأليف وأشعر أنه قد يكون من المُفيد تقاسمها معكم…والدليل على طرافتها أن ذاكرتي الهرِمة مازالت تحتفظ بها إلى يوم الناس هذا. وقد حذفت منها بطبيعة الحال الأسماء الحقيقية وكل التفاصيل الغادرة حفاظا على خصوصية أصحابها وتأكيدا على براءة مقصدها.

الحكاية الأولى : تضمن الدولة مقعدا لكل طالب جديد

كان شغفها مثل آلاف التلاميذ التونسيين كبيرا بشعبة الطب وكانت مسيرتها الدراسية متميزة جدا خلال كل المراحل إلا أن مجموعها النهائي خذلها وحال دون تحقيق طموحها الأكبر في تلك السنة… فكتبت مطلبا وضعت فيه كل ما تملك من قوّة تعبير ومن فِطنة وذكاء كذلك، قالت فيه “… كنتُ الأولى دائما منذ السنة الأولى ابتدائي ولولا هفوة صغيرة في اختبار الفيزياء يوم امتحان الباكالوريا لتحصّلتُ على أفضل المعدّلات… أرجو أن تراعوا هذا وأن تُمكّنوني من دراسة الطب حلم حياتي وأنا مستعدّة لأن أجلب معي كرسيّا خاصا أجلس عليه أو حتى أفترش الأرض داخل القسم حتى لا آخذ مقعد طالب آخر…”.

الحكاية الثانية : القيام ببحث سرّي

“…أقسم لكم سيدي الوزير أن لي رغبة ملحة في الصيدلة مع إمكانية الحصول على اختراع brevet إثر البحث الذي سأقوم به في أطروحتي والخاص بنبات برّي تونسي جرّبه والدي بصفة سرية ضد الروماتيزم.”  هكذا علّلت إحدى الناجحات في الباكالوريا مطلب إعادة التوجيه الذي تقدّمت به للحصول على شعبة الصيدلة.

الحكاية الثالثة : بين ضحيّة وعُشاها

سي عبد المُعطي قرّر فجأة العودة من ألمانيا بعد أن قضّى فيها سنوات عديدة مع عائلته وكان من أوّل الصعوبات التي واجهتهُ تسجيل أصغر أبنائه (مستوى باكالوريا) بالمعاهد التونسية وتمييزه بإجراءات خاصة جدا تُمكّنه منها وزارة التربية لاجتياز امتحانات باكالوريا رياضيات، خاصة بالنسبة إلى مواد الفلسفة والفرنسية والعربية … وبعد رحلة طويلة تمكّن (فائز) من النجاح في الباكالوريا ولكن بمعدّل متوسط لم يسمح له بالحصول على شعبة “اللغة والآداب الألمانية “، فعاد إليّ مذعورا ورافقته في توجيه ملف خاص إلى وزير التعليم العالي وبقينا في انتظار الرد.

تأخّر ردّ وزارة التعليم العالي نسبيا لكن صديقنا لم يتردّد في التعبير عن انشغاله خاصة مع اقتراب موعد انطلاق السنة الجامعية الجديدة فقال لي : سامحني سي فلان

ça devient vraiment « inquiétable » على خاطر المشاكل هاذي في ألمانيا تتحلّ بين ضحية وعُشاها.

الحكاية الرابعة : الشيميك فيزي

كان السيد “ش” موظفا بمصلحة التجهيز بإحدى المندوبيات الجهوية للتربية وكان مسؤولا عن تزويد مخابر الفيزياء والكيمياء بمستلزمات التجارب والمستحضرات من مجاهر ومحركات مغناطيسية ونماذج للقلب البشري وعدسات بصرية ومعدّات مخبرية… راجعني مُدافعا بشراسة عن ملف إعادة توجيه مدرسي لتلميذة من عائلته وأجهش بالجملة التالية : والله صدقني طول عمرها باهية في les matériels scientifiques وخاصة في الشيميك فيزي لكن هذا العام للأسف تراجعت أعدادها قليلا ونجحت بمعدل متوسط.

الحكاية الخامسة : المعهد الوطني للنخيل بقابس

كنت بصدد تنشيط حصّة إعلامية مع تلاميذ الباكالوريا في أحد معاهد الوطن القبلي وكان يُرافقني مدير تلك المؤسسة. وفجأة قاطعني هذا الأخير مستغلاّ إشارة مني إلى التنافسية الشديدة التي تشهدها بعض شعب التعليم العالي وما يُحتّمه ذلك من ضرورة العمل الجادّ بشكل مبكّر من أجل الحصول على أفضل المعدلات … وتوجّه إلى التلاميذ : ما قاله الأستاذ صحيح لكن هاني باش نزيد نفسّرلكم أكثر، راهو كان ما تخدموش على أرواحكم من توّة يا إمّا ما تنجحوش جِملة وإلا تنجحو بمعدل ضعيف وترصّيلكم تقراو في المعهد الوطني للنخيل بقابس !

أكّدت له بعد انتهاء الحصة أنه لدينا معهد عال للغابات والمراعي بطبرقة لكنه لا يوجد معهد وطني للنخيل بقابس. فردّ عليّ مازحا : أنا متأكد أنهم سيبعثون مثل هذه المؤسسة طال الزمن أم قصر ! فمازحتُه بدوري قائلا “وأنا متأكد مثلك أنهم سيبعثون المعهد العالي للرمّان بتستور قريبا”.

الحكاية السّادسة : تقنيات علوم القضاء

كان لدينا منذ 20 سنة تقريبا شعبة جامعية قصيرة أُطلق عليها تسمية “تقنيات علوم القضاء” وهي شعبة تنتمي إلى مجال الحقوق والعلوم القانونية لكنها كانت مُمَهننة أكثر ويتخرّج منها (نظريا) أعوان المحاكم ومساعدو المحامين وعدول التنفيذ والإشهاد والمترشحون للعمل بمكاتب الاستشارات القانونية، الخ…

بعد انتهاء جميع عمليات التوجيه الجامعي وعند فتح دورة النّقل وإعادة التوجيه، زارني تلميذ تونسي حاصل على الباكالوريا من أحد المعاهد الفرنسية بتونس وكان محتجّا على الشعبة التي تحصّل عليها مُطالبا بتمكينه من شعبة جامعية أخرى بدلا عنها. فسألته عمّا يُزعجه في الاختصاص الذي تحصل عليه والحال أن ذلك هو ما طلبه في الرتبة الأولى على بطاقة اختياراته (بعد مراجعتها في السجل الإلكتروني لباكالوريا ذلك العام)… لم ينفِ كونه عمّر ذلك الاختيار في المقام الأول لكنه أكّد لي أنه لا يُتقن اللغة العربية وبحكم أنه لا توجد ترجمة فرنسية لشعب التعليم العالي “خِلتُ أنكم تقصدون “تقنيات علوم الفضاء” techniques spatiales les  وليس علوم القضاء !

الحكاية السّابعة : من الوريد إلى الوريد

هذه مهنٌ رصدتها في مطالب بعض الطلبة المترشحين لدورات إعادة التوجيه :

  • مهنة الوالد : عون مخابرات (والمقصود حارس غابات مكلف بالإشعار في حالة نشوب حرائق)
  • مهنة الأب : تصليح الدراجات العادية والنارية أحيانا
  • الأب تاجر نباتات برية نافعة وغير ضرورية (والمقصود نباتات غير ضارة)
  • أبي لا يعمل بصفة مسترسلة وسلوكه مضطرب جدا مرة هكة ومرة هكة ما تعرفش عليه من الوريد الى الوريد.  
L’attribut alt de cette image est vide, son nom de fichier est عشرُ-حكايات-طريفة-احتفظت-بها-دفاتر-التوجيه-عبر-السّنين-2.jpeg.

الحكاية الثامنة : 3 مطالب إعادة توجيه باسم نفس الفتاة

ورد على الإدارة العامة للشؤون الطالبية بوزارة التعليم العالي ذات سنة ثلاثة مطالب إعادة التوجيه باسم نفس الطالبة الجديدة الناجحة في الباكالوريا، وما كان لافتا للانتباه أيضا أن الشعب المطلوبة كانت مختلفة ومتواجدة بجهات مختلفة وأن المطالب كانت مكتوبة بخطوط مختلفة. وبعد التثبّت اتّضح أن المطلب الأول كان من وضع والدها القاطن بالدندان والراغب في إعادة توجيه ابنته إلى كلية الآداب بمنوبة غير بعيد عنه ونِكاية في والدتها المُطلّقة، والمطلب الثاني حبكته والدتها القاطنة بالمنزه والراغبة في إعادة توجيه ابنتها إلى المعهد العالي للغات بحي الخضراء بالقرب من مقر سكناها، والمطلب الثالث من صنع التلميذة نفسها التي أرادت التمرّد عليهما معًا فطلبت شعبة بجامعة المنستير للإفلات من “حبّ لأبويها لم تعد تعرف كيف توزّعه” كما قالت أو ربّما لمُعاقبتهما – حسب رأيي-  على ما فعلاه بها.

الحكاية التاسعة : انعدام الثقة في مصداقية الإدارة وضرورة مُراوغتها

تلك ظاهرة حقيقية يتقاسمها الشباب الناجح في الباكالوريا ولمستها شخصيا لدى عدد غير قليل من المترشحين للتوجيه الجامعي، وتتمثل في قولهم بأنه يستحيل على الإدارة التونسية أن تُمكّنك من اختيارك الأوّل حتى وإن كان لك الحقّ في ذلك، وبالتالي هم يلجؤون إلى ما يسمّونه “مُراوغة الإدارة” بوضع الشعبة المرغوب فيها بشدّة في الترتيب الثاني … فيتحصلون أحيانا من سوء حظهم على الاختيار الأول الذي لا يرغبون فيه في الواقع.

الحكاية العاشرة : المُعرّف الوحيد

كان يُطلب من المترشحين لإعادة التوجيه الجامعي ضمن الملفات الاجتماعية، رقم المعرّف الوحيد للأب المنخرط في صندوق الضمان الاجتماعي أو صندوق التقاعد للتأكد من حقيقة الوضع الاجتماعي للعائلة. ففي إحدى المرّات بدلا من وضع رقم أو رمز الانخراط كتب أحد الأولياء : 

المعرّف الوحيد : زوجتي.

أكمل القراءة

جور نار

هل بدأت مؤشرات وقف إطلاق النار في غزة؟

نشرت

في

لقاء لـ 75 دقيقة بين بلينكن وإردوغان.. وتركيا تطالب بوقف إطلاق النار -  الجريدة ـ لبنان

لأول مرة تقريبا منذ الهجوم الصهيوني النازي ضد المدنيين الفلسطينيين، تشير تصريحات وتحركات متلاحقة إلى ان الحرب على غزة لن تطول اكثر من اسبوع او اسبوعين قبل التوقف التام حسب بعض معطياتنا ..

محمد الزمزاري Mohamed Zemzari
محمد الزمزاري

لعل اهم هذه المعطيات ان اغتيال قائد كتائب الشهيد عز الدين القسام بلبنان صالح العاروري يعدّ بالنسبة للكيان تنفيسا عن فشله أمام مقاومة صلبة بغزة اوقعت في جيش الاحتلال وقياداته خسائر جسيمة جدا … وذلك رغم مكابرتها وطمسها للحقائق أمام الإعلام ومنعه من الوصول إلى أخبار الحرب والاعداد الحقيقية الكبيرة التي سقطت من جنود صهاينة و ضباط وآليات حربية بصورة يومية.

أما المعطى الثاني فقد صرحت اسرائيل خلال يوم أمس بأنها بأن عدد المقاومين الذين قتلتهم منذ 8 ديسمبر إلى الآن يناهز 6000 ..في حين انهم لم يقدموا فعليا اي إثبات لوقوع أسرى او شهداء من مقاتلي المقاومة وإنما قد يدخل هذا التصريح مع ما جاء من اغتيال القائد الحمساوي صالح العاروري (كإحدى الحالات النادرة التي نجح الاحتلال في الوصول إليها) في خانة استعادة ماء الوجه و تلميع الصورة التي لطالما تباهى بها الجيش الصهيوني وقد يلبي نسبيا عطش نتنياهو النازي لحماية حكومته و بقائه في السلطة التي أوقع نفسه على شفا الطرد منها وحتى المحاكمة …

المعطي الاخر هو تضاعف كمّ ونوع الضربات الآتية من حزب الله و الفصائل الفلسطينية التي قامت امس السبت بضرب بعض القواعد الصهيونية كرد فعل اولي على اغتيال قياديها العاروري… ورغم صلفه المتواصل وسياسة النعامة التي ينتهجها، فإن الاحتلال ليس من مصلحته فتح جبهة واسعة على شمال الأرض المحتلة مع حزب الله و المقاومة الفلسطينية المتموقعة جنوبي لبنان … ثم إن الاتجاه العالمي المندد بالصهيونية لن يسمح للكيان بتنفيذ مزاعمه بتدمير لبنان …

لعله من الملاحظ أيضا زيارة “كاتب الدولة” الأمريكي أنتوني بلبنكن ولقاؤه مع الرئيس التركي أردوغان خلال يوم أمس وما قيل فيها من ضرورة وقف الحرب بغزة، رغم ما ردده بلينكن عن ضرورة الا يعاد هجوم 7 أكتوبر على الكيان الصهيوني … وهذه وغيرها مؤشرات تؤذن بأن حرب غزة تسير نحو الايقاف الإجباري خلال أيام قد لا تطول.

أكمل القراءة

صن نار