تابعنا على

جلـ ... منار

بدل العتمة نور

نشرت

في

لا أدري لماذا تذكرت تلك القصة اليوم..تذكرتها وأنا أخوض معتركا نفسيّا منذ أن استبدلت صورة بروفايلي بصورة الطفل السوري عمران

وفاء سلطان

مات أبي إثر حادث سيارة وترك أمي في عزّ شبابها تصارع الحياة مع ستة أطفال..تكللت أمي بالسواد من قمة رأسها حتى أسفل قدميها لأكثر من سبع سنوات، وذلك حدادا على ابي..حتى قميص نومها كان اسود….مرّة سمعتها تدردش مع جار لنا، وكان ذلك الجار ارمنيا اسمه حنّا كازيزيان..سألها: لماذا تصرين على لبس الأسود، إن الله لا يحبه، فهو دليل على رفضك قضائه وقدره! أطرقت رأسها، ذرفت دمعة ثم قالت: وهل ترك لي غيره كي ألبس؟ فراح جارنا يقص عليها اسطورة من التراث الأرمني…

تقول الاسطورة: إن امرأة فقدت ولدها الوحيد فنذرت أن تلبس الأسود حدادا عليه مدى الدهر..بعد سنوات زارها ملاك في المنام، وقال: انظري إلى هذا الخيط (مشيرا باصبعه إلى طرف ثوبها الأسود)، لولاهذا الخيط الأبيض في ثوبك الأسود لاحترقت في نار جهنم..تذكرت السيدة أن طرف ثوبها انخزق مرّة، ولم تجد في حوذتها سوى خيط أبيض كي ترقع به ذلك الخزق!

………….

عندما ذبحت داعش الطفل السوري الفلسطيني على مرآى من العالم، تناولت تلك الجريمة في برنامجي الاسبوعي “حرب بلا سلاح”!

وصلتني عشرات الرسائل من معارضين سوريين: يا شرموطة يا نصيرية، أنت تتعاطفين معه ليس لأنه فلسطيني بل لأنه موالِ لسيدك بشار الأسد!

طفل موال لبشار الأسد؟؟؟ هل هناك انحطاط أخلاقي أكثر من ذلك؟؟؟؟

لم يطل الأمر كثيرا حتى صُعق العالم أمام كارثة الطفل السوري عمران…فاستبدلت صورة بروفايلي بصورته…فوصلتني عشرات الرسائل من موالين سوريين: يا شرموطة يا أمريكية يا متصهينة، لقد وقعت في الفخ فالصورة مبفركة..واقترح أحد “شرفاء” الموالين أن تُسحب مني الجنسية السورية وكأن جنسيتي صدقة يتصدقون بها عليّ من أموال رامي مخلوف!

………….

أسقطتني التجربتان في معترك نفسي ليس سهلا…يزعم الموالون أن الطفل عمران صورة مفبركة، وكأن الطائرات الروسية تُسقط المن والسلوى وأطباقا من الورود فوق رؤوس البشر..هؤلاء البشر الذين هُرسوا بلا أدنى إحساس بالشفقة رجالا ونساء وأطفالا…الموالون يهللون لها من منطلق ايمانهم بـ “هويتهم” السورية ودفاعا عنها…ومن يعبر عن مجرد ألمه هو أمريكي متصهين، ليس هذا وحسب بل شرموط!

أما المعارضون وفيصل القاسم مثال حي، فحدّث بلا حرج! (النصيريون يشربون المتة والأركيلية ويعيشون حياتهم يتفرجون على تدمير سوريا بدونأن يرف لهم جفن)

أكثر من ربع مليون “نصيري” في طائفة لا تزيد عن المليونين فقدوا حياتهم بين ساطور النظام وسندان المعارضة..يكاد لم يبق بيت في المناطق الساحلية إلا وفيه أم مفجوعة وأطفال يتامى..جيل بين العشرين والأربعين اندثر، وكارثة اندثاره ستلقي غلالها السوداء على تلك الطائفة مدى الحياة..

لكن المعارضين يتمسكون بثورتهم “المسالمة”، التي لم تسرق قمحة ولم تقتل نملة! ومن يقول حرفا لا يخدم مصالحهم هو من زبانية الأسد حتى ولو عبر عن ألمه حيال طفل ذبحته داعش،على مرآى من العالم بطريقة لا تقل وحشيّة عن ذبح بني قريظة! ليس من زبانية الأسد وحسب، بل شرموط!

………….

الموالون والمعارضون ـ بمختلف طوائفهم ـ انتاج محلي وثمرة لثقافة واحدة، ثقافة: ياآيها النبي حرّض المؤمنين على القتال…ك الطرفان معا وجهان لعملة واحدة!

لذلك، لا أستطيع أن اخرج من معتركي النفسي مهما حاولت إلاّ بقناعة مؤلمة جدا جدا..قناعة تؤكد لي أن تلك الحرب الجهنمية ضرورة لا بد منها! فالنار تطهر الحديد، ناهيك عن نفوس تتمجد بالقتل والدمار…

ستظل تلك الحرب مشتعلة، ربما عقدا آخر آو عقدين، أو من يدري؟؟؟

ستظل مشتعلة ـ سواء على أرض الواقع أم في عقول منفذيها ـ حتى يجد هؤلاء الموالون والمعارضون، الذين “يعتزون” بهويتهم السورية،ويعتبرون كل واحد خارجهم “شرموطا”، ستظل مستعرة حتى يجدوا خيطا أبيض يرقّعون به ضمائرهم السوداء المهترئة….

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جلـ ... منار

إنه الغاز.. يا غبي!

نشرت

في

“إنه الاقتصاد يا غبي” !

كان ذلك شعارا انتخابيا صاغته حملة المرشح الديمقراطي “بيل كلينتون” في الانتخابات الرئاسية، التي خاضها مطلع تسعينات القرن الماضي، بمواجهة الرئيس الجمهوري “جورج بوش الأب”

عبد الله السنّاوي

أرادت حملة كلينتون أن تركز الانتباه على كساد الاقتصاد وأثره الفادح على مستويات معيشة الأمريكيين.. لا على انفراد الولايات المتحدة بقيادة النظام الدولي بعد تفكيك الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة، التي ترجح كفة الرئيس.
بدا ذلك
الشعار عدوانيا بطريقة غير مألوفة لكنه لعب دورا جوهريا في صعود مرشح شاب نسبيا شبه مغمور سياسيا إلى البيت الأبيض على حساب رئيس عتيد ترأس في وقت سابق الاستخبارات الأمريكية..

“إنه البترول يا غبي”

كان ذلك تعبيرا مرادفا صاغه كتاب ومثقفون عرب، أبرزهم الكاتب الراحل محمود عوض، إثر احتلال العراق عام (2003).
لم يكن مقصودا بذلك التوصيف اللاذع الرئيس الأمريكي “جورج بوش الابن”، الذي قاد بالتضليل السياسي والإعلامي والاستخباراتي تحالفا عسكريا دوليا واسعا أعاد العراق قرونا إلى الوراء.
كان الرئيس الأمريكي ومن معه يعرفون جيدا ما يريدون من غزو العراق فيما انشغل عدد كبير من القادة العرب في التحريض والدعم اللوجيستي لآلة الحرب المدمرة وبعض الكتاب يبشرون بالديمقراطية الآتية مع دبابات الاحتلال!
الحقيقة أن العراق، ومشرق العالم العربي كله، هو المقصود بالتحطيم المنهجي لإعادة بناء الإقليم من جديد، وأن تكون إسرائيل مركز القيادة فيه.

“إنه الغاز.. يا غبي

باستلهام آخر في ظروف جديدة ومختلفة فإن الرئيس الأمريكي الحالي “جو بايدن” يجر العالم إلى النذير النووي، أو أعتاب حرب عالمية ثالثة تفضي إلى تدميره.
الحرب الأوكرانية أفلتت حساباتها العسكرية عن كل قيد وضربت تداعياتها كل بيت بأزمة غذاء فى العالم الثالث وأزمة طاقة بقلب أوروبا.
نحن أمام مأزق مزدوج ينذر بأوضاع مضطربة وأحوال تفلّت تتجاوز بكثير ميدان الحرب والأهداف المباشرة لطرفي القتال في أوكرانيا.
هناك ــ أولا ــ تصعيد عسكري ميداني إلى مستوى يكاد يكون صداما شبه مباشر بين روسيا وحلف يالناتوي، الذي يمد القوات الأوكرانية بترسانات من أحدث الأسلحة وأكثرها تقدما مصحوبة بخبراء ومستشاريين عسكريين وربما قوات قتالية حسب بعض التقارير.
يصعب الآن وصف الحرب الجارية أنها روسية أوكرانية، أو غزو روسي لأوكرانيا على ما دأبت بعض التغطيات الإعلامية.

أدق الأوصاف، التي تلائم الحقائق على الأرض، أنها حرب روسية أطلسية مرشحة للتمدد في الزمن واستنزاف طويل المدى تعاني ويلاته القوى المتحاربة، والعالم كله بأكثر من أي توقع.
تستهدف الولايات المتحدة من ضخ الأموال والسلاح بطريقة شبه مفتوحة في آلة الحرب استنزاف روسيا في المستنقع الأوكراني على ذات السيناريو، الذي حدث في أفغانستان، وأفضى بالنهاية إلى تفكيك الاتحاد السوفييتي نفسه.
السيناريو الأفغاني لا يقاس عليه موضوعيا، فالحقائق الجغرافية والإنسانية تختلف تماما وأغلبية الروس يؤيدون العملية العسكرية فd أوكرانيا.

إذلال روسيا سيناريو آخر مستبعد، وقد حذر من الرهان عليه وزير الخارجية الأمريكي الأشهر “هنري كيسينجر”.
بالمقابل تستهدف موسكو التمركز فيما حققته من توسع ميداني حتى يمكنها تاليا ضم ما تسمىه بالجمهوريات الانفصالية في أوكرانيا باعتبارها روسية وجزءا لا يتجزأ من الوطن الأم ينتمون إليه ويتحدثون لغته.

بموازين القوى الحالية: الحرب غير مرشحة للحسم بأي وقت منظور.

لا الروس مستعدون لأي تراجع بعد الأثمان الباهظة التي دفعوها جراء العقوبات الغربية غير المسبوقة
ولا الأمريكيون جاهزون لتسوية سياسية وإيقاف القتال لأسباب استراتيجية تتعلق بمستقبل النظام الدولي إذا ما خسروا الحرب، كما لأسباب داخلية تتعلق بانتخابات التجديد النصفي لمجلسى الكونغرس في الخريف والانتخابات الرئاسية عام (2024) المرجح أن يخسرها الحزب الديمقراطي.
وهناك ــ ثانيا ــ أزمة الغاز المتفاقمة في قلب القارة الأوروبية جراء توقف موسكو عن إمدادها بالغاز في إجراء يكاد يضاهي بالفعل ورد الفعل ما يحدث في ميادين القتال من اشتباكات سلاح لا تتوقف فيما كل طرف يعلن انتصاره لهز ثقة خصمه في نفسه.

بإلحاح ظاهر حرضت أمريكا على فرض عقوبات مشددة على الغاز الروسي بتحديد سقف لسعره، لا علاقة له بأية قواعد فى الأسواق العالمية للطاقة.
جرى ذلك باسم حرمان موسكو من أية موارد مالية قد تستخدم في تمويل عمليتها العسكرية بأوكرانيا
برد الفعل خفضت روسيا من صادرات الغاز قبل أن تغلق بالكامل خط أنابيب “نورد ستريم1″، الذى يمثل (40%) من الاحتياجات الأوروبية، خاصة ألمانيا وفرنسا، لإيقاع الألم بالاتحاد الأوروبي على التغير الحادث في لغة خطابه من التهدئة المراوغة إلى التصعيد الصريح ضد الكرملين واعتبار الرئيس فلاديمير بوتين غير جدير بالثقة.

بالتصعيد إلى حدود غير مسبوقة في التناحر على مستقبل النظام الدولي يدخل الاتحاد الأوروبي في أزمة شرعية مستحكمة.
إذا ما فشل في مواجهة آثار أزمة الغاز على حياة مواطنيه فإنه قد يتقوض من داخله وتتفلت بعض نظمه عن قراراته باسم احتياجات مواطنيها للغاز.
بقدر كفاءة أي نظام أوروبي على إدارة الأزمة الطاحنة يكتسب شرعيته.
كان لافتا تصاعد دعوات تخزين الغاز في أنحاء أوروبا خشية الآثار الوخيمة للشتاء القاسي الذى يدق أبوابها.
كما كان لافتا أن رئيسة الوزراء البريطانية الجديدة “ليز تراس” وضعت مواجهة أزمة الغاز على رأس أولوياتها على قدم المساواة مع تنشيط الاقتصاد والرعاية الصحية.

تعدلت الأولويات في الدول الأوروبية الكبرى خشية الآثار والعواقب وأخطرها انقطاع الكهرباء، وأن ترتفع أسعار الغاز إلى مستويات قياسية فوق طاقة أي تحمل للمواطن.
كان ذلك نوعا من الانتقام الروسي على سيناريو إذلالها.
بنفس الوقت ترددت دعوات أمريكية وغربية لبناء استراتيجية جديدة تنهي الحاجة الأوروبية للغاز الروسى دون تحسب أننا على أبواب الشتاء، وأنه بلا غاز سوف يكون غير محتمل وقد تترتب عليه اضطرابات اجتماعية واسعة.
هكذا أفلتت الحسابات، أو تكاد.

أفلتت في سباق التسليح وإطالة الحرب لأماد مفتوحة لم تكن متوقعة.
وأفلتت فى النذير النووي، الذي يتهدد محطة “زيبريجيا” بالاتهامات المتبادلة.
الروس يتهمون القوات الأوكرانية بقصف المحطة، والأوكرانيون يعترفون ضمنيا بمسؤوليتهم مطالبين بانسحاب القوات الروسية لضمان أمنها، هكذا بكل وضوح.

هيئة الوكالة الدولية للطاقة الذرية دخلت المحطة، ورصدت شواهد الخطر المحدق، دون أن تتهم أحدا بقصف المكان وتعريض العالم إلى كارثة نووية.
وأفلتت في أزمة الحبوب التي كادت تضع دولا عديدة في إفريقيا والعالم العربي تحت مقصلة الجوع قبل أن تخف وطأتها باتفاقية روسية أوكرانية رعتها تركيا.
وأفلتت فى أزمة الغاز، التي روعت أوروبا كما لم يحدث منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.

أكمل القراءة

جلـ ... منار

أطاييب الحياة … هي هذه أيضا !

نشرت

في

إذا سألتني: كيف سأحلّق في عالم من الخير والوفرة؟ سأردّ بلا تردد، وبكثير من الثقة: على جناحي الامتنان والعطاء! يجب أن تكون ممتنا لما بين يديك من خير، حتى ولو كان باقة بصل في ثلاجتك، وكلما امتننت كلما ازددتَ خيرا وازددتَ رغبة في العطاء…

وفاء سلطان

حادثتان أذكرهما كما لو أنهما وقعتا البارحة، أذكرهما كلما واجهني موقف عليّ أن أمتن من خلاله، أو أن أعطي.

في بداية حياتي الأمريكية دعتني صديقة ايرانية إلى حفلة عيد الشكر التي يتصدرها عادة الديك الرومي.بعد الغداء، وددت أن أجامل زوج صديقتي بعد أن أعلن أنه من طبخ الديك، وأشكره من خلال بضع كلمات:(لقد سبق ان تناولت الديك الرومي مرات لا تحصى، ولكن لم أذق طعما أطيب من هذا الديك. ماهي الطريقة التي تطبخه بها؟) … رد بعنجهية: سألني قبلك الكثيرون ورفضت أن أعطي طريقتي لأحد !

ظننته يمزح، فعاودت السؤال.أصر على موقفه: لا أعطيها لأحد!

بعد أكثر من خمسة وعشرين عاما، ومنذ فترة ليست طويلة كنت في مجمع عزّاء، أعزي صديقة لي بوفاة والدها، وإذ بي وجها لوجه مع سعيد !

لم أعرفه في البداية، إذ لم يبق منه إلا الخبث الذي يشع من عينيه. حاربته السنين حتى أنهكته وسلبته محاسن نفسه، قبل أن ينهكه التقدم في العمر. خسر زوجته وأولاده بعد الطلاق، وانتهى وحيدا يعد الملايين في حسابه البنكي، بينما يحترق قهرا من شدة الطمع والبخل!

هل تستطيع أن تتخيل مخلوقا يضنّ عليك بطريقة تحضيره لوجبة طعام،بينما تغص بها الآلاف من كتب الطبخ في أمريكا؟ اذ لم يكن طلبي إلا نوعا من الإمتنان والشكر، وكان أقل ما يعنيني أن أعرفها.

…………

عام 2007 وقعت الحادثة الثانية.

كانت يومها أسعار البيوت في أمريكا قد تضاعفت ثلاث مرات في غضون سنوات قليلة. اشترت زميلة لي بيتا بسعر خيالي، و دعتنا إلى حفل الانتقال إليه.

الحديقة الخلفية كبيرة جدا، وجزء كبير منها يغص بنباتات “قرن الغزال”.

عشرات القرون تشرئب بلونيها الجميلين الأخضر الغامق والفاتح.

لقد رأيت أشكالا كثيرة لهذه النبتة لكنني لم أر أجمل من هذا الشكل.تستطيع أن تدرك من خلال نظرة بسيطة أن الحديقة كانت مهملة، ولم يتم تشذيبها بطريقة دورية، ولذلك نمت القرون بشكل اعتباطي وكثيف.

في نهاية الزيارة التفت إلى زميلتي وطلبت بأدب أن آخذ قرنا منها لأكاثره.

ردت هي الأخرى بطريقة عنجهية: ليس الوقت مناسبا لقلع أي منها، سأعطيك واحدا في الخريف!!

مرّ أكثر من عشرة فصول خريف ولم أرها….لكن في الخريف الذي تلا لقاءنا هذا سقط سوق العقارات في أمريكا وضرب القاع،فهبط سعر البيت إلى أقل من ثلث قيمته.

خسرت ليلى بيتها، فاستولى عليه البنك وطارت معه القرون!!!

القضية هنا ليست قضية بخل وحسب، إنها قضية لؤم وخبث…

إنها قضية أرواح خبيثة وشحيحة، تريد أن تحتكر الكون لها،فراحت تنشد المزيد ولا تعطي…

…………

تحضرني هنا قصيدة “التينة الحمقاء” للشاعر إيليا أبو ماضي،التي وصف فيها شجرة تين توقفت عن الاخضرار والإثمار، كي لا يستمتع أحد بجمالها وثمارها،

فقال على لسان الشجرة:

بئس القضاء الذي في الأرض أوجدني….عندي الجمال وغيري عنده النظر

لأحبسنّ على نفسي عوارفها….فلا يبين لها في غيرها أثر

ولست مثمرة إلا على ثقة….إذ ليس يطرقني طير ولا بشر

ولأنها يبست من شدة اللؤم، انهال الفلاح عليها بفأسه، وحوّلها إلى حزم من الحطب.ثم يختم شاعرنا المبدع قصيدته ببيت القصيد:

من ليس يسخو كما تسخو الحياة به……فإنه أحمق بالحرص ينتحر

لقد انتحر سعيد انسانيّا، وانتحرت معه ليلى!!!

كلما حرصتَ على ماتملك شحّ وتلاشى، وشحّت معه روحك.بينما كلما قبلت أن تكون معبرا له، ومن ثم مصبّا، ازداد نبعك غزارة ودفقا!

عندما يفتح الكون يده عليك أن تفتح يدك، وإلاّ سيشحّ ضخه،وكلما ازدادت يدك رحابة ازداد هو دفقا!

…………

كما تعلمت من أخطاء غيري، تعلمت أيضا من أخطائي، إذ لم أكن منزّهة عنها.

كان لنا صديق سوري “بخيل” جدا جدا، وكنا نحن أصدقاءه نروي طرائف عن بخله، ونجعله موضوع ثرثراتنا في أكثر اللقاءات…

عندما اشتريت بيتي الأول عام 1999، دعوت شلة من أصدقائي إلى حفلة الإنتقال إليه، كالعادة في امريكا.جاؤوا محملين بالهدايا….

دخل سليم وفي يده قدر صغير بحجم فنجان الشاي، وفيه شجيرة صغيرة،طولها عدة سنتميترات.ناولني اياها وهو يقول: أعرفك تحبين النباتات، فاخترتها لك كهدية!

كانت حديقة البيت مهندسة بطريقة فنية للغاية، إذ كان البيت نموذجا مصمما ليكون دعاية لشركة البناء، ومما يطلقون عليهThe model لم يكن في الحديقة شبر من الفراغ كي أزرع فيه الشجيرة، فرحت استهزئ أمام الأصدقاء وأتمسخر معهم على هدية سليم، حتى نسيت مع الأيام مافعلته بها.

بعد حوالي عامين حشرت نفسي داخل حرش من أحراش الحديقة، ورحت أقلّم بعض الأغصان، وأتخلص من كثافتها التي حجبت الكثير من الأزهار والورود. وإذ بي ألمح بين تلك الأحراش شجيرة صغيرة طولها أكثر من قدم، تبدو أوراقها جميلة جدا تلمع تحت أشعة الشمس، وكأنها مدهونة بالزيت.أمعنت النظر فيها حتى تأكدت أنها شجيرة سليم…

بعد حوالي خمسة عشر عاما، اشرأبت تلك الشجرة حتى تجاوزت سقف الطابق الثاني، وغطت بغصونها الجميلة وظلالها الوافرة الحديقة الخلفية بكاملها.

عندما عرضنا البيت للبيع، دخل المشتري الجديد على الحديقة ووقف مذهولا أمام تلك الشجرة، ثم قال:هنا سأقضي معظم أيامي بعد أن أتقاعد. ستكون هذه الشجرة صديقتي!

بالمناسبة، بعنا البيت بمبلغ ثلاثين ألف دولارا زيادة عن السعر المطلوب، لأن الشاري تنافس مع ثلاثة عروض اخرى…وربّما كانت شجرة سليم “حبة البركة” التي كسبناها فوق الكعكة….

اليوم وكلما تذكرت سليم، أرسل له بطاقات حب وتيارات من طاقات ايجابية، وأتمنى له طول العمر وسعادته…..ثم أغطي وجهي خجلا منه ومن نفسي!!!

لقد تعلمت من تجربتي معه أن زيارة أي انسان هي أعظم هدية يقدمها لي،وخطوته داخل عتبتي هي جلّ ما يسعدني.

باختصار كل إنسان يزورني يباركني…لا لأنني مكتفية ماديا، بل لأنني مشبعة روحانيا ومنتشية إنسانيا.وتعلمت أيضا أن أمتنّ لباقة بصل في ثلاجتي، فأنحني إجلالا وتقديرا لجهود الفلاح الذي زرعها وقطفها!

بناء على ذلك، غصّت ثلاجتي وعبقت حياتي بكل طيوبها….

أكمل القراءة

جلـ ... منار

إيران وتركيا ونحن.. الاستدارة الاستراتيجية حولنا

نشرت

في

تكاد تحولات عميقة تضرب بنية الإقليم، الذي نحيا فيه وترتبط مصائرنا به، دون أن ننتبه بما هو كاف وضروري لما يحدث حولنا ويؤثر في أوضاعنا ومستقبلنا.

عبد الله السنّاوي

نحن أمام استدارة استراتيجية متزامنة لقطبين إقليميين كبيرين، إيران وتركيا، تختلف في حساباتها عما جرت عليه الأمور بعد احتلال العراق قبل نحو عقدين.
عند سقوط بغداد نشأ فراغ استراتيجي في المشرق العربي ضرب الأمن القومي في صميم أدواره.
بطبائع الأمور فإن
التاريخ لا يعرف الفراغ.
تقدمت إيران وتركيا لملء الفراغ الإقليمي في ذلك البلد العربي الجوهري بطريقتين مختلفتين.
كان الدور الإيراني أكثر حضورا عسكريا وسياسيا عبر تحالفات وأدوار خشنة لتأمين ما تعتقد أنه خطر مستقبلي محتمل على أمنها ومصالحها.. اتسع نطاق نفوذها في أكثر من بلد عربي دون أن تؤسس لأوضاع استقرار يعول عليها واستقطبت عداوات لا يستهان بها.

بقوة الحقائق التي قد تستجد بعد الإحياء المرجح للاتفاق النووي فإنها سوف تجد نفسها مدعوة لفتح صفحة جديدة مع العالم العربي فيما يشبه الاستدارة الاستراتيجية.
المقاربات سوف تختلف في الأزمات التي تتداخل فيها، دون تخل عن تصورها لمصالحها الأساسية في أية تسويات مقبلة.
التهدئة بقدر ما هو متاح وممكن، عنوان إيراني رئيسي مع اللاعبين الإقليميين الآخرين.

تركيا مدخلا ومصر ودول الخليج أساسا دون تخفيض سقف الصراع مع إسرائيل، لأنه إذا ما جرى أي تراجع جوهري في مستوى ذلك الصراع، بمساومة أو أخرى، بضغط أو آخر، تخسر أهم أوراقها الإقليمية بالنظر إلى ما تحوزه القضية الفلسطينية الجريحة من شعبية حقيقية في الشارع العربي.
يتعين ــ هنا ــ الالتفات إلى مناورات ومقايضات ربع الساعة الأخيرة قبل إعلان التوصل إلى إحياء الاتفاق النووي حيث إسرائيل طرف رئيسي فيها بالتحريض المباشر على طهران.

لا توجد نقاط خلاف حقيقية حول الاتفاق نفسه، فنحن أمام عملية إحياء لا عملية إنشاء اتفاق جديد.
الخلاف كله حول ما يلحق إحياء الاتفاق من تداعيات، مستقبل المشروع الصاروخي الإيراني وأدوارها الإقليمية وألا يكون بوسعها مستقبلا إنتاج سلاح نووي، حتى إذا تحللت الولايات المتحدة من الاتفاق ومزقته مرة ثانية بعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية المقبلة عام (2024).

تحاول إسرائيل حصد أكبر مكاسب ممكنة بالاستثمار في التراجع الفادح لشعبية الرئيس الأمريكي “جو بايدن” قبل الانتخابات التشريعية المقبلة المرجح أن يخسرها حزبه الديمقراطي.
بصورة أو أخرى فإن بايدن المأزوم داخليا والمستنزف استراتيجيا في الحرب الأوكرانية يحتاج إلى إنجاز سياسي خارجي يلتزم ببرنامجه الانتخابي ويرضي بالوقت نفسه الحلفاء الأوروبيين دون أن يبدو أنه قد خضع للإيرانيين في نهاية مفاوضات غير مباشرة على مدى ما يقارب العام.

بالمقابل فإن الإيرانيين حريصون على إثبات أنهم حصدوا تنازلات جوهرية من الولايات المتحدة، والتأكيد على أنهم لم يتوقفوا طويلا أمام تصنيف “الحرس الثورى” في خانة الجماعات الإرهابية، لأنه لم يكن من خطوطهم الحمراء.
إنها معركة الصورة، صورة الإدارة الأمريكية قبل انتخابات الخريف وصورة النظام الإيراني في عين شعبه وأنصاره.
في أية استدارة استراتيجية متوقعة إثر إحياء الاتفاق النووي تطرح الأسئلة الكبرى نفسها على جدول أعمال الإقليم

ـ أين الأولوية: للداخل الإيراني وتحسين أحواله المعيشية من فوائض النفط والأموال المجمدة أم لرفع منسوب أدوارها الإقليمية؟
بالنظر إلى الاضطرابات الاجتماعية التي تنشأ من وقت لآخر فالأغلب أن تكون الأولوية للداخل المنهك بأثر العقوبات دون تخفيض كبير في مستوى أدوارها الإقليمية.

ـ ما فرص إنهاء المحنة المأساوية اليمنية بتفاهم سعودي إيراني؟
هناك مفاوضات جارية تقول التسريبات إنها توصلت إلى اختراقات يعتد بها دون أن تعلن تفاصيلها انتظارا إلى إحياء الاتفاق النووي.ـ

ـ ما الذي قد يستجد على الساحة السورية التي تطاحنت فوق أراضيها مصالح واستراتيجيات وقوى دولية وإقليمية؟
السؤال السوري بذاته يلفت النظر إلى الطرف الإقليمي المضاد على مسارح صراعاته، اللاعب التركي، الذي أقدم على استدارة استراتيجية لافتة في الأيام الأخيرة بالانفتاح على النظام السورى برعاية روسية وقبول إيراني وغياب عربي.
أخذت أنقرة وقتا طويلا لتكتشف أن انخراطها في الأزمة السورية بالتسليح والتدريب والتمويل لجماعات عنف وإرهاب قوض من شعبية الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالانشقاقات داخل حزبه والانتقادات المتصاعدة من معارضيه.

عندما تقدمت تركيا لملء الفراغ الاستراتيجي بعد سقوط بغداد عبرت عن نفسها بقوة نموذجها في الحكم ومعدلات الإنجاز الاقتصادي والاجتماعي فى السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين.
في ذلك الوقت قيل على نطاق واسع إن القرن الجديد سوف يكون تركيّا في الشرق الأوسط، غير أنه تقوض بصورة مزرية، الليرة التركية انهارت والبلد كله وجد نفسه مدفوعا بأفكار “العثمانية الجديدة” إلى منزلقات استنزفت دوره الإقليمي واحترامه فى محيطه.
باسم حماية الأمن القومي تورط الأتراك إلى حدود بعيدة في المستنقع السوري.. ودخلوا في مواجهات عسكرية لا نهائية مع الأكراد المتمركزين على الحدود المجاورة بالعراق.
وباسم العثمانية الجديدة أقحموا أنفسهم في صدامات مفتوحة مع دول عربية كمصر والخليج على خلفية الموقف المتناقض من جماعة “الإخوان المسلمين”.

المراجعات التركية بدأت فعليا بعد فشل الانقلاب العسكري على أردوغان عند منتصف عام (2016).
بدأ التحلل التدريجي مع الجماعة والاقتراب الحثيث من مصر والخليج.
الآن القواعد تكاد تختلف تماما باستدارة استراتيجية شبه كاملة حيث تتبدى احتمالات لقاء قريب بين الرئيسين التركي والسوري لبدء صفحة جديدة تنتقل بمقتضاها العلاقات من “العداء المطلق” إلى “التفاهم الممكن”.
لا يمكن تخيل حل الأزمات المتراكمة بضغطة زر، الجديد والمهم أن المقاربات اختلفت.

بنظرة أوسع فإن تركيا تحاول الاستثمار إلى أبعد نقطة ممكنة في الحرب الأوكرانية.
نجحت في التمركز بين القطبين الأمريكي والروسي.
بحكم عضويتها في حلف “الناتو” فهي طرف رئيسي مفترض بالحرب الأوكرانية.
وبحكم موقعها الجغرافي بالقرب من الحدود الروسية فهي معنية بألا تفلت الأمور إلى حدود تضرب مصالحها وأمن مواطنيها وتمد خطوط التفاهم مع موسكو.

باسم أنها الوسيط الأكثر مقبولية فى أية مفاوضات مقبلة لتسوية الأزمة الأوكرانية أدارت التوازنات المعقدة.
نجحت فى إنهاء أزمة تصدير الحبوب الأوكرانية بمفاوضات جرت فى إسطنبول شاركت فيها الأمم المتحدة.
قايضت بالوقت نفسه الناتو على انضمام السويد وفنلندا إلى عضويته بشروط ترى أنها تدخل في صميم أمنها القومى، قاصدة مباشرة الأكراد على حدودها.
لم تتردد أن يحضر رئيسها قمة في طهران ضمته إلى الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والإيراني إبراهيم رئيسي بتوقيت متزامن مع القمة الأمريكية العربية في جدة.
وظفت التوازنات لتعظيم نفوذها الإقليمي، لكنه ظل معلقا في الهواء إلى حين أن يستقر على أرض في الأزمة السورية بالذات والخصوص.

فيما أبدت أنقرة استعدادها للانفتاح على دمشق وجهت ببراغماتية زائدة رسالة مضادة تطمئن إسرائيل بإعلان إعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة معها.

في الاستدارة الاستراتيجية الماثلة فرص وتحديات وكمائن وتساؤل يطرح نفسه: أين نحن من ذلك كله؟!

أكمل القراءة

صن نار