تابعنا على

جور نار

حتّى الكرامة أصبحت بمكيالين

نشرت

في

عبد الكبير حول وصول شاحنات غذائية كمنحة لتونس من حكومة دبيبة الليبية: "هي  بادرة اعتراف بالجميل..." - أنباء تونس

قامت الدنيا ولم تقعد على تلك الشاحنات التي اطلّت علينا من الشقيقة ليبيا محمّلة بلست ادري ماذا من معونات … وبقدر ما اتفهم الم الصادقين مع تونسهم ونحن الذين تحوّلنا من زمن كنا نؤوي فيه الاصدقاء والاشقاء في بلدنا فنطعمهم من جوع ونسكنهم من خوف ..الى زمن التسوّل على الاخرين وهنا بيت القصيد …

عبد الكريم قطاطة

التسوّل ومهما كانت علاقتنا مع الاشقاء وخاصة الاصدقاء فيه مذلّة وفيه (تخربيشلت لكرامتنا) واذا كان الجار للجار رحمة واذا كنّا الصدر الحنون لاشقائنا الليبين ذات سنة، فانه من الطبيعي بعد ان جار علينا الجائرون والظالمون والفاشلون ان يردّوا البعض من الجميل …وحتى ان كانت نوايا الدبيبة وحاشيته تسجيل نقاط سياسية وهذا في عرف الانتهازية السياسية امر متوقع، فانّ نفس هذه الانتهازية السياسية يوم احتضنّا اشقاءنا الليبين وآويناهم كانت موجودة ..

الم يسمح المرحوم قائد السبسي بتسريب الاسلحة بشكل مواز لليبيا …استغرابي فقط مأتاه من بعض انتهازي السياسة او بعض النخب الذين اقاموا الدنيا عند ظهور تلك الشاحنات الليبية وهي تتبختر في اجوائنا الارضية حاملة المعونة لجيرانهم في هذا الزمن الاعرج واعتبار ذلك مسّا من كرامتنا ..اين هؤلاء عندما تدفقت على العديد من انتهازيي السياسة المليارات بل آلاف المليارات من قطر وتركيا لشدّ ازر من يمثلهم اي امراؤهم في تونس ؟؟

لم نسمع لهم ضجيجا ولا استنكارا ..اين الكرامة انذاك ؟؟ ثمّ الم تكن تلك المليارات المهربة سببا في التدمير والخراب الذي اوصلنا اليوم الى شريحة المتسولين ؟؟ من حقّ الوطني الصادق ان يكتب عن شعوره بالمذلّة عندما يرى بلده يمد يدا من فصيلة (يا كريم متاع الله) للّي يسوى واللي ما يسواش ..وعلى الاخرين الذين تمتّعوا بشاحنات جوية وبنكية من المليارات الخليجية ان “يبلّعوا” (وعذرا على هذه الكلمة البذيئة لانّها وحدها الكفيلة بالردّ على قوم الاجرام والبذاءة) ..نحن في عصرٍ المستضعفون فيه كثيرون والطواغيت الجبابرة قلّة …

ورغم هذا للتباين عدديا بين الفئتين لسائل ان يسأل “من ذا الذي يُخضع الكثرة للقلّة ؟” ان ما يُخضعها ضعف الروح وسقوط الهمة وقلة النخوة والتنازل عن الكرامة . …وفي كلّ الحالات ثمن الحرية والكرامة فادح ولكن ثمن الذلّ والمهانة افدح ..

نحن الان وبكلّ الم الدنيا في زمن لا نملك فيه مقومات الكرامة .. لان وجودها يقتضي وجود عقل جاد وسليم ..فهل لنا في جلّ سياسيينا عقل جادّ وسليم .؟؟

19 جانفي 2023 ..

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

هل رجع الإخوان إلى العمل السري؟

نشرت

في

الإخوان المسلمون' أم 'اللاجئون' | النهار العربي

يقظة الشعب ضرورية. ربما لأن منظومة الاخوان التي بدات تلفظ أنفاسها في آخر معقل لها بالبلاد وفي ظل ظروف ايقافات قانونية و تعافٍ متواصل للمنظومة القضائية التي بدأت تتناول تحقيقاتها و اصدار احكامها مهما كانت صفة المتقاضي وشعور متواصل بأنها نفضت عنها ادران عشرية مظلمة ذاق خلالها الشعب امرّ فترة في تاريخه ..

محمد الزمزاري Mohamed Zemzari
محمد الزمزاري

وفعلا فإن اصدار بعض الأحكام خلال الفترة الأخيرة و فتح بعض الملفات الحارقة و وقوف جميع المتقاضين على خشبة واحدة مهما كانت انتماءاتهم السياسية وبروح واضحة المعالم في تناول ملفات كم نادى بتناولها الوطنيون و القوى التقدمية … كما نادى بذلك حتى عامة الشعب المقهور في قوته اليومي جراء ائتلاف ضمني بين المافيا المالية من اباطرة السماسرة و المزودين و رؤوس الأموال اللاوطنيين من ناحية و من ناحية أخرى المافيا السياسوية بمختلف الأوزان و والمنظومات منها من تحاول اجتناب لفظ أنفاسها و أخرى دفنت مبادىء كم كانت تركب عليها …و ثالثة اضجرتها التفاصيل الأولى لبناء ديمقراطية شعبية لا تعتمد على المال الفاسد و التدخل الأجنبي وحقق الطماطم و ارطال المكرونة التي تستغل بها فقر الشعب المسكين …

لقد تم اكتشاف مناشير قد تكون تدعو إلى الفتنة في عدد من الأماكن و لا لزوم لذكرها لكن المثلج للصدر ان السلطات الأمنية الوطنية كشفت اللثام بسرعة ..إن أوضاع وزمن و امكنة وعقلية هذا الشعب لم تعد اليوم أرضية للايدي القذرة التي حاولت سابقا عملها السري الإخواني…وعلى الشعب في كل مكان بالبلاد وخاصة القوى التقدمية (الصحيحة و ليست المزيفة التي تحلم برجوع الاخوان عسى أن تظفر بفتات المائدة) قلنا على القوى التقدمية الفصل بين المعارضة و بين بيع وطن.ولْتقلعْ عن عقلية الانتهازية و الوصولية والحزبية التي تغمر الفكر الحالي لنخبة كم علق عليها الوطنيون امالا في ترسيخ توازنات بين المعارضة الصادقة و السلطة، و رسم قواعد امال لخلق ديمقراطية فعلية بتونس

أكمل القراءة

جور نار

26 جانفي 78 هو خميس أسود …نعم …فماذا عن 26 جانفي 23 ؟

نشرت

في

في ذاكرة كلّ من عاصر ما حدث في 26 جانفي 1978 اشياء لا تُنسى .. وقد نختلف في توصيفها ..

عبد الكريم قطاطة

فمنّا من يعتبرها هبّة جماهيرية خالدة احتجاجا على الاوضاع السياسية والاجتماعية انذاك ..ومنا من يراها من زاوية تعنّت الحاكمين انذاك وجريمة استعمال الرصاص الحيّ ضدّ ابناء الشعب العزّل بقيادة شقّ يتراسه عبد الله فرحات خلفا للطاهر بلخوجة المعزول والذي كان وزيرا للداخلية والمعروف في تلك الفترة بميله للحوار ونبذه للتصلّب ..علاوة على تعيين زين العابدين بن علي كرجل امن قويّ خصّيصا للاحداث تلك كمدير عام للامن الوطني وبمعاضدة ميليشيات الحزب انذاك التي يقودها محمد الصياح …

ومنا أيضا من اعتبر ما حدث في 26 جانفي 78 اوّل انشقاق بين الحزب الحاكم انذاك والاتحاد العام التونسي للشغل رغم انّ بداية الانشقاق الفعلي كان في 6 جانفي 77 باعلان كاتبه العام انذاك الحبيب عاشور الانسلاخ عن الحزب الدستوري واستقالته منه ..وهو ما يعني ولاوّل مرّة فكّ الارتباط العضوي بين اتحاد الشغل والنظام منذ مؤتمر الحزب بصفاقس في 15 نوفمبر 1955 …

في جانفي 78 عايشتُ تلك الاحداث ..كنت تلك السنة طالبا بفرنسا في سنتي الثانية لكن صادف ان كانت فترة 26 جانفي عطلة دراسية . .وكشاب متحمّس لقضايا بلدي وجدتني كمساهم بالحضور حتى لا ادّعي ايّة بطولة مع جملة من زملائي في اذاعة صفاقس في دار الاتحاد الجهوي بصفاقس ..هنالك كانت اذاعة داخلية تعمل لتمدّ الانهج المتاخمة لدار الاتحاد وعبر مكبّرات الصوت بآخر اخبار التحركات النقابية والجماهيرية بالبلاد ..

كانت النخوة جماعية ..وكان ما كان ..مواجهات بين ابناء الشعب والجيش والامن ..وكان الرصاص الحيّ يلعلع ..وكان عدد الضحايا يزداد بين الساعة والاخرى ولئن ذهبت الاخبار الرسمية انذاك الى انّ عدد القتلى لم يتجاوز 52 قتيلا في ذلك اليوم فانّ عديد المصادر تؤكّد ان الرقم وصل الى 400 قتيل .امّا الجرحى فكان عددهم بالآلاف ….وكانت الاعتقالات ..وكانت المحاكمات .. وكان فعلا خميسا اسود وبكلّ المقاسات ..

الان وبعد 45 سنة من ذلك الحدث الدرامي هل استخلصنا العبر مما حدث ؟؟ في تقديري لا اظنّ ..لانّ مثل ذلك الحدث تكرّر مرّات ومرّات …ولانّ الشهداء سقطوا مرّات ومرّات ..ولانّه وعلى امتداد عقود من الزمن عشنا ايّاما سوداء والضحايا فيها هم الغلابة وابناء الشعب بينما تواصل نعيم السياسيين وامنهم وامانهم …هل وقعت محاكمة من اجرم في حقّ الشعب …؟؟…

في جانفي 2011 كان من المفروض محاكمة من حكمونا الذين اجرموا في حقّ البلاد ..ولو محاكمة معنوية لانّ جلّهم غادروا الحياة الدنيا . لكن ما حدث كان تصفية حسابات وظُلم فيها العديد ممن خدموا البلاد بكلّ نزاهة وكفاءة . لانّه من غير المعقول ان نعتبر كلّ من كان في مسؤولية ما في نظام سابق هو مجرم ..بل الادهى والامرّ انّ هنالك من جاء بعد 14 جانفي هم اكثر وسخا واجراما ودون كفاءة تُذكر ..وماذا عمّن حكمونا بعد 14 جانفي 2011 ؟؟؟ الم يجرم العديد منهم في حق البلاد والعباد ؟؟

لا للتشفّي لا للظلم ..لا للحسابات السياسية ولكن نعم لمحاكمة عادلة تنصف المظلومين وتُعيد العدل لصولجانه وتعيدنا جميعا للصراط المستقيم …دون ذلك قد ياتي خميس اسود اخر وجمعة سوداء وايام سوداء ..لانّ من لا يستفيد من التاريخ نظرا وتحقيقا …لن يرحمه التاريخ وسيُعيد التاريخ نفسه وفي شكل مأساة ..

26 جانفي 2023

أكمل القراءة

جور نار

عندما تنهار كفاءاتنا باكية ولكنها ترفض مغادرة الوطن

نقل لحوار تلفزي مع الجرّاح الجزائري لطفي بوبْلاطة

نشرت

في

تنبيه أوّلي: من تُرهقه القراءة، بإمكانه المرور مباشرة إلى مشاهدة الحوار كاملا على الفيديو آخر النص، ففيه متعة وامتلاء.

سأحاول في هذه الورقة تلخيص حوار شيّق وبنّاء ومؤثّر أُجري السنة الماضية مع البروفيسّور الجزائري لطفي بُوبْلاطة المختص في جراحة قاعدة المخ والأعصاب (رئيس قسم جراحة الأعصاب بقسنطينة) بثّته قناة البلاد الجزائريّة ويدوم حوالي ساعة كاملة أتى فيها على منشئه والعوامل الحاسمة في مسيرته وعلاقته بالمرضى وبالوطن وبهجرة الأدمغة.

منصف الخميري Moncef Khemiri
منصف الخميري

وإن التنويه بكفاءة طبية جزائرية شقيقة لا يُنقِص شيئا من قيمة جرّاحين تونسيين على مستوى عال وعالمي من الكفاءة أمثال الدكاترة الأجلاّء عبد الكريم بالطيّب ومنصف الخالدي (رحمهما الله) ومنذر يدعس وحافظ الجمل (لهما موفور السعادة وطول العمر)… وعديدون آخرون لا أعرف أسماءهم، لكن تقصير الإعلام التونسي في حقّ هؤلاء والتعتيم على مُنجزاتهم وعدم إتاحة الفرصة أمامهم للتحدّث إلى ملايين المشاهدين من ناحية، وطبيعة الحوار الذي دار مع بوبْلاطة وتشديده على البعد الوطني والإنساني في عمله من ناحية أخرى جعلاني أتأثّر كمشاهد بهذا الرجل وأحاول أن أسهم في التعريف به واستخلاص الدروس من تجربته.

أهم لحظات الحوار

أنا من مدينة سوق أهراس، القاعدة الشرقية للمقاومة الجزائرية ومدينة القدّيس أغسطس، مدينة أعطت الكثير من المجاهدين والشهداء، بلاد رجل المسرح مصطفى كاتب (إبن عم كاتب ياسين) ووردة الجزائرية ومحمد الشريف مساعدية (إضافتي: مدينة سوق أهراس لا تبعد أكثر من 100 كلم عن مدينتي الكاف وجندوبة على الحدود الغربية، لذلك يقول أثناء الحوار “جيت مالحدود متاع تونس”)، لي 7 إخوة ووالدي كان معلّما وساعدنا كثيرا هو ووالدتي المقرّبة منا جدا كأنها صديقة لا أمّ فحسب، على النجاح في دراستنا. والدي “دارْ الخير” في أولاد الناس، لذلك ربّي دارْ الخير في أولادو !

نعم، كنت من المتفوّقين في دراستي إلى غاية الباكالوريا ولم أفكر يوما في حياتي أن أتابع دراستي الجامعية بشعبة الطبّ… كنت أحلم دائما بأن أصبح طيّارا حربيّا. معدلي الحسابي بين الفيزياء والرياضيات والعلوم الطبيعية كان حوالي 18 لكنني لم أرغب مطلقا في دراسة الطب. ذهبتُ إلى عنّابة مع مجموعة من الأقران وأعلمونا هناك بأن كل الذين تحصلوا على معدّلات أرفع من 16/20 يُمكَّنون آليا من اختيارهم الأول. واكتشفت حينها أن طريق الوصول إلى مهنة الطيار الحربي عملية معقّدة جدا وتستوجب المرور بالمؤسسة العسكرية… وبحكم أن أغلب أصدقائي قاموا بتعمير شعبة الطب، فقد اخترت الطب…هكذا بدون اقتناع كبير…ومن هنا بدأت المغامرة.

درست السنوات السبع الأولى في عنّابة، وأذكر أنني تحصلت في الثلاثي الأول على معدل 10.58، وهو أدنى معدّل تحصلت عليه في حياتي. صُدمت كثيرا فحزمت حقيبتي وعدت إلى عائلتي مُعلنا أنني قررت التخلي عن دراسة الطب التي لم أحلم بها يوما بل بدراسة الطيران. في هذه اللحظة الفاصلة من حياتي، يتدخّل أستاذي “سي العوّادي” الذي كان يدرّسنا مادة الفيزياء سنة الباكالوريا، طلب منّي أن أرافقه إلى بيته وأدخلني مكتبته التي وجدتُ بها كل الكتب والمراجع التي كنت أسمع بها في سنتي الأولى طب ولم أعثر عليها، حملتها معي واستثمرت وقتا طويلا في مراجعتها وعدت إلى عنابة لأتحصل على معدل 15 ثم 16 في الثلاثي الثاني والثالث.

حدثان فارقان طبَعا ذاكرتي وأنا مازلت طالبا صغيرا :

أولا : في السنة الرابعة طب عندما بدأنا دراسة “الوحدات”، أول وحدة كانت الجراحة. ذات يوم كنت مُبكِّرا كعادتي، اعترضني مدير الوحدة وأنا أتمشّى في معبر المستشفى فنهرني صائحا وقال لي “تجوب المعابر، إذن تهيّأ لإعادة هذه الوحدة” (إلهي يا فتّاح يا رزّاق… أية عنجهية هذه ؟). في الأسبوع الموالي كان رئيس القسم بروفيسور شرحاوي يؤدي زيارة إلى القسم الذي أتدرّب به، فقمت بتقديم مريض عارضا حالته، أُعجب بي وقال لي “أنت مُعفى من إجراء الامتحان التطبيقي، عددك سيكون 16/20”. وكأنه بذلك يُحقّق نوعا من العدالة السماوية في تلك اللحظة…لأنني كنت صافيا وصادقا فأنصفني الله.

ثانيا : كان اعتنائي الكبير بالدروس النظرية عائقا أمام تعلّم “العلاجات التطبيقية” مثل الحقن وقيس  ضغط الدم … فقصدت ممرضة وعرضت عليها الأمر، فقالت لي “حتى تتعلم ذلك لا بدّ من التّبكير” فسألتها “ماذا تقصدين بذلك” فقالت “أن تأتي على الساعة السادسة صباحا” !  في الغد وعلى تمام الساعة السادسة صباحا كنت بباب القسم الاستشفائي الذي تعمل به هذه الممرضة. وبقيتُ أنتظر هناك إلى غاية الساعة الثامنة. أتت الممرضة وفوجئتْ بوجودي هناك فانهمرت ضحكا وتبنّتني من يومها كأنني واحد من أبنائها لأتعلّم على مدى ثلاثة أشهر كل العمليات العلاجية وخدمات التمريض.

كنت مترددا بين جراحة المخ واختصاص الانعاش الذي أعتبره العمود الفقري للطب

استقبلني في هانوفر بألمانيا البروفيسور الإيراني- الألماني مجيد سميع وهو من القامات العالمية في هذا الاختصاص الطبي الجراحي الدقيق. كان تصوّر هذا الطبيب أن التدرب لديه لا يمكن أن يقلّ عن ستّة أشهر لأنه كانت لديه فكرة أن الجزائر لا تقاليد أو تجربة لها في المجال. سافرت الى هناك، لكنني تعلمت كل شيء في أسبوعين فقط لأن سميع مكّنني من الأرشيف المُصوّر الذي يتضمّن كل العمليات التي قام بها. ساعدني كثيرا هذا التربّص والتقنيات المُستخدمة هناك، حتى أنه ولما عدت إلى الجزائر، أجرينا 260 عملية جراحية مجهريّة على مرضى جزائريين وتوصلنا الى نفس النتائج تماما كما في ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية.

4 أو 5 عمليات جراحية في الأسبوع، 250 عملية في السنة على امتداد 21 سنة أي ما يعدل 5000 تدخل جراحي إلى حدّ الآن.

كنت أكرّر أمام طلبتي ومساعديّ دائما أن جراحة المخ والأعصاب فيها سرّ ما، وهو نفس السرّ الذي تتأسّس عليه علاقتك بالمرأة بصفة عامة إن كانت أمك أو أختك أو زوجتك أو ابنتك، إذا حصل لديها الاقتناع التامّ بأنك تحبّها، فهي تعطيك كل شيء. يجب أن تكون علاقتك بالمرضى خاصة جدا بحيث يحدث أن تجد فريقك يبكي مريضا من شدّة الانفعال والحرص على حالته.

هل يحدث أن تبكي أمام حالة مريض ؟

“نعم، موش مرة موش زوج”. سأقول لك سرّا، لماذا لم نغادر البلاد نحو الخارج ؟ علاقتنا بالمرضى هي علاقة وطن وشعب واحد، عندما يأتيك شخص صحبة ابنه أو زوجته أو حتى هو بورم في المخ، هذا المواطن يكون أمامه أنت والله فقط.

لحظة تأثر قصوى يتوقّف بموجبها الحوار.

أمام هكذا وضع، أنت مضطر للبقاء بالجزائر وما عندك فين تروح. أنا أقول “لن تتميز إلا هنا في الجزائر وأتحدى أيّا كان يقول انه باستطاعته الذهاب الى الخارج ويكون بوسعه أن يفعل ما يريد”.

هل تعرف بأن الكفاءات والخبرات في العالم اليوم لم تعد بحاجة إلى إرسال سيرة ذاتية للحصول على مركز عمل في مؤسسة بحثية أو شغليّة ما، بل يكفي التنصيص على العنوان الالكتروني والاختصاص حتى يعرف العالم مباشرة قيمتك ومكانتك “آش تسْوى”، وذلك بواسطة مؤشر “ه” Le h index sur google scholar الذي يقيس أثر المنشورات العلمية لشخص معين ويأخذ بعين الاعتبار عددها ومدى تكرّر الاستشهاد بها كمراجع. وبناءً على هذا المؤشر، يمكنك أن تفاوض أجرك الذي لا يمكن أن يقلّ (في حالتي أنا على سبيل المثال) عن 25000 ألف يورو شهريا. إذن علاقتنا بالمرضى هي علاقة خاصة جدا كما ذكرت آنفا كأنها علاقتك بأمك أو ابنك.

وما هو موقع فلسطين من كل هذا ؟

أنا أمين عام جمعية جراحي الأعصاب لدول البحر الأبيض المتوسط، وفي هذه التسمية قصة كبيرة، لأننا فرضنا ألآ تكون فيديرالية تضم كل جمعيات المتوسط (بما فيها جمعية فلسطين المحتلة التي اسمها إسرائيل) بل أن تكون التمثيلية للأشخاص الجراحين (بأسمائهم الفرديّة) وليس للجمعيات بمسمّيات دولها. ليست لديّ شخصيا أية مشاكل مع اليهود كديانة ولكن عندما يتعلّق الأمر بإسرائيليين، لا يمكن أن لا نستحضر فلسطين.

لطفي بُوبْلاطة، من بين أفضل 10 جراحين في العالم في اختصاص جراحة قاعدة المخ والأعصاب

معي 4 مساعدين شباب في قسنطينة، لو تضعهم في أكبر مركز لجراحة المخ والأعصاب في العالم سيكونون جاهزين تماما للعمل بدون أية عُقد مقارنة بنظرائهم في دول أخرى.

لكن للأسف ليست لدينا أية محفزات غير الإصرار وهذه العلاقة الخاصة بالمريض. في مستشفياتنا،  لا مكان للراحة، لا مكان للاستحمام، وأجرة الطبيب لا تكفي لأن تشتري هاتفا لائقا…

الطبيب حسب اعتقادي بحاجة إلى شيئين أساسيين اثنين : الاعتبار والكرامة. يجب أن يعيش بكرامة وأن يكون له اعتبار…فقط.

آخر سؤال : ماذا علّمت الحياة لطفي بوبلاطة ؟ (وهو عنوان البرنامج)

علّمتني الحياة أننا لا نستطيع العيش خارج الجزائر، نجاحنا هنا في الجزائر، مُحال ننجح خارج الجزائر، نطلب فقط تحسين ظروف العمل ولا نطلب شيئا آخر.

أكمل القراءة

صن نار