تابعنا على

جور نار

حتّى الكرامة أصبحت بمكيالين

نشرت

في

عبد الكبير حول وصول شاحنات غذائية كمنحة لتونس من حكومة دبيبة الليبية: "هي  بادرة اعتراف بالجميل..." - أنباء تونس

قامت الدنيا ولم تقعد على تلك الشاحنات التي اطلّت علينا من الشقيقة ليبيا محمّلة بلست ادري ماذا من معونات … وبقدر ما اتفهم الم الصادقين مع تونسهم ونحن الذين تحوّلنا من زمن كنا نؤوي فيه الاصدقاء والاشقاء في بلدنا فنطعمهم من جوع ونسكنهم من خوف ..الى زمن التسوّل على الاخرين وهنا بيت القصيد …

عبد الكريم قطاطة

التسوّل ومهما كانت علاقتنا مع الاشقاء وخاصة الاصدقاء فيه مذلّة وفيه (تخربيشلت لكرامتنا) واذا كان الجار للجار رحمة واذا كنّا الصدر الحنون لاشقائنا الليبين ذات سنة، فانه من الطبيعي بعد ان جار علينا الجائرون والظالمون والفاشلون ان يردّوا البعض من الجميل …وحتى ان كانت نوايا الدبيبة وحاشيته تسجيل نقاط سياسية وهذا في عرف الانتهازية السياسية امر متوقع، فانّ نفس هذه الانتهازية السياسية يوم احتضنّا اشقاءنا الليبين وآويناهم كانت موجودة ..

الم يسمح المرحوم قائد السبسي بتسريب الاسلحة بشكل مواز لليبيا …استغرابي فقط مأتاه من بعض انتهازي السياسة او بعض النخب الذين اقاموا الدنيا عند ظهور تلك الشاحنات الليبية وهي تتبختر في اجوائنا الارضية حاملة المعونة لجيرانهم في هذا الزمن الاعرج واعتبار ذلك مسّا من كرامتنا ..اين هؤلاء عندما تدفقت على العديد من انتهازيي السياسة المليارات بل آلاف المليارات من قطر وتركيا لشدّ ازر من يمثلهم اي امراؤهم في تونس ؟؟

لم نسمع لهم ضجيجا ولا استنكارا ..اين الكرامة انذاك ؟؟ ثمّ الم تكن تلك المليارات المهربة سببا في التدمير والخراب الذي اوصلنا اليوم الى شريحة المتسولين ؟؟ من حقّ الوطني الصادق ان يكتب عن شعوره بالمذلّة عندما يرى بلده يمد يدا من فصيلة (يا كريم متاع الله) للّي يسوى واللي ما يسواش ..وعلى الاخرين الذين تمتّعوا بشاحنات جوية وبنكية من المليارات الخليجية ان “يبلّعوا” (وعذرا على هذه الكلمة البذيئة لانّها وحدها الكفيلة بالردّ على قوم الاجرام والبذاءة) ..نحن في عصرٍ المستضعفون فيه كثيرون والطواغيت الجبابرة قلّة …

ورغم هذا للتباين عدديا بين الفئتين لسائل ان يسأل “من ذا الذي يُخضع الكثرة للقلّة ؟” ان ما يُخضعها ضعف الروح وسقوط الهمة وقلة النخوة والتنازل عن الكرامة . …وفي كلّ الحالات ثمن الحرية والكرامة فادح ولكن ثمن الذلّ والمهانة افدح ..

نحن الان وبكلّ الم الدنيا في زمن لا نملك فيه مقومات الكرامة .. لان وجودها يقتضي وجود عقل جاد وسليم ..فهل لنا في جلّ سياسيينا عقل جادّ وسليم .؟؟

19 جانفي 2023 ..

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

لنا في “البيلدونغ” الألماني والدانماركي … ما قد ينفع منظومتنا التربويّة

نشرت

في

منصف الخميري:

أعتقد أنه من بين العيوب الهيكلية التي توارثناها تحت تأثير الفرنكوفونية، يحتل التفكير الأحادي المُنغلق وعدم القدرة على تجاوز النموذج الفرنسي تحديدا مرتبة متقدمة. وكأنهم وضعوا لنا “غمّامات” كتلك التي توضع على عيون خيول السباق “بهدف حصول الحصان على تركيز عالٍ فينصبّ نظره على المضمار وتقلّ الانحرافات البصرية ويكون أداؤه مثاليا” كما تقول القواميس، من أجل أن نظل نُفكّر دوما داخل نفس الصندوق ووفق نفس المقاربات المُعدّة لتهيئة عقولنا و “ديار الخبرة” لدينا كما تُهيّأ الحواسيب.

منصف الخميري Moncef Khemiri

لذلك لم يتسنّ لنا كتونسيين الاطلاع على تجارب المجتمعات الأخرى في كل المجالات تقريبا إلا بمجهودات فردية خارقة …من أدب وفلسفة وعلوم ونظريات في التنمية وأساليب حوكمة اقتصادية وتربوية الخ… 

 فكلنا يعرف هوغو ولامارتين وفولتير ولكن لا أحد تقريبا يعرف الشاعرة والروائية النيكاراغوية كلاريبيل آليغريا أو الأرجنتيني بورخس أو الإفريقية الجنوبية نادين غورديمار. وكلنا يعرف ما قاله بورديو وباسرون في التربية … لكننا لا نعرف الروسي فيغوتسكي ونودينغز الأمريكي والبرازيلي باولو فرار…

في مجال التربية والتعليم تحديدا، مهمة البناء صعبة وعملية إصلاح انحرافات عمليات البناء الأولى أكثر تعقيدا لأنه لا توجد وصفات جاهزة ولا وجود لأنظمة تربوية حققت كل أهدافها و”التربية هي المشكل الأكبر والأصعب الذي يمكن أن نطرحه على الانسانية” كما يقول كانط، ولكن انتهاج المرونة والحرية في تقييم كل ما يحدث في العالم بعد إجراء استقراء موضوعي لما أفرزته مدرستنا من مكاسب ونجاحات علينا أن نُثمّنها ونبني عليها … قد يسمح لنا في المستقبل عدم ارتكاب نفس أخطاء الماضي وترصيد ما حقّقته البشرية من تقدّم في المجال خاصة إذا نحن تخلّينا عن غمّاماتنا وقبلنا النظر في كل الاتجاهات.

في هذا السياق، بدت لي مقاربة البيلدونغ الألمانية مبحثا تربويا مهمّا قد يكون لنا فيها بعض ما يمكن استلهامه لتجاوز المناويل التقليدية ومقاومة المناحي الحديثة التي تُسلعنُ فعل التعليم أكثر مما تؤنسنُ.

البيلدونغ مفهوم مركّب يطرح أسئلة ذات أبعاد سياسية وفلسفية وإيتيقية

مقابل سيطرة التوجّه الاستعمالي الوظيفي وهيمنة الطابع العملي والمنفعي المباشر الغالب على التصور الفلسفي العام الذي يؤثّث الأدبيات الأكثر تداولا في مجال التربية (مثلا ربط التكوين بالتشغيل أو تهيئة الأجيال لضمان الاندماج…)، هنالك نظرة أخرى لا نجد لها أثرا كبيرا في الأدبيات والبحوث المتداولة اليوم.  واختصت بهذه النظرة الفلسفية التربوية المختلفة خاصة ألمانيا والدانمارك من خلال مفهوم la bildung الذي تمّ تطويره بداية القرن 19على يد هيردير وشيلر وفون هامبولت ووصلوه بالنمو الوجداني والأخلاقي والذهني والثقافي وبالتربية والتكوين. 

بين 1840 و 1850 استدعى الدانماركيون هذا المفهوم وابتدعوا الفولك بيلدونغ أي التكوين والتربية لا فقط لفائدة الطبقات الثرية بل كذلك لفائدة الشباب الريفي في بلادهم، بما خلق ديناميكية جديدة جعلت الفقراء يشعرون بنوع من التوقير وردّ الاعتبار وسمح لهذا البلد بالتحول من نظام ملكي شمولي فقير وزراعي، إلى ديمقراطية مزدهرة ومصنّعة.

يرتبط البيلدونغ بالتقليد الألماني في مجال الثقافة الذاتية حيث تترابط التربية مع الفلسفة على قاعدة تأسيس مسار للنضج الشخصي والثقافي في نفس الوقت أو هو “المزج بين التربية والمعارف من أجل الترقّي داخل المجتمع من ناحية، وبين النضج المعنوي والوجداني في نفس الوقت باتجاه  صنع فكر جماعي مع المحافظة على الخصوصية الفردية”.

وهكذا يتبيّن أن مفهوم البيلدونغ له سُمك فلسفي وإيتيقي مهم. وهو كذلك مفهوم حرون لأنه يستعصي على النّقل والترجمة نحو لغات أخرى، فيعطي على سبيل المثال في الفرنسية ترجمات مختلفة ومتباعدة (فلا هو بالتربية أو التعليم أو التكوين أو الثقافة أو التعلّم مدى الحياة أو التكوين الذاتي أو متتالية تعلّم أن …تتعلم أن تكون وتتعلم أن تعيش مع الآخر … بل هو ربما كل ذلك في نفس الوقت). المهم أنه يتعيّن على التربية أن تلعب دورا حاسما في التطور الذكي والمستدام والدّامج والنقدي لأجيال قادرة على إشباع كل حاجياتها رمزيا وماديا.

يُحيلني شخصيا هذا المفهوم على ضرورة أنسنة منظومة التوجيه في بلادنا بما يسمح بالقطع مع المنطق الضمني غير المعلن “دع الانتقاء الطبيعي والاجتماعي يفعل فعله داخل المدرسة وخارجها”، دون اعتبار للواجب الأخلاقي للدولة وللقائمين على التربية تحديدا الذي يتعين تفعيله والمتمثل في ضرورة اضطلاع المدرسة بأداء دورها كاملا في توفير فرص حقيقية لجميع رُوّادها. وهذا ممكن إلى حدّ كبير حتى وإن قدم هؤلاء بأرصدة غير متكافئة.

أُنهي أخيرا بما قاله عالم الانتروبولوجيا والاجتماع الألماني أرنولد غيهلن بأن “الفكرة ليس لها من وقع أو أثر في التاريخ إلا إذا تجسدت في شكل مؤسسات” …وعليه نقول إنه محمول على دولة تعي كل هذه الإشكاليات والرهانات أن تبعث المؤسسات الضرورية لتجسيد ما تتبيّن صحّته ووجاهته في هذه الأفكار… من قبيل جعل مفهوم البيلدونغ – بما هو رؤية تُبجّل توازن الفرد وتحقيق إنسانيته قبل أي اعتبار آخر- مخترقا لكل الوزارات والهياكل المعنية بالتربية والتكوين، ووضع استراتيجية وطنية متوسطة وبعيدة المدى تبني خارطة جديدة للتعلمات والمناهج تواكب العصر وتقلّص من حجم جمهور غير القادرين على امتطاء المصاعد الكهربائية والرقمية المعقّدة بعد تعطل المصعد الاجتماعي التقليدي.

وهذا مُوجزٌ لبعض خاصيات مقاربة البيلدونغ :

البيلدونغ قطار يُبطئ السير في محطات معيّنة لكنه لا يتوقّف : هو مسار للتعلم مدى الحياة ولا يقتصر على التعليم النظامي بل يُدمج التجارب المهارية والبراعات المختلفة ومكتسبات السّفر والقراءة والعمل ضمن النوادي والجمعيات. ويُعطي أهمية للمكتسبات المُجمّعة من خلال التعليم غير النظامي حيث يقوم التلاميذ ببناء بيلدونغهم الخاص (خاصة في الدانمارك) بصورة ذاتية حرة.

البيلدونغ يقطع مع تلقين المعارف وتوزيع العلامات الجزائية على مستحقّيها نحو هضم هذه المعارف بعد تفكيكها وإعادة تركيبها ذاتيا.

البيلدونغ يؤكد على أهمية التعلم الذاتي الذي يُنمّي الفرد بصفته شخصا مستقلا ومسؤولا منذورا لأن يصبح إنسانا مثقفا ومُفكرا وذا سيطرة على مساره ومستقبله وحتى على نمط الفضاء المدرسي الذي يتواجد فيه.

القيم الإنسانية في مقاربة البيلدونغ ركن مثل التسامح والعدالة والمثاقفة والتفكير النقدي (وهي قيم يدوسها الرسميون الألمان اليوم في علاقة بما يحدث في غزة للأسف).

البيلدونغ يجنح إلى تنويع عروض التكوين والتنافذ بين المواد وذلك من خلال إدراج مواد ذات علاقة بالثقافة والتاريخ والفن والفلسفة ضمن البرنامج الدراسي. 

أكمل القراءة

جور نار

تعالوا إلى حيث لا يخجل أحفادنا من تاريخ أجدادهم…

نشرت

في

محمد الأطرش

حرق مقر حزب نداء تونس وسط مدينة تطاوين -

غدا نستقبل الليالي السود…وغدا قد يخرج علينا بعضهم… يهللون ويرقصون…ويفاخرون بما أتوه وأنجزوه…أقول سيخرج علينا هؤلاء وبعض هؤلاء يفاخرون بالحدث الأكبر وبيوم القربان…

محمد الأطرش

ألم يرسلوا “البوعزيزي” مخمورا ـ حسب ما يقوله البعض ـ إلى خالقه بهدف إسقاط بن علي من عرش قرطاج…واليوم وبعد أن احتضن الله بن علي قريبا من الحرمين… يسأل ربّه ليلا نهارا…اليوم وقد مكّن الله بن علي قبل وفاته من فرصة التوبة النصوح قريبا من ديار الأنبياء والرسل…أسأل هؤلاء ومن يولول وراء جحافلهم ماذا كسبتم بربّكم…وماذا كسب الوطن ؟؟؟

 لم أر شيئا مما كنتم تنتظرون…فأوضاع البلاد ساءت عن قديمها…وأكاذيب الوطن غلبت حقائقها…ألم يصبح الظلم والاعتداء حقّا وقانونا…ألم تصبح الحريّة هتكا للأعراض وسبّا وشتيمة…ألم تصبح الرذيلة والغرف المظلمة…والمؤامرات…والسفر إلى السفارات ديمقراطية…ألم يصبح جهل بعضهم حضارة وتاريخا…سيقول بعض هواة الهراء والبصاق على الأرصفة إنه زمن الحريّة والديمقراطية…وسأقول أين هي الحرية…وأين ترون الديمقراطية؟؟ هل رفعنا المظالم أم ضاعفنا عدد من يكتوون بنارها؟؟ هل أنصفنا من ظلمناهم وسلبناهم حرياتهم واتهمناهم بما ليس فيهم وبما لم يأتوه، أم أضفنا أجنحة أخرى إلى سجوننا؟؟ هل مكّنّا العاطلين عن العمل مما خرجوا من أجله يصرخون ويطالبون، أم أرسلناهم طعاما لحوت المتوسط؟؟ هل نسينا الأحقاد أم سقيناها واشعلنا فتيل الفتنة والكراهية والانتقام؟؟

عن أية ديمقراطية تتحدثون؟؟ ديمقراطية الحقد والثأر والانتقام وضرب الخصوم؟؟ أم ديمقراطية نقرأ عنها في الكتب ولا نعرف طعمها ولا رائحتها؟؟ ديمقراطية التفقير والتجويع…أم ديمقراطية الصراخ والهراء…ديمقراطية قبول الآخر ورأي الآخر…أم ديمقراطية رفض الآخر وكتم صوت الآخر والتخلّص من الآخر وعرقلة مسيرة الآخر؟؟ ديمقراطية الثأر ممن سبقونا في الحكم ونجحوا…ديمقراطية “القتل” دون بندقية ودون رصاص…القتل برصاص اليأس والحسرة والندم والإحباط وطول الانتظار…القتل بالتقسيط المريح دون سفك الدماء…أتعتبرون هذه ديمقراطية؟؟؟ أتدرون يا من تجاهرون بصراخكم أن الوجه الحقيقي لما تعيشونه اليوم وبالأمس ومنذ دخول الليالي السود من ذلك الشهر الذي شُهر بالفوضى والغضب، أسوأ من الوجه الذي كنتم تعارضونه وتطالبونه بالتنحّي…أتدرون أن وجعنا اليوم أكثر من ألم الأمس بكثير…

فاليوم وأنت تجوع… قد تذهب إلى فراشك خاوي البطن…فتتقلب يمنة ويسرة بحثا عن نوم هارب من ديمقراطية مزيّفة…وقد تتّهم من بعضهم بالتخطيط للانقلاب لمجرّد أنك انقلبت يمنة تحاول لمس زوجتك ليلا… ويسرة وأنت تحاول جاهدا الفوز بقبلة تعيد الروح إلى التي غلبها النوم وأنساها ما كانت تخطط له وهي تطبخ لك عشاء فاخرا مليئا بتوابل تحيي العظام وهي رميم ؟؟ أتدري أن بعض من يفاخرون بالديمقراطية قد يعتبرون حركتك تلك مشبوهة…وقد يعتبرون تأوهك جوعا، تحريضا على الفوضى وتأليبا للرأي العام…نحن لا نريد ديمقراطية وحرّية تقتلنا جوعا…نحن لا نريد حريّة الصراخ وبطوننا خاوية…نريد ان نفتح أفواهنا لنشبع من جوع…ونفتح افواهنا لنقول ما نريد في ما نريد ومتى نريد دون ان تُغلق أفواهنا بلجام من حديد…فقد نفقد القدرة على الصراخ يوم يشتدّ جوعنا…ونموت…من فرط استهلاكنا للديمقراطية…لا تظلموا التاريخ…فأنتم ولا استثني أحدا بصقتم على التاريخ حقدا…لأنكم لم تكونوا فيه…فعاقبكم حاضركم حين نسيتموه واكتفيتم بالالتفات إلى الوراء…فأنتم تفاخرتم بما ليس في  حاضركم وانتقمتم مما لم تنجزوه…فقليلا من الصمت وتعالوا معا نفكّر كيف نصنع مستقبلا أفضل…للوطن…ولنا جميعا…دون استثناء…

جميعنا ظَلَمْنَا التاريخ وظُلِمْنا منه أيضا…جميعنا حقدنا على بعضنا البعض وانتقمنا من بعضنا البعض…وأقصينا بعضنا البعض…وكتمنا أصوات بعضنا البعض…ولم نفكّر في تبعات ما اتيناه…لا أحد منّا أتى ما أتاه نلسون مانديلا وقال “يكفي حقدا تعالوا إلى حيث نتفق جميعا”…لا أحد منّا فكّر يوما في أن يقترب من الآخر ويعرف الآخر ومحتوى الآخر…اكتفينا بقراءة ما جاء في الغلاف…ولم نفتح لبعضنا وعن بعضنا الكتاب…أيعلم أحدكم أنه في الدانمارك توجد مكتبات لاستعارة الأشخاص عوض الكتب…اشخاص تجالسهم لمدّة ثلاثين دقيقة قد تستمتع…وقد تبكي….وقد تتألم وانت تستمع إلى قصّة حياتهم وما يعيشونه…من هؤلاء من يكون عنوانه في صفحة الغلاف “لاجئ” والآخر “عاطل ومعوز” والآخر “فقير مسكين” هؤلاء لو اعترضوك ما كنت تعرف ما يعانونه…وما كنت تعرف مأساتهم…وما كنت تعرف ما هو مكتوب على صفحاتهم…لأننا اكتفينا كما نكتفي ومنذ دخول الليالي السود بقراءة ما جاء في الغلاف…ولم نفتح الكتاب لنقرأ ما جاء فيه…فحكمنا على بعضنا البعض مما جاء في العنوان وصورة الغلاف ونسينا ان نعرف الحقيقة…كل الحقيقة من داخل الكتاب…هذا المشروع مبتكر ورائع وينشط اليوم في اكثر من خمسين دولة فهلاّ فتحنا مكتبات انسانية للاستماع إلى بعضنا البعض…لمعرفة بعضنا البعض…لقراءة وجع بعضنا البعض…عوض الحكم على بعضنا البعض من خلال غلاف شاحب وعنوان لا حياة فيه…

ختاما أقول ماذا فعلنا بما يسمونها ثورة؟؟ هل كنّا حقّا في حاجة إلى ثورة تُحيي الأحقاد وتشعل فتيل الفتنة والكراهية والتفرقة والانقسام…ألسنا شعبا واحدا لا يصل عددنا إلى من يدخلون القاهرة نهارا…أو من يقطنون شنغهاي في الصين؟؟ أهذا ما نريد ان نتركه ونورثه لأجيالنا القادمة…لأحفادنا…أهذا ما نريد حقّا ان يكتب في كتب التاريخ ليقرأه أحفادنا بعد مئات السنين؟؟ أهذا ما ورثناه نحن من أهلنا الذين قاوموا الاستعمار وتركونا شعبا واحدا يرنو إلى البناء والتشييد والتحديث والخروج من الجهل والخصاصة؟؟ ماذا سيقول أحفادنا غدا حين يعرفون ما أورثناهموه…؟؟

سيكتبون في صفحات كتبهم “لم نرث شيئا أكثر من الخسائر والمآسي والخراب…”، فهل التفتنا حقّا إلى مستقبل البلاد والعباد…لا…هل انشغلنا بالبناء عوض الانشغال بالهدم…لا…هل واصلنا البناء وإعادة الأعمار بعدما حصل في البلاد من دمار…لا…نحن، ولأن منسوب الحقد ارتفع عند بعضنا لم نلتفت لغير الهدم…فمنذ يومنا الأول من مرحلة الليالي السود التي طالت وانقلبت إلى سنوات من السواد لم نفكّر في غير هدم بناء من سبقونا وعدم الاعتراف باي منجز من منجزاتهم…وكأننا لم نعش تحت سقف ذلك البناء…وكأننا لم نصرف العرق والمال من أجل ذلك البناء…انشغلنا بالهدم ونسينا البناء…وأفرطنا في التخريب ونسينا الإصلاح….

حرقنا مراكز الأمن وكأن الأمن ليس أمننا…حرقنا مقرّات الأحزاب ومؤسسات الدولة…وكأنها ليست لنا ولم يبنها أهلنا…نهبنا مؤسساتنا التجارية وكأنها ليست في أرضنا…وشيطنّا ساستنا وكفاءاتنا وعلماءنا واسود امننا وجيشنا وكأنهم ليسوا من أهلنا…وظلمنا الآلاف من بعضنا وكأنهم من أعدائنا…واتهمنا الآلاف من بعضنا بما ليس فيهم فقط لانهم ليسوا من أتباعنا…واليوم ونحن نرى كل هذا الخراب…وكل هذا الظلم وتبعاته…هل بقي لنا ما نهدمه…هل بقي أحد لم نظلمه؟ هل حان الوقت لنستفيق من “سكرة” بعضنا… قبل أن يأخذنا حقدنا نحو حتفنا…ويسقط السقف على رؤوسنا جميعا…تعالوا نعد البناء…مع بعضنا…دون ظلم… دون أحقاد…دون اقصاء… تعالوا إلى حيث يكون “الحبّ” عنوانا لكتابنا…تعالوا ندفن أحقادنا فنحن لا نريد ان يقرا أحفادنا قصيدة نزار “مسافرون”…لا نريدهم أن يقرؤوا ما جاء فيها ولا يعيشوا ما جاء فيها…ولا يكتبوا مثل ما جاء فيها…ألم يقل نزار ذات يوم…

“نركض كالكلاب كل ليلة

من عدن لطنجة

ومن طنجة الى عدن

نبحث عن قبيلة تقبلنا

نبحث عن ستارة تسترنا

وعن سكن

وحولنا أولادنا احدودبت ظهورهم وشاخوا

وهم يفتشون في المعاجم القديمة

عن جنة نضيرة

عن كذبة كبيرة… كبيرة

تدعى الوطن

أسماؤنا لا تشبه الأسماء

فلا الذين يشربون النفط يعرفوننا

ولا الذين يشربون الدمع والشقاء

معتقلون داخل النص الذي يكتبه حكامنا

معتقلون داخل الدين كما فسره إمامنا

معتقلون داخل الحزن…وأحلى ما بنا أحزاننا

مراقبون نحن فى المقهى…وفى البيت

وفى أرحام أمهاتنا

لساننا…مقطوع

ورأسنا…مقطوع

وخبزنا مبلل بالخوف والدموع

إذا تظلمنا إلى حامى الحمى قيل لنا: ممنـــوع

وإذا تضرعنا إلى رب السماء قيل لنا: ممنوع

وإن هتفنا…يا رسول الله كن فى عوننا

يعطوننا تأشيرة من غير ما رجوع

وإن طلبنا قلماً لنكتب القصيدة الأخيرة

أو نكتب الوصية الأخيرة قبيل أن نموت شنقاً

غيروا الموضوع

يا وطني المصلوب فوق حائط الكراهية

يا كرة النار التي تسير نحو الهاوية…”

تعالوا لنكون فقرة جميلة…سعيدة في كتب التاريخ…تعالوا إلى حيث لا يخجل أحفادنا من تاريخ اجدادهم…

أكمل القراءة

جور نار

الشقيقة … جنوب إفريقيا

نشرت

في

عبد القادر المقري

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

جنوب إفريقيا تتهم إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية بانتهاك اتفاقية الإبادة  الجماعية

اطلبوا العلم ولو في الصين … ويمكن أن نزيد على الحديث الشريف: واطلبوا الشهامة العربية ولو في دولة جنوب إفريقيا !

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

فعلا … فهذا البلد الفسيح الذي تبعد عاصمته (بريتوريا) عن غزة 6396 كيلومترا، وعن رام الله 6411 كم، وعن القدس 6435 كم … أي في كل الحالات تزيد عن الستة آلاف كيلومتر بالطائرة إذا افترضنا أن هناك طائرة يسمح لها الكيان الغاصب بزيارة فلسطين، وإن سمح لها فأين ستحط ولا مطار في غزة ولا أي مكان بقي لم يلحقه دمار العدوان … كما أن جنوب إفريقيا/غزة أكبر ـ وبكثير ـ من أية مسافة بين الشعب الفلسطيني وأية عاصمة عربية تصرخ إذاعاتها كامل اليوم بأن قضية فلسطين هي قضية العرب المركزية، وتبث أغاني فرقة العاشقين وأشعار محمود درويش وصورا بالأبيض والأسود عن النكبة … وفوق هذا، تحتفل هذه الإذاعات سنويا بيوم الأرض ويوم الكرامة ويوم الشهيد ويوم الأسير ويوم من أيام زمرا …

قرابة المائة يوم تمرّ وسماء فلسطين تمطر نيرانا وقنابل وصواريخ بكل الأحجام وطاقات القتل والإبادة … والإثنتان وعشرون دولة المرسمة في الجامعة العربية (بما فيها دولة فلسطين نفسها) تقف موقف المتفرج عما يحدث للشعب الفلسطيني وكأنها مشاهد سينمائية أو صور من الأرشيف … الذي يقول هذا حرام، والذي يقول هذا عيب، والذي يدعو إلى ضبط النفس، والذي يدعو إلى عدم الإفراط في استخدام القوة … أما الجامعة العربية فقد قالتها صراحة بأن العنف مدان من جميع الأطراف … على أساس أن الشعب الفلسطيني “طرف” في العنف ويستحق بدوره الإدانة …

وهناك دول تكلمت مثل سارق الدجاج في حكاية جحا … أي راحت تجيب دون أن يسألها أحد: ولماذا تريدوننا أن نحارب إسرائيل؟ … يا عمّ ومن طلب منك ذلك؟ … الفلسطينيون ومنذ أول يوم من سنة 1965 (أي قبل خطاب الزعيم بورقيبة بأشهر) وضعوا قضيتهم على أكفّهم ولم يلتمسوا من أية دولة عربية بأن تخوض حربا بالنيابة عنهم … والعرب الذين حاربوا بعد ذلك ـ وحتى قبله ـ إنما فعلوا ذلك لحسابهم الشخصي و”حساباتهم” الخاصة وإن رفعوا فوق مبانيهم لافتة تحرير فلسطين …

وما يقال عن الدول العربية يقال أيضا عن الدول المسماة إسلامية، ولو أني ضد التقسيم الطائفي للدول … وها أن المدعي العام لمحكمة الجنايات الدولية (التي يقع اللجوء إليها هذه الأيام) هو شخص اسمه “كريم خان” من أصل باكستاني، يرفض، أو يتقاعس، عن، إدانة الكيان، وإصدار مذكرات إيقاف بحق قادة إسرائيليين، على عكس ما فعل مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال فترة زمنية قياسية …

بالمختصر … كان المطلوب فقط من الدول العربية (وحتى اعتبارا لمصالحها لا غير) أن تسند القضية الفلسطينية بما تملكه الدول ذات الصفة كدول … أي ذات العضوية الرسمية في أي منتظم أممي، لها حق التصويت وتقديم الشكاوى ومشاريع اللوائح والاتصال بالدول الأخرى ومحاولة الإقناع (حتى لا نقول الضغط) إلخ … وهذا ما قامت مشكورة جنوب إفريقيا، ولم تقم به الدول العربية مجتمعة …

يرجّح كثيرون بأن سبب ذلك أن في جنوب إفريقيا دولة ديمقراطية منتخبة تستمد شرعيتها من شعبها ومؤسساتها الدائمة … فيما الأنظمة العربية عائلات وطغم لا شرعية لها سوى شرعية القوى العظمى التي نصبتها ورسمت لها حدود سياستيها الداخلية والخارجية … وأي خروج عن النص قد يؤدي إلى تصفية الشخص أو انهيار النظام، وقد حدث ذلك غير مرة … لذا، فحتى إذا رأينا جرأة ما في موقف دولة عربية ما، فلن يكون سوى من قبيل ذلك الرجل الذي لم يقف في طابور الأزواج الذين تتحكم فيهم زوجاتهم … وعندما سأله مستفسر عن دواعي موقفه المتمرد، قال: لقد أمرتني “هي” بذلك …

أكمل القراءة

صن نار