تابعنا على

جلـ ... منار

سؤال غزة في ثنائية بايدن وترامب!

نشرت

في

بايدن يستثمر حرب غزة في دعايته الانتخابية أمام منافسه ترامب | ياسر أحمد |  صحيفة العرب

كأن المشهد اقتطع من مسرحيات اللا معقول، حيث تبدو الديمقراطية الأمريكية شبه عاجزة عن إنتاج وجوه وأفكار جديدة في عالم يتغير.

عبد الله السنّاوي
عبد الله السنّاوي

نفس المرشحين “جو بايدن” و”دونالد ترامب”، ونفس أجواء الكراهية ودرجة الاستقطاب، التي سادت انتخابات (2020) تُستأنف الآن.
يوشك ترامب أن يحصد بطاقة الترشح باسم الحزب الجمهوري في ما يشبه الاكتساح.. ولا يوجد اسم بارز في صفوف الحزب الديمقراطي ينازع بايدن على الترشح باسمه.
الأجواء الانتخابية عبرت في المرة الأولى عن صدامات محتدمة في بنية المجتمع واصلة إلى
تساؤلات قلقة عن مستقبل القوة العظمى الوحيدة، وإذا ما كان ممكنا وقف التدهور الحاصل في مكانتها الدولية بأثر سياسات ترامب.
هذه المرة، تعاود الأسئلة القلقة طرح نفسها في انتخابات (2024) في بيئة دولية مختلفة تتعرض فيها الولايات المتحدة بأثر سياسات بايدن لهزيمتين استراتيجيتين بتوقيت واحد في حربي أوكرانيا وغزة.

بدت المواجهة الانتخابية الأولى أقرب إلى استفتاء على ترامب.. فيما تبدو الثانية استفتاء عكسيا على بايدن.
خسر ترامب ذلك الاستفتاء بدواعي الغضب على سياساته وتصرفاته أثناء جائحة “كوفيد 19″، التي تنكرت لما يفترض أنها من واجبات أية قيادة مفترضة.
بذريعة “أمريكا أولا” أفرط في الانسحاب من المنظمات الدولية، أو وقف التمويل عنها كـ”الصحة العالمية” و«اليونسكو» و”الأونروا” ملوحا بانسحاب مماثل من حلف “الناتو” إذا لم تدفع الدول الأوروبية حصصا أكبر في موازنته وتكاليف تسليحه وتدريبه وعملياته.
كما استدعت سياساته وتصرفاته صدامات منذرة مع الحريات الصحفية والإعلامية، وصدامات عرقية كادت تدخل البلد كله في احتراب أهلي.

كان أسوأ ما جرى محاولة بعض أنصاره اقتحام مبنى “الكونجرس” بتحريض ظاهر منه لمنع نقل السلطة إلى الرئيس المنتخب، كما لم يحدث في تاريخ الولايات المتحدة من قبل.
رغم سجله السيئ، الذي أفضى إلى خسارته الانتخابات الرئاسية الماضية، فإن استطلاعات الرأي العام ترجح خسارة بايدن أمامه فى الانتخابات المقبلة.
فشل بايدن العامل الرئيسي في إعادة تعويم ترامب
ماذا قد يحدث إذا ما استبعد دونالد ترامب من السباق الرئاسي بقرار قضائي؟!
إنها الفوضى في بنية النظامين السياسي والقانوني الأمريكيين، ولا أحد بوسعه أن يتكهن بما بعدها.

حسب الاستطلاعات نفسها فإن قطاعا كبيرا من الناخبين الشباب والسود، الذين صوتوا لصالح بايدن قبل حوالي أربع سنوات قد خسرهم هذه المرة.
كانت إدارته لحرب غزة أحد الأسباب الجوهرية في تراجع شعبيته، حيث وفر دعما مطلقا لحرب الإبادة الإسرائيلية التي تجري في القطاع المحاصر.
جرت العادة تقليديا في أية انتخابات أمريكية أن تحسم نتائجها بالأولويات الداخلية، أو ألا تكون للسياسة الخارجية دور كبير في توجهات التصويت.
تختلف الحسابات هذه المرة حيث قد تلعب السياسة الخارجية أدوارا غير معتادة في تقرير مصير الانتخابات المقبلة.
كان خروج مئات الألوف مرة بعد أخرى إلى شوارع المدن الكبرى بالأعلام الفلسطينية داعية إلى وقف إطلاق النار فورا، تطورا جوهريا في الحسابات الانتخابية حيث ينتمي معظمهم إلى قواعد الحزب الديمقراطي، الذي يترشح جو بايدن باسمه.

طاقة الغضب قد تحسم توجهات التصويت بالنظر إلى التوازن الحرج بين الرئيسين المثيرين للجدل، الحالي والسابق.
المثير هنا أن ترامب أقرب إلى إسرائيل من بايدن، وخياراته تميل إلى استبعاد حل الدولتين بمبادرات مثل “صفقة القرن”، التي تولى الإشراف عليها صهره “جاريد كوشنير” قبل إجهاضها بإجماع فلسطيني نادر.
بدت صفقة القرن بأفكارها وتوجهاتها نزعا لأي طموح فلسطيني في سيادته على أرضه المحررة مقابل تحسين أوضاعه المعيشية.
بصياغة أخرى يتبناها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فإن تلك الصفقة كانت تعنى “السلام مقابل السلام”، لا انسحاب من أرض ولا كلام عن دولة!

معضلة بايدن في سباقه مع الوقت أنه يبدو شبه مقيد باعتراضات نتنياهو على خططه وتصوراته لليوم التالي من حرب غزة.
لا يقدر على التصعيد ولا يحتمل استمرار الوضع الحالي، الذي قد يكلفه مقعده في البيت الأبيض.
يسعى بايدن بوسائل التواصل مع المكونات الداخلية الإسرائيلية إلى إحداث تغيير ما فى معادلة السلطة بإزاحة نتنياهو.
بالوقت نفسه يسعى نتنياهو إلى إطالة أمد الحرب بأمل أن يحرز ــ أولا ــ اختراقا عسكريا يسوّقه كنصر في غزة، يجنبه فاتورة الحساب بعدها على مسئوليته عما حاق بإسرائيل في (7) أكتوبر وما بعده من فشل عسكري ذريع، بالإضافة إلى إبعاد شبح الزج به خلف قضبان السجون بتهمتي الفساد والرشى.
ثم يأمل أن يحسم ــ ثانيا ــ حليفه الوثيق ترامب، الانتخابات الرئاسية وتتغير الحسابات الدولية بصورة أكبر وأبعد مدى مما ذهبت إليه إدارة بايدن.

يستلفت النظر ــ هناــ الطريقة التي ينتهجها ترامب في استثمار أزمة بايدن لإلحاق الهزيمة الانتخابية به.
“ليس لدينا أحد يقود”.
كان ذلك جوهر انتقاده لأداء بايدن في إدارة حرب غزة.
لم يتصادم مع الحقائق لكنه حاول إعادة صياغتها.
“على إسرائيل أن تفعل شيئا على جبهة العلاقات العامة”.
كان ذلك تلخيصا مخلا لمظاهر الغضب على جرائم الإبادة الجماعية والتطهير العرقي ضد الفلسطينيين، كأنها محض مسألة علاقات عامة!
“ما حدث ما كان ينبغى أن يحدث.. إنه أمر فظيع على الجانبين”.

هكذا حاول أن يوازن خطابه بين نقد مخفف لإسرائيل ونقد خشن لـبايدن دون تغيير في بوصلته المعتادة.
إنها الانتخابات وحساباتها، رغم أنه الرئيس الأمريكي الذي قرر على عكس أسلافه نقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة متبنيا التوسع الاستيطاني إلى أبعد حد والمعاهدات الإبراهيمية دون سلام أو انسحاب من أراض محتلة.
في استثمار مماثل لورطة غريمه بايدن في أوكرانيا قال: “لو كنت موجودا ما حدثت هذه الحرب”.
دعا إلى “أن يتوقف الجميع عن الموت” مركزا على حجم الخسائر الاقتصادية الفادحة جراء التورط فيها.
التفاعلات الداخلية سوف تأخذ مداها قبل أن تحسم صناديق الاقتراع نتائج المواجهة الانتخابية الثانية بين بايدن وترامب.
لا يجدي الرهان على أحدهما، هذه حقيقة سياسية.

ولا يصح أن ننسى أن التضحيات الهائلة التي بذلها الفلسطينيون والتعاطف الإنساني معها هو الذى أحيا أعدل القضايا الإنسانية المعاصرة داخل الولايات المتحدة نفسها.

هذه حقيقة سياسية أخرى، فلا شيء مجانيّ.

ـ عن “الشروق” المصرية ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جلـ ... منار

العدل الدولية واصطياد السَحَرة… إقلاق عظام كيسنجر

نشرت

في

واشنطن والـ«فيتو»: لا وقف لإراقة الدم الفلسطيني

أمر منتظَر أن تتباين الآراء حول تقييم الخلاصات التي انتهت إليها محكمة العدل الدولية بصدد شكوى جنوب إفريقيا ضدّ دولة الاحتلال الإسرائيلي، وأن يتراوح التفاوت بين قطب يرى فيها انتصاراً صريحاً أحرزه سجلّ الاحتكام إلى القانون الدولي؛ وقطب، نقيض أحياناً، لا يلمس فيها مستوى ملموساً أو كافياً من الإجراء الاحترازي الردعي، خارج اللغة الغائمة والتعبير الرمزي والرطانة القانونية المطاطة.

صبحي حديدي

ثمة، إلى هذا، منطقة توسّط ليست البتة أقلّ وضوحاً، ولعلها أعلى من القطبين المتوازيين السالفين قدرةً على حيازة إجماع عريض، قوامها: 1) أنّ محرّمات عديدة تمتعت بها دولة الاحتلال على امتداد عقود، بعضها جوهري ومزمن، قد سقطت في لاهاي، على رأسها تسييج الكيان الصهيوني بمتاريس دفاع حصينة، مثل العداء للسامية ومأساة الهولوكوست؛ و2) أنّ تصويت قضاة المحكمة الدولية بمعدلات بلغت 15، وأحياناً 16، من أصل 17، شكّل تحوّلاً ساطع الدلالات بصدد إجراءات بعضها تجاوز الصفة الاحترازية، أياً كانت مفردات الحذر والتحفظ.

فإذا شاء امرؤ البحث عن “حسّ” انتصار ما في خلاصات العدل الدولية الأخيرة، لصالح جنوب إفريقيا وضدّ دولة الاحتلال؛ فالأرجح أنّ من الخير ترحيل تلك الرغبة (المشروعة تماماً، ولعلها مطلوبة أيضاً) إلى منطقة وسطى ثانية؛ تردّ عناصر السجال إلى إشكالية المحكمة في ذاتها هذه المرّة، وإلى قسط من التربّص بها واستهدافها والسعي إلى تفريغها من أيّ محتوى قانوني/ جيو – سياسي يحاذي منطق العلاقات الدولية وموازين الاستراتيجيات الذرائعية الكونية.

وقد يكون هنري كيسنجر، وزير الخارجية الأمريكي الأشهر في عقود الحرب الباردة وسائر النصف الثاني من القرن العشرين، هو سيّد المنظّرين لهذا المنطق التوسطي؛ حتى إذا كان قد تسيّده ابتداءً من فترة لم يكن فيها حاكماً مطلقاً على الدبلوماسية الأمريكية. ففي مقال شهير، يعود إلى صيف 2001 نشرته “فوريين أفيرز” وحمل عنوان “مزالق الاختصاص القضائي الكوني”؛ حذّر كيسنجر من إخضاع العلاقات الدولية إلى إجراءات قضائية يمكن أن تنطوي على أخطار “إحلال طغيان القضاة محلّ الحكومات، فالتاريخ يقول إنّ دكتاتورية ما هو فاضل قادت غالباً إلى محاكم التفتيش أو حتى صيد السَحَرة”.

ولأنه كان أستاذ تاريخ في عداد الأردأ تفسيراً للتاريخ وحولياته بين الأمم والمراكز الإمبراطورية والإمبريالية، فقد تناسى كيسنجر سلسلة اجتهادات حاسمة تفيد العكس، وتحثّ على الضرورة، تمتدّ من القانون الروماني وحتى 1948 سنة تأسيس محكمة العدل الدولية، من جهة أولى؛ وأنّ الولايات المتحدة خصوصاً، وخلال عهود هيمنة كيسنجر نفسه على الدبلوماسية الأمريكية، سعت مراراً وتكراراً إلى توظيف وإساءة تأويل اختصاص المحكمة القانوني طبقاً للمصالح الأمريكية، سلباً أو إيجاباً، من جهة ثانية.

ليس عجيباً، والحال هذه، أن تعيد الإدارة الأمريكية الراهنة عزف الأنغام ذاتها التي سبق أن عزفتها إدارات سابقة ضمن معادلة ازدواج التفسير ذاتها؛ فيسارع جون كيربي، الناطق باسم مجلس الأمن القومي، إلى ردّ دعوى جنوب أفريقيا بهذه الشطحة المختصرة المبتسرة الوقحة: “لا قيمة لها، معكوسة الأثر، بلا أيّ أساس فعلي أياً كان”. لم يكن هذا منطق قراءة الإدارة ذاتها، في آذار (مارس) 2022، لقرار المحكمة إياها الذي قضى بمطالبة روسيا إيقاف العمليات العسكرية في أوكرانيا؛ رغم أنّ البراهين على أعمال الإبادة هناك كانت أقلّ بما لا يُقاس مقارنة مع جرائم الحرب الإسرائيلية في قطاع غزّة.

لا عجب، كذلك، أن يذهب امرؤ إلى أنّ إجراءات لاهاي الاحترازية، بعجرها وبجرها كما يُقال، قد تتكفل بإقلاق عظام كيسنجر، خاصة أنّ اعتقال دكتاتور تشيلي أوغستو بينوشيه في لندن سبق أن أقلقه حيّاً؛ هو الذي كان مهندس انقلاب بغيض، حوّل جنرالاً مجرم حرب إلى “رئيس”.

ـ عن “القدس العربي” ـ

أكمل القراءة

جلـ ... منار

الطغاة وزراعة الخوف

نشرت

في

التنين يفيرن الرسم ، طاغية, مخلوق أسطوري, تنين png

لم يستطع طاغية في التاريخ البشري أن يبسط هيمنته على شعبه إلا بطريقتين، لا ثالث لهما.تزوير الحقائق واستخدام البطش!

وفاء سلطان
وفاء سلطان

لكي يتم تزوير الحقائق بطريقة يصعب كشفها،لابد أن يُحيط ذلك الشعب بجدران حديدية تعزله عن العالم المحيط به، وهذا مانراه في كل بلد يحكمه طاغية.

مع بداية عصر الإنترنت ووسائل التواصل الإجتماعي أصبحت هذه المهمة شبه مستحيلة، ولم يبق في متناول الطغاة إلا وسائل البطش.

عندما مات رئيس كوريا الشمالية كيم يانغ إيل، وأثناء جنازته أثلجت السماء.

أعلن التلفزيون الرسمي، أنها أثلجت في غير موعدها، وفي يوم الجنازة، كبرهان كوني أنه إلهيًّ وفوق مستوى البشر، فراح الشعب المحاصر داخل جدران حديدية يتداول تلك المعلومة كحقيقة مقدسة.

……..

توماس جفيرسون، أحد رؤساء أمريكا، يقول:

All tyranny needs to gain a foothold if for people of good conscience to remain silent

(لا يستطيع طاغية أن يملك موضع قدم، مالم يُخرس أولا أصحاب الضمائر الحية)

لذلك، عندما يستشري الطغيان تصبح الأزمة الحقيقية أزمة ضمائر!!!

عندما أقول “أزمة ضمائر” لا أعني غياب من يمتلك تلك الضمائر، بل أعني إرهابهم إلى حد الصمت!

وعندما يصمتون يعلو عواء كلاب الحراسة، حتى يُخيّل للمراقب العادي أن الأغلبية تدعم الطاغية،بل وتؤلهه.

في تلك الحالة كلمة “أغلبية” لا تعني العدد، وإنما تعني من يملك وسائل البطش!

إذ يصبح أخرق مسلّح هو الأغلبية على أرض الواقع، بينما تتحول الجموع إلى مقبرة.

(وأي ثائر ستنجب أمة رحمها مقبرة)!!!

……….لم يستطع أحد أن يصوّر لنا حقيقة تلك المقبرة كما فعل ايزنهاور، أحد رؤساء أمريكا، بقوله:

From behind the iron curtain, there are signs that tyranny in trouble and reminders that its structure is as brittle as its surface is hard

(من وراء الستائر الحديدية تستطيع أن تلتقط اشارات من أن الطاغية يتخبط في مشاكله، ومن أنه محطم وهش في الداخل بقدر مايبدو صلبا من الخارج)!

نعم يبدو صلبا من الخارج، بينما يغلي من الداخل، وكل شيء يشير إلى أن الانفجار قاب قوسين أو أدنى!

وتبقى لحظة الإنفجار رهينة بأيدي أصحاب الضمائر الحيّة، الذين ـ للأسف ـ يتوهمون أن قوة الطاغية أكبر من قدرتهم على فعل شيء.هم لا يعرفون أنه هش ومحطم في الداخل بقدر ما يبدو صلبا من الخارج.وقد لا يتطلب الأمر أكثر من عود ثقاب،لكنهم صامتون صمت المقابر!

……..

يطلقون على هذه الحالة في علم النفس Hopelessness“الإحباط”. حيث يقتنع المرء أن الهروب من جحيم الواقع هو ضرب من المحال، مع العلم أنه ليس أصعب من أن تشعل النار في كومة من القش!

……..

وضع عالم نفس كلبا في غرفة وفتح بابها.كلما حاول الكلب أن يخرج من الباب يعرضه لصدمة كهربائية،فيركض الكلب باتجاه الداخل.بعد عدة صدمات توقف الكلب عن المحاولة وخرّ صامتا في احدى زوايا الغرفة.

ترك العالم الباب مفتوحا، لكن الكلب رفض الخروج وظل مرميّا ومحبطا في الزاوية.

……..

هذا هو الحال الذي تصل إليه الشعوب عندما تعيش في قبضة الطاغية!

يختفي الباب المفتوح من ساحة وعيها، ويظل الصاعق الكهربائي مغروزا في ساحة اللاوعي!

فتتوهم أن الباب الذي يقودها إلى طريق الحرية موصد، رغم أن فتحه قد لا يحتاج إلاّ إلى ركلة قدم….

……..

تراودني الآن قصة تقول أن شخصا قد حُكم عليه بالإعدام.

في اليوم المقرر لتنفيذ الحكم،سأله السجّان: لدينا طريقتان لتنفيذ الحكم، إما أن نطلق عليك الرصاص أو أن تخرج من هذا الباب!

فكر الشخص مليّا: الموت رميا بالرصاص أقل عذابا، فما بالك لو خرجتُ من هذا الباب لتنهشني السباع حيا!!

فاختار الموت بالرصاص…

……..

عندما سُئل السجّان عمّا كان وراء ذلك الباب،رد: الطريق إلى حريته!

……..

طالما يتحكم الخوف بأصحاب الضمائر الحيّة سيخرّون صامتين في الزاوية، مقتولين روحانيا ومهمشين عقليا.

وقد فاتتهم حقيقة واضحة وضوح الشمس، من أن الطاغية هش في الداخل بقدر مايبدو صلبا من الخارج…

أكمل القراءة

جلـ ... منار

جنوب إفريقيا إذ تخوض أبرز معارك العدالة في لاهاي

نشرت

في

شكّل البثّ المباشر لجلسة محكمة العدل الدولية التي رافع فيها وفد جنوب إفريقيا ضد الحرب الإسرائيلية على الفلسطينيين في قطاع غزة، حدثاً استثنائياً في تاريخ القضية الفلسطينية وفي تاريخ القانون الدولي. وعبّر كذلك عن تبدّل جذري في تموضع الدول تجاه المؤسسات والمعاهدات والمواثيق الإنسانية، الكونية نظرياً، التي انبثقت في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية.

زياد ماجد*

ويمكن التوقّف عند أربع مسائل أثارها الحدث الجلل في مقرّ المحكمة في لاهاي.

المسألة الأولى هي تلك المتعلّقة بالحرب نفسها وبالتوحّش والتدمير وكثافة النيران وتوظيف التكنولوجيا الأكثر تطوّراً لإحداث أكبر أضرار بشرية ومادية ممكنة في رقعة جغرافية صغيرة ومحاصرة ومقصوفة جواً وبراً وبحراً، وفي مدّة زمنية محدودة، على نحو لم نشهد له مثيلاً في العالم منذ عقود، إن لم يكن منذ العام 1945. وقد وصّف الحقوقيّون المترافعون ضمن الفريق الجنوب إفريقي الحرب هذه، لجهة انتهاكاتها الخطيرة لاتفاقية منع الإبادة الجماعية ونتائجها الميدانية والخسائر الفادحة التي أنزلتها بالفلسطينيين ومقوّمات حياتهم، بأسلوب شديد التكثيف والدقة في استعراض المعطيات وتفصيلها.

كما بيّنوا أن الانتهاكات المذكورة حُرّض عليها وجعل حدوثها ممكناً المسؤولون الإسرائيليون الأعلى شأناً، من رئيس الدولة إلى رئيس الحكومة ووزير الدفاع ووزير الأمن القومي ووزير المالية والعشرات من المسؤولين السياسيين والعسكريين، وصولاً إلى الجنود المُحتفين في الميدان بقتل الفلسطينيين وتدمير عُمرانهم. وهذا يؤكّد نيّة الإبادة ثم ترجمتها إلى عمليات تصفيةٍ وجرحٍ لعشرات الآلاف من المدنيّين وتجويع وتهجير لمئات الألوف وتدميرٍ ممنهج لغزّة ومستشفياتها ومؤسساتها الحياتية والخدماتية. ووضعوا كلّ ذلك ضمن تحقيب لمسار تطوّر الأمور قبل الحرب وخلالها.

بهذا المعنى، شهدنا في أعلى محكمة دولية انقلاباً حقوقياً وضع الإسرائيليين في موقع المتّهمين بالإبادة، ملزمين بتبرير أفعالهم وأقوالهم، أمام العالم بأسرِه الذي بوسعه الاستماع إلى كلّ ذلك من دون رقابة، على نحو لم يتعرّضوا له مرّةً في تاريخهم، إذ ظلّوا “فوق القانون”، يُطلّون بغرور على وسائل الإعلام ويتصرّفون بلا مبالاة كاملة تجاه محاوريهم. كما شهدنا عرضاً قانونياً متماسكاً يشرح (بلا مقاطعات معهودة) السياق التاريخي الذي وقعت فيه الأحداث الأخيرة وكيف تولّدت من ثقافة احتلال واستيطان وتمييز عنصري وحصار واستهتار بالقوانين الدولية دفع ويدفع ثمنها الشعب الفلسطيني.

المسألة الثانية تتعلّق بجنوب إفريقيا ذاتها كمندوبة للفلسطينيين في هذه المواجهة القضائية، وما تمثّله سياسياً ورمزياً في عالم اليوم. فالدولة التي خاض شعبها معارك ضد الكولونيالية ثم نظام التفوّق الاستيطاني الأبيض “الأبارتهايد” وانتصر فيهما بقيادة نلسون مانديلا المُتحرّر من السجن ليُنتخب رئيساً، تخوض اليوم أبرز معركة قانونية لوقف إبادة جماعية تنفّذها إسرائيل بحقّ الفلسطينيين.

ولا شكّ أن التذكير بالتحالف السياسي والتعاون الأمني والعسكري والاقتصادي الوثيق الذي ربط إسرائيل بنظام الأبارتهيد الجنوب إفريقي على مدى عقود وللحظة سقوطه من جهة، ومشهديّة المواجهة القضائية والتضاد بين التنوّع والتعدّد الثقافي والعرقي والديني اللذين تجسّدهما جنوب إفريقيا، والانتقاء والتماثل وعنجهية العنصرية التي تجسّدها النخبة الإسرائيلية، هذين التذكير والمشهدية، يُفسّران بعض أسباب الاهتمام المُواطني العالمي الاستثنائي بما يجري، ومقدار غيظ الإدارات الأمريكية والأوروبية منه، وارتباكها تجاهه وتعليق الناطقين باسم بعضها عليه بطريقة مبتذلة ورقيعة.

والمسألة الثالثة ترتبط بتبدّلٍ في هويات المدافعين عن القانون الدولي الإنساني اليوم، الذي يُريد ورثة المبادِرين الغربيّين إلى تصميمه كشأن إنساني بعد الحربين الكونيّتين، “استعادته” وجعله أداةً يحتكرون استخدامها في الجغرافيا التي يقرّرون وفي التوقيت الذي يرون وحدهم وجوبه، وفق استثناءات يفرضونها بدورهم، وغالباً ما تتقاطع في ما يخصّ إعلاء إسرائيل عليه وحمايتها من تبعات انتهاكاتها المتكرّرة له.

فأن تنتزع منهم جنوب إفريقيا مبادرة اللجوء إليه، وأن تناصرها في ذلك أمام محكمة العدل الدولية أو تجاه المحكمة الجنائية دول مثل البرازيل وبوليفيا والشيلي وبنغلاديش وسواها، وتطالب بتطبيق هذا القانون ومعاييره ومواثيقه على إسرائيل التي كرّروا في الآونة الأخيرة دعمها وتغطية جرائمها، فالأمر مدعاة تفكير في احتمالات انتقال فعل السهر ـ ادّعاءً أو واقعاً ـ على السلام العالمي وسيادة الحقّ والقانون في العلاقات الدولية من واشنطن ولندن وباريس وبرلين إلى جنوب إفريقيا والبرازيل وغيرهما من ديمقراطيّات الجنوب الصاعدة سياسياً واقتصادياً.

المسألة الرابعة تتّصل بما يمكن توقّعه قانونياً من المحكمة بعد الدفاع الإسرائيلي الذي سعى إلى التشكيك في أمرين: أمر حدوث الإبادة في غزّة والتحريض الرسمي عليها، وأمر صلاحية الشكوى الجنوب إفريقية ذاتها.

ويجوز القول في ما يخصّ الأمر الثاني أن الحجّة الإسرائيلية بانعدام مشروعية الشكوى إذ أن لا “خلاف” ثنائياً بين إسرائيل وجنوب إفريقيا أو لا تبادليّة في هذا الخلاف تستدعيها، ولا استنفاد لسُبل بتّ الخلاف إن وُجد عبر القنوات الديبلوماسية قبل اللجوء إلى المحكمة، حجّة ساقطة. فجنوب إفريقيا تحرّكت بعد أسابيع من بدء الحرب وتحوّلها بحسبها إلى عملية إبادة حذّرت منها أكثر من مرّة في الأمم المتحدة وعبر الطلب إلى مدّعي عام المحكمة الجنائية التحقيق في الجرائم المرتكبة في سياقها وفي مراسلات مباشرة مع تل أبيب. وهي بالتالي تحرّكت بعد كلّ ذلك وفق ما تُمليه اتّفاقية منع الإبادة التي وقّعت عليها.

ويُرجّح أن تُصدر المحكمة بالتالي قراراً في غضون أسبوعين يطلب وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية “خشية مخاطر حدوث الإبادة”. ويبدأ بعد ذلك، في ما يخصّ الأمر الأول، النظر في مسألة الإبادة نفسها، إن لجهة وقوعها أو لجهة التحريض على تنفيذها. ويُتوقّع هنا أن تأخذ المداولات والردود وقتاً طويلاً، قد يصل لسنوات قبل البتّ بشأنها، إذ أن القول بحدوث “إبادة جماعية” محفوف بالمحاذير وشديد التطلّب لجهة الاثباتات ولجهة تمييز “الإبادة” عن “جرائم الحرب” و”الجرائم ضد الإنسانية” (بما فيها “التطهير العرقي”). وقد بدا جلياً أن الوفد القانوني الممثّل لإسرائيل بدا معنياً بشكل خاص بنفي “مأسسة” أو “رسمية” الدعوات للإبادة (التي أشارت جنوب إفريقيا إلى تكرارها على أعلى مستوى في إسرائيل)، ذلك أن نجاحه في ذلك يُطيح بمبدأ شارطٍ للقول بحصول إبادة، وهو إثبات النيّة أو التحريض أو الدعوة السافرة للتنفيذ.

بمعنى آخر، وفي مفارقة فظيعة، يبدو الإسرائيليون قابلين باعتبار بعض ارتكاباتهم في ظلّ ما يدّعون أنه
“دفاع عن النفس” أو “حرب على الإرهاب” جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية لتجنّب الحديث عن “الإبادة”
في موازاة عمل محكمة العدل الدولية الذي سيتواصل لفترةٍ إذن، سيكون مهماً ضغط الدول الخمس التي تحرّكت رسمياً، أي جنوب إفريقيا وبوليفيا وجيبوتي وبنغلاديش وجزر القمر، مدعومةً من الشيلي ومن مئات الأفراد والجماعات والتحالفات الحقوقية، طالبةً من المدّعي العام في المحكمة الجنائية الدولية تحمّل مسؤولياته والتحقيق في الجرائم الواقعة في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية. ففلسطين انضمت إلى معاهدة روما، وعمل المحكمة الجنائية متاحٌ بالتالي قانونياً فوق أراضيها، وسيكون له إن حصل أثرٌ مهم على مسار القضايا الحقوقية دولياً، وليس فقط فوق جغرافيا غزة.

في الخلاصة، يمكن القول إن ما شهدناه على مدى يومين في لاهاي، حدث تاريخي، سيبقى وقع ما تُلِيَ فيه ومشهديّته ماثلَين أمامنا وأمام أجيال ستستعيده لتدرس أهمّيته وتأثيره على فلسفة القانون وعلى منظومة العلاقات الدولية وتوازناتها. وسيقى ماثلاً أيضاً ليذكّرنا ويذكّر سوانا أن نساءً ورجالاً من جنوب إفريقيا (وإيرلندا وبريطانيا) وقفوا يوماً بتنوّعهم وعِلمهم وقِيمهم ونُبل كلماتهم وتمثيلهم لمئات ملايين البشر على امتداد العالم، ليدافعوا عن مُستضعفين في فلسطين ويتصدّوا لآلة قتلٍ إسرائيلية همجية مدعومةٍ من حكومات أمريكا وألمانيا وإنكلترا وفرنسا، وُمتواطئٍ معها من حكوماتِ دولٍ أُخرى عديدة. وهم بذلك، حفظوا للإنسانية ولقيمة العدالة الأسمى موقعاً، لا شكّ أن كثراً من بعدهم سيدافعون عنه رغم الصعاب وغطرسة الأقوياء.

ـ عن “القدس العربي” ـ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*كاتب وأكاديمي لبناني

أكمل القراءة

صن نار