تابعنا على

جور نار

عملية، فبطولة، فاستشهاد … ثم ماذا؟

نشرت

في

عبد القادر المقري Makri Abdelkader
كلاب تنهش جثث الضحايا".. شهادات مرّوعة للأوضاع في مستشفيات غزة

لأكثر من أربعين يوما، وسكان غزة من المدنيين يتلقون حمم النار أرضا وسماء ولم يسلم منهم طفل و لا امرأة ولا مسنّ و لامريض ولا مستشفى … و لاحديث عن مدارس ولا عن معيشة ولا عن مرافق حيوية لمواطنين فنحن لا نكترث عادة بهذه الشؤون، وفي بلدنا هنا كثيرا ما يتعطل كل شيء لأقل سبب، ودون قتال …

عبد القادر المقري Makri Abdelkader
عبد القادر المقري

عندما تسمع شارعنا وتتابع وسائل إعلامنا وما ينشر سائبا على مواقعنا الاجتماعية، تتساءل مضطرا: هل الفلسطينيون بشر مثلنا أم طينة أخرى لاتشبه أي إنسان آخر؟ … هل حقّهم الوحيد هو الموت وحق الآخرين الحياة؟ … شعب بطل هذا صحيح، وشعب صامد هذا أكثر من صحيح، وشعب مغتصبة أرضه هذا بديهي منذ أن فتحنا هاتين العينين على الدنيا … ولكننا نحن أيضا اغتُصبت أرضنا وصال وجال فيها المستعمر طيلة 75 عاما، هي بالضبط عمر نضال الشعب الفلسطيني منذ النكبة … مع فارق … أننا في نهاية القرن إلا ربعا نجحت حركتنا الوطنية في إخراج المستعمرين ووضع أسس دولة وطنية مكانهم … قل إنه استقلال منقوص، قل إنه صفقة، قل إنه استعمار جديد، قل ما شئت … المهم أصبح مصير بلدك بين يدي أهله، يكملون استقلالهم متى شاؤوا، ويطوّرون قدراته متى أرادوا …

وقد تعلّمنا من حركتنا الوطنية من زعمائها الكثير، وتعلّمت منهم حركات تحرر أخرى في الجوار وفي القارة وفي المحيط العربي وفي كامل بلدان الجنوب وما عرفته من موجات استقلال في ستينات وسبعينات القرن الماضي … لم نعترف بذلك ولم نفهمه حينما كنا شبابا وطلاّبا … ثرنا أيام الجامعة على بورقيبة وقلنا فيه أوصافا لا حدود لسوئها … ولكن الرجل راح الآن بعد أن غادر الحكم أولا والدنيا ثانيا ومضت على ذلك عقود … وما نذكره شيئان هاهما يطفوان اليوم على الذاكرة … أوّلهما ما كان يردده آباؤنا ونحن صغار بأننا محظوظون بعدم معاصرة الاستعمار الذي لم يكن يسمح للتونسيين بالحد الأدنى من العيش الكريم، ولأطفالهم بأن يرتادوا المدارس فضلا عن الثانويات والجامعات … مع العلم بأن والدي مثلا رحمه الله، لم يكن من أنصار الزعيم ولا من المنخرطين في أية شعبة أو الهاتفين بحياة أحد اللهمّ إلا إذا أقسم بحقّ سميّه سيّد المرسلين …

كان ممكنا لحركتنا الوطنية منذ اكتسبت شعبيتها في الثلاثينات، إشعال حرب شنعاء على المستعمرين والمعمّرين طوال عشرين سنة بلا انقطاع … وبالنظر إلى عدم تكافؤ القوى بيننا وبين المحتلّ، كان ممكنا أن نضحّي بمعظم شعبنا في تلك المحرقة، فيما يمكث الباقون يشجبون العدوان الغاشم ويذرفون الدموع ويناشدون ضمير الإنسانية من منافيهم المستريحة في عواصم الخارج … أو كان ممكنا أن ندفع بنخبتنا المستنيرة نحو المقاصل واحدا تلو واحد، ومن يقتله المستعمر قتلناه بأيدينا في تبادل اتهامات بالخيانة … وقد جُرّب ذلك فعلا زمن المحنة اليوسفية، ولم يدم طويلا لحسن الحظ … ومع هذا ما زال جرح ذكراه نازفا إلى اليوم …

لقد علّمَنا زعماؤنا أن القوة مطلوبة دون شك، ولكنها تكون محسوبة في التوقيت والخسائر، وذات هدف معيّن وممكن التحقيق … ولطالما تمّ استعمالها كورقة ضغط ـ هي وخسائرها ـ في مفاوضات تأتي بمكسب ما … افتكاك حقوق نقابية من هنا، مواطنية من هناك، وصولا إلى حكم ذاتي فاستقلال منقوص فجلاء عسكري فجلاء زراعي إلخ … و لا تستهن بقوّة العدوّ في تلك الفترة، ففرنسا تبقى دوما دولة عسكرية واقتصادية مهابة قياسا إلى وضعنا الرثّ … أما عن مسألة الاحتلال الاستيطاني فكل الامبرياليات تستوطن ما حازته لأجل غير مسمّى … وهاهي مناطق في النصف الجنوبي من الكرة الأرضية ما تزال تحت حكم العلم الثلاثي، تحت تسمية ممتلكات ما وراء البحار …

وقد فهم ياسر عرفات قانون هذه اللعبة ولو متأخّرا وبعد انهيار آخر جدار “ثوري” ممكن أن يتكئ عليه … العراق … فاسرع إلى توظيف نتائج الانتفاضة الأولى كأنجح مواجهة خاضها الفلسطينيون عمليا وإعلاميا … وكانت مفاوضات أوسلو … الكثيرون ـ وربما الأغلبية الساحقة منا ـ ما زالت ترى في اتفاقيات أوسلو مهزلة وعارا واستسلاما وبيعا للقضية إلخ … ولكن بشيء من الرؤية المقرّبة، يمكن أن يخضع ذلك إلى تنسيب … وتنسيب كبير أيضا …

فللتذكير، كان العدوّ وحلفاؤه لا يعترفون بوجود كيان اسمه فلسطين ولا بكائن اسمه مواطن فلسطيني … لا يعترفون بالكلمة ولا بتاريخها ولا بأهلها ولا بأية حقوق لهم إلا كلاجئين في الشتات والمخيمات … فجاءت أوسلو لتضع اسما تحت الصورة، وتكون الصورة فوق أرض فلسطين أو في جزء بسيط منها … وثانيا، مكّنت أوسلو عشرات آلاف العائلات الفلسطينية من التلاقي والعودة بعد غربة عقود ويأس قد يدوم الدهر كله … وفي انتظار أن تعود آلاف أخرى، وقع تركيز سلطة وطنية فلسطينية على الأرض الغالية، وهو ما لم يحصل منذ ما قبل الحكم العثماني أي منذ خمسمائة سنة !

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

رسالة متقاعد إلى زملائه وأصدقائه المُباشرين… وأخرى إلى حُكّامنا أيضا!

نشرت

في

يتمثل حسب رأيي مؤشّر الرضى الوحيد لدى المُحالين على وضع “شكر الله سَعيكم” حِيال مجمل المسار المهني الذي زاولوه ضمن المؤسّسات الإدارية والتربوية والأمنية وغيرها في الإجابة بنعم القاطعة على السؤال الإشكالي الآتي:

منصف الخميري Moncef Khemiri
منصف الخميري

 “إذا كان بإمكانك اليوم وأنت تُغادر ميدعتك الطبية أو التربوية أو نجومك الأمنية أو مجموعة الأختام المستطيلة والدائرية والمُربّعة التي كنت تمارس من خلالها نفوذك … إذا أُتيح لك أن تُعيد النظر في أدائك وتُراجع ما أتيته من أفعال وأعمال وصياغة ممارستك المهنية على نحو مختلف… هل كنت ستُعيد نفس التجربة بنفس مُجرياتها ؟ وهل أنت متأكد تماما أنك أنفقتَ كل ما تملك من ذكاء وجهد ومهجة إنسانية لجبْر الذوات التلمذيّة المنكسرة، وتيسير حياة الناس وتليين مصاعبهم وجعلهم يتصالحون مع إدارة شرسة هي في الأصل إدارتهم، دون أن يكون ذلك على حساب صوْن حُرمة مهنتك والذّود عن روح القوانين التي تنظمها ؟

من المُتعارف عليه علميا أن النظر إلى أبعد من الأفق المباشر والقدرة على تمثّل ملامح المستقبل قبل أوانه، هُما عملية ذهنية عسيرة ومُضنية وغير موزّعة بشكل عادل بين الأفراد وأن الصدمة تكون دائما أقل وقعا حين نتهيّأ لوقوعها. لذلك قد يكون من المفيد إتاحة هذه الفرصة أمام جمهور الموظفين المباشرين اليوم وجعلهم يستبقون لحظة التقاعد قبل حُلولها، من أجل تصويب ما يمكن تصويبه وادّخار بعض ما به سيَقبَلون وضعهم كمواطنين عاديين و عُراة من كل الأكسسوارات والنياشين التي كانوا يُدبّجون بها حضورهم في الفضاء العام.

أدركت شخصيا بصفة مبكّرة نسبيا بعض الحقائق التي ساعدتني كثيرا على تقبّل وضع إنساني واجتماعي جديد خال من أية تزيينات أو مواد مُضافة شكلية كاذبة، وهذه بعضها :

أن لا يتوقّف هاتفك عن الرّنين طوال اليوم وإلى حدود ساعة متأخرة من الليل، فذلك ليس مؤشّرا أبدا على أنك متميّز جدا (هدْرة كبيرة، بالعامية التونسية الجميلة) أو لديك قيمة خاصة لدى عموم النّاس، بل إن المرفق الذي نصّبوك مسؤولا عنه هو الذي له قيمة حيويّة لدى جمهور لا يهمّه كثيرا إن كان اسمك فلانا أو علاّنا. ولعلمك فقط، فإن تجّار المواشي وبائعات الهوى والماسكون لمحلات بيع الخُردة والأثاث القديم هواتفهم في حالة اشتغال دائم هم الآخرون. ولا بدّ أن تعلم من الآن أيضا أنك يوم “تُرتْرِتُ” كما يُقال في أوساطنا الشعبية، سيفسخونك من قائمات المناداة في هواتفهم الانتقائية ولن تظل حيّا في كامل إنسانيّتك وبهائك إلا في قلوب أصدقاء حقيقيين، يُهاتفونك للاطمئنان على صحّتك وأحوال عائلتك ودعوتك بإلحاح لتمضية بعض الوقت تؤثّثونه بالضحكة الصادقة والدّعابات الآبقة وتقارير شفوية حول قراءات سامقة كلما استطعتم إلى ذلك سبيلا. 

وأن تتعمّد توظيف نفوذك “المؤقّت” لجمع الغنائم والزهائم (جمع زْهومة في العامية التونسية) ومُراكمة أرقام هواتف المُتنفّذين العابرين ومحاولة تحويل الملفّات التي تُعالجها إلى محميّة طبيعية للصيد العشوائي وإطلاق النار على “الطايرة والحاطّة”، لتفوز ببعض ملاليم الرُّخس الكريهة (أو بعض الظروف المكتنزة عندما يتعلق الأمر بملفات كبرى)…فذلك لن يجعل منك إنسانا آخرَ أو يصنع لك مجدًا ليس من شيمك أو يهبُك مكانة فوق قيمتك الحقيقية، ولن تشفع لك كل صلوات العُمر وعُمرات الدنيا التطهيريّة أمام احتقار الناس لك ودعائهم عليك وتشفّيهم في هُزال جسمك تدريجيا بفعل حقيقة الحياة وعدالة الطبيعة. بل ستُلاحقك لعنة من آذيتهم ومن عطّلت مصالحهم ومن حجبت عنهم حقهم الطبيعي في خدمة ما… إلى آخر يوم في حياتك وحياة ذويك.

وأن تتحلّى في المقابل بأكبر قدر من تفهّم مشاغل الناس والأخذ بيدهم المرتعشة والاجتهاد وفق منطق ما ينفع البلاد والعباد، فذلك دليلٌ على أنك لم تغادر آدميّتك وانتماءك إلى نسيج مجتمعي أنت جزء منه. وفي أسوإ الأحوال أنت لست مُطالبا بأن تكون كيّسا وبشوشا ولطيفا في وجه مُراجعيك – فتلك صفات لم نتربّ على مبادئها في رُبوعنا اليابسة للأسف- لكنك محمول بالرغم عنك وعن مزاجك الذي لا نتحمّل أية مسؤولية في تعكّره أو صفائه، على احترام المواطن كيفما كان طوْق قميصه أو تلعثم لسانه أو عدم تمثّله للإجراءات والتعقيدات. وأنت محمولٌ كذلك – مهما علا شأنك – على تحقيق نتائج ملموسة في علاقة بخدمة المواطن وتطوير مردودية المرفق الذي عُهد به إليك، لا على الاكتفاء ببذل الجهد كما يقول المحامون للتبرّؤ من عضّات المآلات النهائية. ولعلّ في قائمة من يسّرتَ لهم أمرا في يوم ما، أمّا عُولجت فعاشت لتحضُن أحفادها وترعاهم أو  طالبا غيّر مساره فتألّق واشتغل وجرجر وراءه قافلة كاملة من الناجحين والمتميّزين، أو إعلاميّا فُتح أمامه بابٌ فانتزع عقدا مُجزيا في كبرى القنوات التلفزية العالمية ليفسح المجال بدوره أمام تونسيين آخرين ضخّوا أموالا كثيرة في خزينة بلادهم وترفّهت أحوال عائلاتهم وما حولها (وكلها أمثلة عايشتها شخصيا). 

وأن تتكدّس لديك عشرات بل مئات شهائد التقدير والتشجيع والامتنان سلّموك إياها لِقاء مساهمات علمية أو مهنية قدّمتها، فذلك لن يُفيدك في شيء لا ماديا ولا رمزيا لأن الشهادة الوحيدة التي تحتفظ بكامل معانيها وصدقها هي صورتك في عيون الناس وردّة فعل أناس لا تعرفهم يستوقفونك بتلقائية لتذكيرك بأنك كنت معلّما بارعا أو أستاذا راقيا أو طبيبا ناجحا أو سببا مباشرا في إنقاذ عائلة بأكملها كانت مهدّدة بالتّيه والعيش على حدّ الكَفاف.

أما هذه فموجّهة  رأسا إلى أصحاب القرار في حكوماتنا العاتية :

أوّلا :

لا يكفي أنّ بلادنا غير مُصنّفة أصلا في قائمة الدول التي يحظى متقاعدوها بـ “ظروف حياة لائقة في كِبرهم” (سويسرا والنرويج والسويد وألمانيا وكندا على رأس الترتيب، والموزمبيق والملاوي وأفغانستان أسفله تباعا في المراتب 94 و 95 و96 حسب الترتيب العالمي Le global Age Watch Index الذي يأخذ بعين الاعتبار الرفاه المعيشي للمتقاعدين ووضعهم الصحي والعلاقات الاجتماعية التي يعيشون ضمنها والسلامة الجسدية والحرية المدنية والانتفاع بالنقل العمومي… ) … لا يكفي هكذا وضعٌ فتزيدونه ضرائب توظفونها على جراياتهم البائسة وتحجبون عنهم التمتّع بالزيادات الهزيلة في الأجور للتعويض عن غلاء الأسعار وكُلفة النقل والعلاج والثقافة.

ما الذي يمنع حكومات سيُحال أعضاؤها على التقاعد يومًا، من اتخاذ إجراءات بسيطة كاعتراف لهذه الفئة الاجتماعية المغبونة ببعض ما أفادت به المجموعة الوطنية مثل النقل المجاني (أو بنصف التعريفة) والتداوي في ظروف لائقة، وتمكين كل متقاعد من يومين أو ثلاثة سنويا من الإقامة في مراكز العلاج الطبيعي بتعريفات تفاضليّة والتمتّع بالعروض الثقافية مجانا؟

ثانيا :

لِم لمْ تفكّر ولو وزارة واحدة في إحداث مجلس للحُكماء (أو مجلس لذوي الخبرة أو حاملي التجربة لا تهم التسمية) يشتغل دون امتيازات أو تعيينات أو تسميات، على ملفّات خبِروها واشتغلوا عليها السّنين الطويلة وأثبتوا جدارتهم بحسن تدبيرهم للصعوبات التي تكتنفها … ويمكن أن تجتمع هذه المجالس بصفة دورية – في ظروف لائقة وبتحفيزات معنوية غير مُكلفة بالمرة- لإبداء الرأي في جملة من المواضيع الكبرى وتقديم المقترحات اللازمة مُوظِّفين عمق درايتهم بالمجال وخبرتهم المشهود لهم بها في أمهات القضايا ؟

…لكن المتقاعد في أذهانهم البالية والمُعدَمة هو مجرد رقم لشخص منتهي الصلوحية وزائد عن النصاب ومُسبّب لمتاعب إضافية تعيشها الصناديق الاجتماعية ! يقعُ نسيانه سريعا كما لو أنّه لم يكُنْ، كما يقول صديقي عبد الرحمان الدّربالي.

أكمل القراءة

جور نار

نخبة براقش (2)

نشرت

في

منحة أمل للمعطلين عن العمل

عبد القادر المقري:

لا مناص من الاستنجاد ببعض الأمثلة والأمثال لتفسير أعوار نخبنا وما وصلت إليه وما أوقعتنا فيه … أول الأمثال بائن في عنواننا وهو “جنت على نفسها براقش” الشائع جدا وهناك من يقول “على أهلها” …

عبد القادر المقري Makri Abdelkader
عبد القادر المقري

نخبتنا جنت على نفسها وعلينا معها، خاصة حين ارتقت إلى السلطة كما أسلفنا … فهي فوجئت كعامّة الناس بسقوط النظام ويبدو أنه لم تكن لديها برامج جاهزة … وهذا غريب عند أحزاب تُناوش وتهارش منذ نصف قرن على الأقل وتطرح نفسها بانتظام كبديل للسلطة القائمة … في حين أن أحزاب البلاد الأخرى تجدها متوثبة بحلولها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية إلخ، لتسلّم الحكم مع كل انتخابات … بل وفيها (مثل بريطانيا) ما يكون لديه “حكومة ظل” (ليس بمفهوم المؤامرة الذي عناه فرحات الراجحي ذات مرة) هي بالفعل تصوّر حكومي شامل بالأسماء والمهام والسياسات، ينشر على الملأ كفريق احتياط حاضر للاشتغال بربع دورة … هذا واحد … اثنان، ولماذا فوجئت أحزابنا بوقوع ثورة أسقطت نظاما؟ ألا يوجد لديها خلايا رصد ودراسات استراتيجية وتحليل معلومات؟ إن لم يكن كذلك فهي إذن ليست أحزابا بل دكاكين شاي وسكّر … تضاف إلى الكاكوية التي وصفهم بها الراحل طارق المكي !

نأتي إلى جنايتها على أهلها، أي نحن… بما أن أحزابنا بلا برامج، فكان مطلوبا منها على الأقل في المدة الفاصلة بين جانفي وأكتوبر 2011 (أي تسعة أشهر ونيف) أن تصغي إلى الشارع وما أولوياته … وقد عبر عن ذلك خاصة أيام انتفاضات سيدي بوزيد وما تلاها … خبز، (أو شغل)، حرية، كرامة وطنية … يعني ذلك عناوين لثلاثة برامج وبالترتيب: من الاجتماعي إلى السياسي إلى الاقتصادي … بما هو أوضح: العدالة بين الجهات والفئات، ضمان الحريات وحقوق الإنسان، إرساء أنظمة إنتاج وتشجيع عليه والاستغناء عن سياسة الاستجداء ورهن البلاد للخارج … مع ما يرافق ذلك من إجراءات لحماية الوطن والمواطن من أي اعتداء خارجي، ماديا كان أم معنويا … فماذا فعلت أحزابنا؟

في الكلام، فعلت كل شيء … بينما في الواقع، ألقت بكل أماني الثائرين في أقرب سلة قمامة وراحت تفعل العكس بالضبط … فقد شلّ الإنتاج تماما منذ أن طلع نجيب الشابي بما يسمى بـ”منحة أمل” التي توزع مرتبات مجانية على قاعدي المقاهي … وأصيب اقتصادنا الوطني بالكساح حين راحت الأحزاب (وقبل حتى 23 أكتوبر) توزّع أرصدة البلاد غنائم على مريديها وبعناوين شتى … تعويضات، تسوية مناولة، إدماج عملة حظائر، دون الحديث عن الفتك بأملاك الدولة وبعثرة المال العمومي و”الأملاك المصادرة” بين أيدي الأنصار والمؤتمنين والمتصرفين والهيئات المختلفة … وأبيحت الحدود دخولا أمام شظايا الحرب الأهلية الليبية مسلحين ومدنيين … وبمئات الآلاف … بل وراح قائد السبسي يتباهى بذلك وينشد غزلا في “أخوّتنا” التي يراها وحده عريقة، عكس نظرائه في جارة الجنوب … كما راح نفس الباجي يتسوّل لدى الإيطاليين تسوية وضعيات لجحافل مماثلة ولكنها من شباب تونس الذي تسلل إلى الخارج بعد جانفي 2011…

وتكتسب الجريمة بعدا أكثر خطورة، حين نراها كسرت اندفاعا شعبيا للعمل وخدمة البلاد وحسّا مواطنيا غير مسبوق في تاريخنا … وأعادت إلى مجتمعنا مرضه الرئيسي الذي خلناه شفي منه بمناسبة الثورة: التواكل وعشق الخبزة الباردة

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة

جور نار

ورقات يتيم … الورقة 37

نشرت

في

Logements et foyers universitaires : le parcours du combattant | La Presse  de Tunisie

عبد الكريم قطاطة:

..وانا في طريق العودة الى صفاقس بعد اعلان نتيجة مناظرة مؤسسة الاذاعة والتلفزة التونسية لتكوين اطاراتها التقنية دفعة 70 ـ 71 لم يكن وقتها القطارالسريع قد حلّ ركبه بقطاع السكك الحديدية ..

عبد الكريم قطاطة
عبد الكريم قطاطة

كان الاومنيبوس هو وسيلة النقل الوحيدة .. والاومنيبوس بالنسبة لي علّمني ان الحياة امتع واجدى للمعرفة ..فأن تاخذ قطارا سريعا في حياتك فهذا يعني انّك ستتوقّف في محطّات قليلة وانّك لن تتعرّف الا على حرفاء تلك المحطّات .. اليست الحياة في حاجة لنتعرف على كل محطّاتها …؟؟ما قيمة الواحد منّا اذا اقتصرت حياته على الشمس المشرقة والبلابل الشادية اذا لم يعرف يوما صهيل الرعود ودعاء الكروان ؟؟.. ما قيمة النهر الخالد والجندول والكرنك اذا لم نستمع يوما الى “انا موش مريڨل وانت موش مريڨلة”؟ ما قيمة العقربي وديوة وبيليه ومارادونا اذا لم نشاهد يوما عبدالنور او عبد الظلام؟؟ …

نجاحي في تلك المناظرة كان بمثابة الشمعة الاولى التي اخرجتني من ظلمات الاحباط والضياع الى نور… نور غمرني بشيء من استرداد الامان النفسي ..كنت وانا في قطار العودة اراجع ما حررته في الامتحان الكتابي لتلك المناظرة ..الفيلم الذي عُرض علينا يومها لتحليله ونقده كان من النوع الكلاسيكي وكان بالنسبة لي تافها شكلا ومضمونا ..لأني تعودت ومنذ السنة الخامسة ثانوي ان امرّ من مرحلة استهلاك الافلام العاطفية الساذجة الى اختيارات ارقى… فالافلام المصرية لم تعد تغريني نظرا إلى تشابه الطرح فيها ..حبيب وحبيبة ومصاعب للوصول لبعضهما ثم “الهابي فينيشينغ” النهاية السعيدة بتزوج الحبيبين … وافلام جيمس بوند لا تختلف كذلك في الطرح ..ذلك العبقري الإنكليزي الذي يقهر كل الصعاب لينتصر على اعدائه وخاصة الروسيين… وافلام الويسترن تنحو ايضا نفس المنحى باستثناء البعض منها كـ”حدث ذات مرة في الغرب” والكبير شارل برونسون وبعض افلام سيرجيو ليوني عموما خاصة عندما يكون واضع موسيقاها اينيو موريكوني ..ذلك الموسيقار الايطالي الكبير ..

تلك النوعية لم تعُد ترويني ..خاصة وزخم الافلام الرائعة في تلك الحقبة بدأ ينهمر فمن “ذهب مع الريح” اسطورة السينما عبر العصور ، الى “فتاة ريان” الى “دكتور جيفاغو” الى “ساكو وفانزيتي” الى “رجال الرئيس” ..تلك الموجة من الافلام الهادفة والعميقة والتي كنّا نعشقها حسّيا وفكريا وبعيدا عن الالمام بالجانب العلمي لدنيا السينما، طوّرت في اختياراتنا …والغريب انه ورغم وجود نادي السينما انذاك والذي تتلمذ عليه العديد من رواد السينما التونسية (بوزيد ودمق وغيرهما) فانّي لم اكن من رواده الدائمين …كنت اضجر من تلك النقاشات التي لا تعتني بالفيلم بقدر انسياقها في معالجات ايديولوجية بحتة …ورغم ميولاتنا انذاك نحن كشباب مراهق للفكر اليساري الا أني كنت ومازلت وخاصة بعد دراستي لمجال العلوم السمعية البصرية، اعتقد وبكل اصرار ان نقاش عمل سمعي بصري هو حتما يناقش ضمنيا التوجه الايديولوجي للعمل المُقدّم، ولكن بحيّز زمني محدود اوّلا و الأهم ان يكون انطلاقا من احداث ووقائع المنتوج الذي يقع عرضه وبعيدا عن استعراض العضلات السياسوية …

لعلّ ذلك المخزون السنمائي الذي امتلكته (حسّيا لا معرفيّا علميا) هو الذي حضرني يوم المناظرة وعرفت في ما بعد ان العدد الذي تحصّلت عليه في الكتابي هو الذي شفع لي ايضا يوم امتحان الشفاهي، باعتبار عجزي عن مجاراة الحوار باللغة الفرنسية …ووصلت ليلا الى ساقيتي …الشلّة وقتها غادرت والحوانيت اغلقت ابوابها …وها انا ادُقّ باب قصرنا (الحوش)… العائلة لم تكن تدري ايّ شيء عن نتيجة الامتحان الشفاهي …نظر الجميع الى عبدالكريم دون النبس لا ببنت شفة ولا بابنة عمّها …السؤال بعد خيباتي التي سبقت اصبح مغلولا ..مكبّلا ..غير قادر على الانعتاق …ما ابشع تلك الحالة عندما نريد ان نطرح الف سؤال ولن نقدر على طرح حتى ربع سؤال …وكان عليّ ان ارحم الجميع وان اروي ظمأهم …نظرت اليها وعيناها مُسدلتان في خوف وامل ورجاء وقلت …الحمد لله نجحت ..

فرح ابي كعادته والدموع تنهمر من عينيه وقبّلني اخوتي وطفقت عيّادة صاحبة المُسدلتين تتمتم …حمدا وشكرا …نظرت الى العينين المُسدلتين وسالتها: اشبيك يا عيّادة ماكش فرحانة؟ ..اجابت دون ان ترفعهما: اه يا وليدي قللو يا كلب اشبيك تلهّف قللو خايف من قايلة غدوة … كنت اعرف ما تعنيه ولكن وبكل استعباط (وكم احبّ الاستعباط) سالتها: اش ثمة زادة ..؟؟ نظرت إلي بكل عمق وريبة واردفت: راك ماشي لبلاد الغربة …وماشي تبعد عليّ ..وتونس صعيبة (تقصد العاصمة) صعيبة برشة …وكان ما ربّي يبعّد عليك اولاد الحرام وبنات الحرام …هي ربّما ملتاعة من تجربة احد اخوتها (احمد رحمه الله) الذي كسّر قيود القبيلة وغادر صفاقس ليعمل ويعيش بالعاصمة وليتعلّم هناك معاشرة بنت العنبة ويعمل خلاه فيما ولاه حسب تعبير القبيلة …

ثم هي تعني اساسا في عبارة “اولاد الحرام وبنات الحرام” عجُز العبارة “بنات الحرام” ….لانها تعرف جيّدا ولدها وتعرف انّ “عينو محلولة وقافز” مقارنة باقرانه …هي في جانب من طروحاتها على حق ..لأني كنت قريبا جدا من الفتيات في افراحنا ولمّاتنا ..وكانت تكرّر دوما وبضجر: اش عاملهم ..؟؟؟ طلاسم ..؟؟ اشبيهم في جرتك تقولشي ذبّان مقجّجين عليك …؟؟؟ واذا كان هذا هو انا وهنّ في ذلك الزمن وحتى بعده فهي وانتم ليتكم تعرفون الحقيقة …جلّنا انذاك كانت علاقاتنا بالفتيات من نوع “قطاطس باردو القفز وقلّة الصيادة”..اي لا شيء .. لا شيء ..لا شيء ..في علاقتنا …والله حتى بوسة لا ثمة ولا كانت ولا صارت … ولكن قلب الام لا يستكين حتى للاّشيء ..وعندما تتحدث مع اختها الصغرى نفيسة رحمها الله وهي التي تلعب معي دائما دور المحامية الجيدة في الحوار مع عيّادة، كانت تردّ بكل ثقة: بالله يزّي يا للتي محسونة توة تاخذ عليهم ..مازالو صغار ..الا ان عيادة ترد وبكل جدّية: اشكون يعرف تلصقشي فيه نحاسة مسوّدة (وهذه العبارة تُطلق على فتاة غرّر بها احدهم وافقدها عذريّتها) …

نظرت مجدّدا الى تينك العينين المسدلتين ومسكت يد عيّادة وقلت لها: اغزرلي اغزرلي … مليييييييييح …انت جبت راجل والا طلطول؟ ..ودون انتظار ردّت: “جبت راجل وسيد الرجال …اما خايفة عليك” ..قبّلت يدها ..واخذت نفسا عميقا كما افعل كلّما اقبّل يدا احبّها وقلت: “ما تخافش على كرمة العسل متاعك” ..هي تلك العبارة التي كانت تردّدها دوما وانا طفل … بعدها سالتني: توة اش ماشي تولّي تخدم …؟؟ ماشي يولّيو يشوفوك في التلفزة؟ ..هل لاحظتم انها لم تستعمل ضمير المتكلم ..؟؟ هي تريد ان تفتخر بابنها …قبل حتى ارتوائها من رؤيتي على الشاشة …اجبتها: لا انا ساُصبح تقنيا من تقنيي التلفزة …اش معناها ..؟؟ استفسرت …..حاولت ان افسّر لها نوعيّة الاختصاصات في العمل التلفزي واشهد اني لم اُفلح ..ربّما لعجزي عن الشرح او لعدم رغبتها في الفهم … وتدخّل الوالد بسؤاله: والخلاص باهي ؟؟ .. (كل فول يهمّو فلوس نوّارو…. موش لاهي بيه برك) .. واجبت ببرود: ان شاء الله …وتمتم: “ربي يجيبك في الصواب وما تنساناش عاد ..انت تعرف البير وغطاه” …

في الغد كان اللقاء مع الشلة …كان سي المبروك الحمّاص اوّل من حظي ببشارة الخبر …نظر إلي وقال ..والله نعرفك ماشي تنقزها … كان فرحه طفوليا بطفله الذي سلّكها ..وهاهو رضا يصل ..لم ينتظر اجابة منّي لانه احسّ بالنتيجة بادية على وجهي ووجه سي المبروك ..وقال: قلتلك؟ …ماشي نعيثو فيها فسادا غاديكة . نعيثو يعني نعيثو ..عانقني وانا ارد (خاربينها خاربينها) …وتسللت الشلّة من حانوت بو احمد حلاقنا وراعي حوار العصابة وعلى طريقته دوما علّق: ايّا سيّب سي المبروك وحضّر روحك للمبروك (يعني الزردة الخمرية)… وكانت لهم زردتهم وكان لي ولرضا الاستعداد للرحيل فنهاية سبتمبر على الابواب وبداية دراسته الجامعية، وبداية دراستي بمركز بيكلار التابع لمؤسسة التلفزة التونسية لتكوين اطاراتها، تنطلق في غرّة اكتوبر …

سجّل رضا بالمدرسة العليا لتكوين الاساتذة قسم تاريخ وسجّل ايضا بالمبيت الجامعي راس الطابية ..اما انا فاصطحبت مجموعة من زملائي الذين نجحوا في الباك لاقطن معهم بنهج قلاتيني بلافايات وتحديدا وراء معهد بورقيبة سكول ..ورغم تميّز المكان جغرافية وثمن كراء، فانه لم يكن مناسبا لي ..اولا لبعده عن مركز دراستي وثانيا وهو الاهم انه لم يكن ليتسع لي ومعي رضا نتقاسم وجودنا يوميا …لذلك قضيت معظم اوقاتي معه في البيت اف 16 بمبيت راس الطابية ..اف 16 وكما تعرفون عنوان لطائرة حربية ..واف 16 براس الطابية هو عنوان لقاعدة حربية يجتمع فيها كل الطلبة المنحدرين من ساقية الدائر ..هي تتسع في تركيبتها لـ4 طلبة ..ونحن نُخضع مساحتها لعشرة على الاقل ..وياما حروب جميلة ان لم تكن خمرية فهي بولاتية ..ويا ويلو اللي نركّحو عليه … مشى بازقة ..

يوم السبت عشيّة كنّا نقصد نهج اين خلدون ..وهنالك وبمقهى صغير جدا يجتمع الرفاق … مقهى علي بابا… انه مقهى الطلبة اليساريين وتبدا الطروحات التي لا تنفك ..فهذا زعيم اللينينيين وهذا التروتسكي المتطرف وهذا من جماعة ماو .وهذا وطد وهذا دستوري فليك .يتبهنس ثمّشي ما يسمع حويجة على تحركات الطلبة ويهزّها لسيادو … واغلبنا من القطيع …نتلمس طريقنا وسط الزحام الطلابي …يوم الاحد هو يوم عيد بمبيت راس الطابية ..يوم الكسكسي بالعلوش حيث يتوافد من دبّ وهبّ من الطلبة لوجبة الفطور والتي عادة ما تكون على غازون المبيت ..كنا انا ورضا نقف احيانا في بداية طابور الطلبة المتوجه لاخذ وجبته وكانت تذكرة الوجبة الجامعية بـ100 مليم… وكان الواحد منّا يحمل بيده 5 ملّيمات ويتعاطى مهنة طالبي الصدقة امام المساجد وهم يتكاثرون يوما بعد يوم بقولنا: يا رفيق تكمّلّي على تيكيه …

لم تدم سكناي بنهج قلاتيني اكثر من اسبوعين ..وذات يوم وانا بمقهى ابن خلدون التقيت صدفة باحد متساكني الساقية وهو طالب في سنته الاولى بتونس اختصاص علوم (محسن المنجّة) وهو قريب لقائدي في الكشافة محمد المنجة ..وككل لقاء يتم بين افراد المنطقة الواحدة تجاذبنا اطراف الحديث العادية ..اشنية حوالك ..اش عامل ..وين تسكن …؟؟ وهنا عبرت له عن قلقي من موضوع السكنى ..وهاهو يعرض عليّ السكنى بنهج ابن خلدون …(كلب وطاحت عليه جردڨة)… هو لا يبتعد عن مركز دراستي اكثر من 100 متر ..وهو استوديو يتسع لشخصين … وصديقنا هذا لا يّقضّي نهاية الاسبوع فيه، حيث ينتقل الى اطراف عائلية له بتونس … و6 الاف معلوم الكراء شهريا …موش قلتلكم كلب وطاحت عليه …لا موش جردڨة، مبسوطة اصلا …اتفقنا واسرعت الى رضا ..فُرجت ..ذكرتها وانا اغني وارقص ..على وزن “بُعثت” التي تجدونها في اغنية كيلوباترة (بُعثت في زورق مستلهم من كل فن … مرح المجداف يختال بحوراء تُغنّي … يا حبيبي هذه ليلة حُبّي .. اه لو شاركتني افراح قلبي) …

هل فهمتم ماذا اعني ب ـ” بُعثت” وبمعارضتها “فُرجت” ؟؟؟… ان غدا لناظره لقريب …

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة

صن نار