تابعنا على

منبـ ... نار

غسّان كنفاني في فضاء غزّة

نشرت

في

8تموز1972) الذكرى السنوية لاغتيال غسان كنفاني: اختزال الشخصية وتشييئها -  الملتقى الفلسطيني

إن تفاقم الجريمة الصهيونية في غزة خاصّة منذ 7  أكتوبر  المنقضي وإنّ هول الدّمار وأشكال الموت التي تحمله إلينا الصورة بكل أصنافها قد يخلّف فينا – بالإضافة إلى التعاطف الإنساني اللامشروط – مشاعر أخرى متضاربة غريبة.

فتحي بوغرارة

 وأزعم أنّ بعض هذه المشاعر على الأقل غير مسبوق منها الخجل من أغلب ما وضعناه سابقا في خانة الصعوبات والمشاكل، ومنها الإحساس بما يمكن تسميته “بالفخر الهش” ونحن نتابع إصابات يوميّة تحققها المقاومة الفلسطينية الباسلة في صفوف العدو الصهيوني المرتعب، ولكنها إصابات لا تُنسي ما بقي فينا من عقل تباعد موازين القوى الحربية والمالية في هذه المعركة ولا تُنسينا تجدّد خذلان حكومات العرب لشعوبها، فتتجاور بوارق الفخر فينا مع ما أدمنّا عليه من عميق الحزن والخسران العربيين …

حين فكّرت مرارا في كتابة بعض الكلمات تصدمني الصور مجددا لتحمل أهوالا صباحية وليلية جديدة، فتكتئب الكلمات وتنكمش ثم تذوي، فما الكلام الذي يمكن أن يكون في مستوى هذه المأساة/ الملحمة الفلسطينية؟ ما الذي يمكن أن تقدمه كلمات تائهة متردّدة إلى هذه المقاومة الجبارة وهي تعاند الموت كل يوم ؟…

إلى أن شاهدت يوما في إحدى القنوات شيخا يجلس على تلّ صغير من الحجارة هو ما بقي من منزله المدمّر ضمن حيّ سكني سُحق بالكامل في مشهد جحيمي، حمد الصحافي الله على سلامة الشيخ ثم سأله : “وين بدك تروح يا عمّ؟” فأجابه “وين بدّي روح، أنا قاعد هون على حجارة بيتي”، وهنا لمع في ذاكرتي  غسّان كنفاني لأنه – في تقديري في تلك اللحظة- أقدر الناس على فهم الدلالة العميقة لعبارة “حجارة بيتي”، فليس الحجر عند هذا المسنّ الأبيّ مجرّد حجر، وليست أرض غزّة وبحرها عند الغزّاويين مجرد أرض وبحر وليست أسواق القدس وأنهجها عند المقدسيّين مجرّد أسواق وأنهج، ليست مجرّد أمكنة أو أشياء. إنّها “فضاءات حميمة” مؤثثة بقطع الرّوح مكتنزة بجواهر الذات، كيف لهذا الرجل أن يعتبر بيتا شيّدته يداه ووضع بين جدرانه عمره وعمر زوجته  وأبنائه ثم ارتوت الأرض المقام عليها من دماء شهيدين من أبنائه كيف له أن يراه حجرا …مجرد حجر،  تذكّرت كنفاني الذي أعطى ما أعطاه للسرديّة الفلسطينية من جمالية كونيّة في رواياته الأربع المكتملة [1] ، فتراءى لي وقد مثّل بحياته وموته صورة لا تضاهى تجمع في اتّساق عجيب بين المقاومة المسلّحة بخلفيتها السياسية من جهة والمغامرة الجمالية الأدبية من جهة ثانية، كان  من أهمّ قيادات الجبهة الشعبية مقاوما للمحتلّ وللرجعية العربية وللمرض [2] ومع ذلك وجد القدرة ليعطي بعضه خالصا للأدب وخاصة للرواية من حيث هي مُنجز فني يطلب الكونيّة وإن كان ذا محمول سياسي.

غسّان كنفاني هو بالتّأكيد من أقدر الروائيين العرب على “تفضية الأمكنة”  في سرده الروائي [3](La spatialisation des lieux)  فيخلّصها من بعدها الجغرافي المرجعي ويحلّق بها في عالم المعاني والقيم الكونيّة، “فالمكان – عنده- هو المادة التي يتشكل منها الفضاء  الذي يتخذ عبر مسار الحكاية جوهره الذهني الاستعاري “.

كان غسّان كنفاني مثالا فريدا [4] للجمع بين الالتزام السياسي والحرّية الجماليّة، فبعض رواياته فيها تجريب وانفتاح على آخر أساليب السرد الروائي في زمنه (استفادته من تيار الوعي في روايته “ما تبقى لكم” مثلا)، وقد يكون هذا الجمع هو أخطر ما لاحظه العدو الصهيوني ليعجّل باغتياله، فأعطى بموته الدليل على جدوى الكلمة وفعلها.

وليس من الصدفة في شيء أن تكون الأرض موضوعا مركزيا في روايات كنفاني خاصة وفي الرواية الفلسطينية والعربية عامة، فلقد كان الفلسطينيون الشاهد الأبرز على فقدان الأرض والبيت و”العش الأليف” على حد عبارة غاستون باشلار، على فقدان الأرض زمن الاحتلال المغتصب قاتل الأطفال ومُهجّرهم.

 الفلسطيني منذ صغره متمسّك بالكلمة لأن أرضه وبيته مهددان باستمرار، ليست الكلمة والذاكرة والحلم عنده ترفا ولا مجرد لعبة مجازية إنما هما عماد للبيت الفلسطيني الأكثر أمانا منذ بدأ التهجير، لذلك يجب أن نتوقف عن بلاهة الاندهاش من فصاحة الأطفال الفلسطينيين أمام أعين الكاميرا وخاصة حين ينظرون في أعين جنود العدوّ.

الشعب الفلسطيني محكوم بالشعر والشعريّة لأن الشعر عنده ليس مجرّد كلمات منظومة موقّعة، إنه أسلوب حياة ومسألة بقاء، فأمام تهاوي العالم واندحار القيم كلّها لا خيمة تؤويه وتقيه غير خيمة الكلمة.

ربما لهذا كلّه ولغيره لم يفلت كنفاني طيلة حياته الغنيّة الشجاعة الحزينة عنان الكلمة، لذلك علينا أن نحتفي به في هذه الأيام الصعبة الموجعة، فيكون التذكير برواياته وقصصه ومسرحياته وإعادة نشرها وتوزيعها شكلا من أشكال مساندة القضية الفلسطينية عبر تجذيرها في فضاء الذاكرة الإنسانية بالكلمة الكونية الخالدة.  

إني أرى غسّان يستيقظ صباح السّابع من أكتوبر، فيقول مبتسما بعد سماع أول الأخبار: “ها نحن ندقّ على جدران الخزّان بقوّة هذه المرّة”.


هوامش:

[1]نشر غسّان كنفاني أربع روايات مكتملة هي: رجال في الشمس، ما تبقى لكم، أم سعد، عائد إلى حيفا، ثم نشرت بعد موته روايات أخرى لم يتسن لغسّان إنهاؤها وهي : برقوق نيسان، الأعمى والأطرش، من قتل ليلى الحائك؟

[2] كان مصابا بمرض السكري

[3]  اهتممت بهذا الموضوع في نطاق رسالة ماجستير في الأدب الحديث نافشتها سنة 2006 بكلية سوسة للآداب، لجنة متكونة من الأساتذة الأفاضل: أحمد حيزم رئيسا، محمد رشاد ثابت مؤطرا وعبد الله تاج مقررا، وقد أنجزتها تحت عنوان “إنشائيّة الفضاء في قصص غسّان كنفاني الروائي”

[4]  يقول يوسف إدريس في مقدمة الأعمال الكاملة لغسّان: “أحسست لأول مرة بفخر أني كاتب من كتاب القصة العربية حين استشهد غسان كنفاني”.

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

منبـ ... نار

البـرابـرة يعــودون … إنهم يقتلـــون (المـلائـكة) !!!

لأن الجريمة متواصلة .. و حتى لا ننسى .. أعيد نشر المقال* الذي تكفلت الأحداث بتحيينه

نشرت

في

ليلة تحت القصف الإسرائيلي ترويها مراسلة الشرق: أشلاء أطفال غزة في كل مكان |  الشرق

و الآن ، لقد عادوا ..

لم تعد إيطاليا لوحدها بل ضمن حلف شرّير صهيو / صليبي / رجعي يجمع حوالي 30 دولة منها أمريكا و فرنسا و بريطانيا .. و قطر … لقـد عادوا باسم حماية المدنيين ..

مصطفى بوعزيزي
مصطفى بوعزيزي

و منذ 19 مارس و الغارات الجوية و القصف بالليل خاصة و على مدار الساعة لا ينقطع ، جوا و بحرا على المدن و القرى و الواحات الليبية التي نعمت بالأمان طيلة 42 سنة ، فلم تجهـّز المدن لا بالملاجئ و لا حتى بصفارات الإنذار .. أصبحت المجازر يومية و ضحاياها يوميا بالعشرات: طرابلس ، البريقة ، سبها ، سوق الجمعة ، صرمان ، الخمس ، تاورغاء … وعبر مواقع الجرائم الأطلسية ، تعرّفنا كعرب في مختلف أقطارنا و اكتشف العالم ، جغرافية لـيبيـا – تماما في نفس الظروف و بنفس البيداغوجيا التي تعلمنا عبرها جغرافية العراق و لبنان و فلسطين و السودان … و اكتشف البعض أن الكفرة ليست ميناء بحريا شرق مصراطة و أن النهر الصناعي العظيم لا يحمل مياه البحر الأبيض المتوسط بعد تحليتها في محطات ضخمة و لا يجري من الشمال إلى الجنوب بل من الجنوب نحو الشمال …

و على مسارح الجريمة كانت الطفولة حاضرة في مشاهد الدم و الأشلاء و الأجساد المتفحمة و الممزقة والأطراف المبتورة … الضحية الأولى للقصف الجوي هم الأطفال . لأول مرة في التاريخ البشري تشنّ حرب إبادة على الأطفال تحديدا و مع سابقية الإصرار و الترصد.

تقول السفاحة “غولدا مائير” رئيسة وزراء الكيان الصهيوني 1969 / 1974 “كل صباح أتمنى أن أصحو و لا أجد طفلا فلسطينيّا واحدا على قيد الحياة ” و هي قاتلة الشهداء الثلاثة: كمال عدوان و كمال ناصر و يوسف النجار . و هي أيضا من أمرت باغتيال الأديب الفلسطيني غسان كنفاني بتفخيخ سيارته وهو الذي كتب كثيرا للأطفال ، و استشهدت معه ابنة أخته “لميس”. –

في عهد الرئيس بيل كلينتون عام 1996 وعندما سألت الصحفية “ليسلي ستول” في برنامج “ستون دقيقة” وزيرة الخارجية الأمريكية “مادلين اولبرايت” عما إذا كان حصار العراق يستحق وفيات بين الأطفال العراقيين تصل الى نصف مليون طفل، ردت و دون أن يرف لها جفن: “نعم، يستحق! “… و قد تواصل الحصار البربري الإبادي طيلة 13 سنة مخلفا 1 مليون ضحية من أطفال العراق .

و لأنهم يعرفون مكانة الطفل عند العربي استهدفوه بالترويع و الحصار و التجويع والقتل و الإبادة . استهدفوه طفلا و جنينا و إرثا بيولوجيا لآلاف السنين ..

يقول حطان بن المعلى : “و إنما أولادنا بيننا أكبادنا تمشي على الأرض”

و يقول الأحنف بن قيس : ” الأطفال ثمار القلوب و عماد الظهور ، نحن لهم أرض ذليلة و سماء ظليلة” لذلك أتوهم من السماء بالقصف الجوي ، بالصدمة والترويع : بالقنابل الفسفورية و العنقودية و المشبعة باليورانيوم المنضّب … يقتلون الحاضر و يقتلون المستقبل .. بما يعنيه ذلك من زيادة كبيرة في نسب الاصابة بالاورام الخبيثة، واللوكيميا، والتشوهات الخلقية بين الأطفال و الأجنة في المدن و المناطق الملوثة بالإشعاعات النووية مثل الفلوجة، حيث أصبح الأئمة يطالبون السكان بتجنّب الإنجاب نظرا للارتفاع المهول في الولادات المشوّهة ..

إنهم يحصدون الرياحين و يقتلون “الملائكة” في فلسطين والعراق و الآن في لـيبيـا ..

يستهدفون المناطق السكنية المدنية و الأسواق و المدارس و يلاحقون الأطفال في الملاجئ وفي أحضان أمهاتهم.. و الشواهد كثيرة ، نذكرها و نذكـّر ببعضها حتى لا ننسى و لن ننسى :

– سطيف ، الجزائر . 1945 / فرنسا

– دير ياسين ، فلسطين . 1948 / العصابات الصهيونية

– كفر قاسم ، فلسطين . 1956 / الكيان الصهيوني

– ساقية سيدي يوسف ، تونس 1958 / فرنسا

– مدرسة بحر البقر . مصر 1970 / الكيان الصهيوني

– صبرا وشاتيلا ، لبنان . 1982 / الكيان الصهيوني و المليشيات العميلة

– مدرسة بلاط الشهداء . العراق. 1986 / إيران

– طرابلس . 1986 / أمريكا

– ملجأ العامرية . العراق 1991 / أمريكا

– قانا . لبنان 2006 / الكيان الصهيوني

– غـزّة . 2009 / الكيان الصهيوني

– طرابلس . 2011 / حلف الناتو

– صرمان .2011 / حلف الناتو

لقد أصبحت القيادة والشعب حالة واحدة تحت ضربات الناتو وامتزجت دماء الشهداء الطاهرة لآلاف الضحايا من الشعب المسلح و النساء و الشيوخ و الأطفال بدماء الشهداء من عوائل القيادة الليبية خاصة ابن العقيد معمر القذافي سيف العرب وأحفاده الثلاثة و عائلة و أحفاد الخويلدي الحميدي نخص بالذكر منهم خالد و خالدة الحميدي ، تقبلهم الله في فسيح جنانه .

حاولوا ، كعادتهم ، شيطنة القيادة و فصلها عن الشعب بالقصف الهمجي البربري الحاقد و بالقصف الإعلامي الأشد إيذاء و حقدا عبر “الجزيرة” و “العربية” و غيرهما من آلة الدعاية الجهنمية المربكة و المخبّلة وبفتاوى شيوخ قاعدة السيلية الأمريكية وبأن طائرات الناتو و الصواريخ المدمرة ليست إلاّ “الطير الأبابيل” التي تستهدف “الطاغية و أبناءه” … فكان أن التحمت الجماهير الشعبية بقيادتها الوطنية في مسيرات مليونية سفهت كل دعاياتهم و كشفت عن أصالة معدنها و وعيها و استعدادها للتضحية و التحمّل والعطاء

.- المجد للشهداء الأكرم منّا جميعا

– الرحمة و عليين للأطفال الشهداء طيور الجنة

– الهزيمة و العار للاستعمار و عملائه الأراذل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*تعود كتابة هذا المقال إلى 16 ـ 07 ـ 2011

أكمل القراءة

منبـ ... نار

أطفال الحروب …

نشرت

في

حرب” كلمة تلخّص معنى التعذيب و التشرّد و العراء و الجوع و الجهل و الموت القاهر ضاعت فيها طفولة الأطفال ، ضاع فيها جريهم و لعبهم دون قيود … هذا ما يعيشه أطفالنا في فلسطين وسوريا والسودان و اليمن وغيرها من البلاد الشقيقة .. ماهذا السكوت … ما هذا التغاضي!!

رتيبة سليم

قد لا تكفينا الكلمات للتعبير عن أحوال هؤلاء الضحايا الذين انتشروا في كلّ أنحاء العالم مشرّدين بين بلدان و مخيّمات ويعيشون حياة كلّها قهر و وحشة و معاناة … ولا عين تنظر إليهم !! طفولة تخلو من الحياة لم تنل سوى ركام الحرب وأشلاء الضحايا … طفولة ممزوجة بالموت والدم والتهجير والعنصرية والقسوة . الآلاف بل مئات الآلاف من هؤلاء الأطفال يذرفون دموع الحُرقة وفي لحظات تأمّل لهذه المشاهد الموجعة يبدأ الضجيج بداخل من يحملون الضمير في صراع بين الإنسانية والتجاهل لهذه الطفولة البائسة . صمت .. وصمت يخيّم عليكم يا عرب … صمت عربي شديد القسوة…لنقل اللعنة على من وأد البراءة …

طفولة تتلظّى على نار الأسى والجوع والفقر حرمت من الحرّية و استكثر فيهم العالم قليلا من الأمان… تزداد بنا الحيرة يا عالمنا العربي الذي تستّر خلف الصمت عن كلّ شيء ليخيّم الظلام على وقع القصف والتّهجير من دنيا السلام إلى متاهات لا نعرف منها مخرجا … ألا يزلزل دواخلكم صراخ طفولة تصيح خوفا و فزعا و ألما، طفولة قدمت للدنيا بحبّ وفرح و أمل ولكن لعنة الحرب أخذت منها الحياة وأفرطت عقد العائلات و نثرت حبّاته في ارض السراب و الزيف لتجري كلّ حبّة في إتّجاه …

يبحثون عن استقرار لن يتمتعوا به ما لم يعودوا إلى استنشاق وطن كان آمنا قبل أن يدهمه الخراب … هربوا بحثا عن النّجاة ولكنّه لم يكن سوى هرب من الموت و إليه … وصرخة الإنسانيّة و إستغاثة الطّفولة التي تدوّي في هذا العالم المليء بالصخب الصامت لم تصل لآذانكم أو ربّما أنتم عمي صمّ بكم لا تفقهون … و كأنّ اصحاب الأمر يقولون تعدّدت الأسباب والموت واحد.

لتنظروا يا عرب لأجيال من بلدان الدمار ضاعت أحلامها و صار يطلق عليها اسم “لاجئين” و “مشرّدين” دون هويّة … مسح القصف ذكرياتهم مسح كلّ أثر للجمال من أوقاتهم … خمدت أصوات اهازيجهم تحت أصوات المدافع وهدير الطائرات و مات حلمهم البسيط …. هم لا يطلبون منّا سوى طوق نجاة من الموت المحتّم بلقمة تسد وطأة جوعهم الكاسر و وطن يحضنهم و مدارس تنقذهم من براثن الجهل والرعب و تنقي أنفاسهم من رائحة الدم …

أليس في مدار اهتماماتكم هذه الطفولة بدلا من التكالب على السلطة …اطفالنا مازالوا يموتون و ويواجهون أخطارًا و نحن نتفرّج بعيون لا ترى وألسنة لا تنطق و نصمت عن أحزانهم و آلام في عيونهم تديننا…

أكمل القراءة

منبـ ... نار

مفارقات تونسية[1]: تساؤلات حول الشعبوية وعقلية المؤامرة

“الاعتقاد في نظرية المؤامرة… أخطر مؤامرة !”

نشرت

في

Dossier – Montée des risques et populisme - Revue Risques

ما هي الشعبوية؟ ما هي أهم سمات الخطاب الشعبوي؟ أين ومتى ظهرت؟ لماذا تزدهر في أوقات معيّنة؟ لماذا يركز الشعبويون على نظريات المؤامرة؟ ما هي أشهر نظريات المؤامرة؟ ما مدى صحة القول بوجود المؤامرات؟ ما هو الموقف الملائم إزاء ما ينتشر في تونس وفي العالم من نظريات المؤامرة؟

د. مصطفى الشيخ الزوالي

برزت الشعبوية في فترات تاريخية مختلفة وهي مرتبطة بالتحولات المتسارعة والأزمات الكبرى، سواء كانت أوبئة أو أزمات اقتصادية.، مثال ذلك مع الأزمة الاقتصادية العالمية لسنة 1929 حيث ظهرت الشعبوية في شكلها الفاشي مع موسوليني في إيطاليا وهتلر في ألمانيا وفرانكو في إسبانيا… مع الأزمة المالية الكبرى لسنة 2008، وإلى الوقت الحاضر، مرورا بأزمة الكوفيد 19، عرفت الشعبوية رواجا كبيرا في بقاع مختلفة من العالم:  في الولايات المتحدة الأمريكية مع ترامب ، في روسيا مع بوتين، في فرنسا مع حزب الجبهة الوطنية لمارين لوبان، وفي المجر، اليونان… إلخ.

من أهم ما يميز خطاب الشعبويين عموما، أنهم يدعون تمثيل مصالح الأغلبية الشعبية ضد النخب، وسواء كانوا في الحكم أم خارجه، فهم يتخذون من شعار “محاربة الفساد” محورا أساسيًا في مواجهة “خصومهم” من النخب المعارضة أو الحاكمة المنفصلة عن مشاكل السكان. من أقوال أشهر الشعبويين : «تحتاج بلادنا إلى  قائد عظيم… أنا الوحيد القادر على إصلاح نظام الخراب في واشنطن” (ترامب)، “نحن الشعب. من أنتم؟” (اردوغان). “سنجعل ألمانيا عظيمة مرة أخرى” (هتلر)

أما نظريات المؤامرة فهي كذلك، عادة ما تزدهر في وقت الأزمات والأحداث الاجتماعية الصادمة المؤثرة والضخمة (الاغتيالات، الحروب، الأوبئة، الأزمات الاقتصادية، الثورات….) وهي تزدهر بسبب ميل الناس في السياقات المذكورة إلى افتراض الأسوأ، كما تستند إلى الغريزة القديمة التي تنزع على تقسيم العالم إلى فئتين: نحن و هم.

تتعدد الأخبار التي يصدقها بعض القائلين بنظريات المؤامرة مثل التشكيك في “النزول على القمر”  والقول بأن “العلماء يكذبون على الناس” وما قيل حول هجمات 11 سبتمبر  2001، مقتل الأميرة ديانا، اغتيال جون كينيدي، كوفيد-19، إلخ [2]… سأكتفي هنا بتقديم رأيي في نظرية المؤامرة فيما يتعلق بالمثال الأول، باعتباره من المسائل التي باتت محسومة بالنسبة إلى كل من يؤمن بالعلم وبقدرة العقل على التمييز بين العلم والخرافة. لكن رغم ذلك لا يزال هناك من يؤمن بان “الأرض مسطحة” ولا يتردد في التصريح بذلك، لأن السياق الراهن يشهد تراجعا كبيرا عما تحقق من انتشار للأفكار العلمية والنظريات الفكرية التي حررت الانسان من الخرافات والشعوذة والكثير من المعلومات الخاطئة. وهنا نتساءل: هل من قبيل الصدفة أن تنتشر عقلية المؤامرة كلما  زادت نسبة التخلف في بلد ما وزادت معه  التفسيرات الخرافية والتآمرية.

بالنسبة لنظريات المؤامرة التي تتعلق بمسائل مثيرة لجدل طويل يصعب حسمه، أشير إلى أنه يمكن تصنيف المواقف الموجودة في كل مجتمع، إزاءها، إلى ثلاثة أنماط كبرى: القبول المطلق/ الرفض المطلق وموقف ثالث هو الأقرب إلى الصواب في كثير من الحالات، حيث لا يمكن، إذا سلمنا بتعقد الظواهر الاجتماعية والتاريخية، وسلمنا بقدرة البشر، أفرادا وجماعات، على بناء واقعهم وصناعة مستقبلهم، أن نسلم بوجود مؤامرات شاملة محركة لكل الأحداث في مجتمع معين، أو في العالم بأسره. ما يمكن أن نقر به هو خطط واستراتيجيات لجماعات متنوعة من أصحاب النفوذ والمصالح في الداخل والخارج، تتحرك في اتجاهات مختلفة وتتصارع فيما بينها ويسعى كل منها إلى ضمان هيمنته ومصالحه بطرق مختلفة تنفيذا لمخططاته ورهاناته، كلما سنحت الفرصة لذلك وقد ينجح كل منهم أو بعضهم، بدرجات متفاوتة في تحقيق مآربه، لكن دون أن يعني ذلك طبعا التحكم الكامل في كل الظواهر والأحداث.

من المعطيات والحجج التي يمكن تقديمها في بناء الخطاب المناهض لعقلية المؤامرة وكل خطاب شعبوي:

  1. نظريات المؤامرة، كغيرها من الأفكار التبسيطية للوقائع والظواهر، موجودة منذ القدم وفي كل المجتمعات، لكن اليوم مع وسائل التواصل الحديثة، تمكنت من الانتشار السريع ويسّرت لأصحاب العقول المتماثلة أن يترابطوا وينشروا أفكارهم وبالتالي تراجع دور النخب في التأثير على مجريات الأمور في المجتمعات. لقد تطورت “صناعة التلاعب بالجماهير” وأصبح انتشار المعلومات المضللة والمعلومات الخاطئة ممكنا إلى حد كبير جدا.
  2. التسليم المطلق بنظريات المؤامرة التي يعتمدها الشعبويون، يعني إقرارا بأن غالبية أفراد المجتمع، دون إرادة حرة، لا يملكون مصيرهم وغير قادرين على تغيير واقعهم بأنفسهم، هم في حالة “قصور” و “عجز”، ينتظرون مساعدة البطل الشعبوي الذي سينقذهم من “فساد المتآمرين”.
  3. في سياق السلط التي يمنحها البطل الشعبوي لنفسه” كمنقذ تاريخي للوطن”، تحت شعار “تحقيق إرادة الشعب”  يمكن أن يتم التراجع عن كثير من الحقوق الأساسية  كحرية الرأي والتعبير وتكوين الجمعيات وقد تفقد المؤسسات الديمقراطية دورها في تنظيم الحياة السياسية وتكثر التجاوزات لمبدأ الفصل بين السلط الثلاث، ومبدأ المساءلة القانونية .
  4. الشعبوية تميز بين الناس وتقسّمهم إلى “نحن” و”هم”، “الأخيار والأشرار”، “صالحين وفاسدين”،  “مع الشعب وضد الشعب”، وهذا يمس من حق عديد المواطنين في المشاركة في إدارة الشأن العام ويتعارض مع مبادئ مثل عدم التمييز واحترام التنوع والإدماج وعدم الإقصاء والتهميش

وأختم برواية حادثة عشتها شخصيا في التسرع بالإقرار بنظرية المؤامرة، إلى حين معرفتي بحقيقة الأمر مؤخرا وهو ما دفعني إلى كتابة هذا النص : كشف دليل التوجيه الجامعي لسنة 2009 ، أن وزارة التعليم العالي قد اتخذت قرارا بدمج الإجازتين الأساسيتين في التاريخ والجغرافيا في إجازة واحدة.  كما ألغت “الإجازة الأساسية في علم الاجتماع”. من الآراء والكتابات التي اطلعت عليها في سياق التفاعل مع القرار المذكور، أن تلك القرارات جاءت في “إطار تطبيق منظومة إمد” ولها “مقاصد مباشرة” وأخرى “خفية“. أما “المقاصد المباشرة” “فهي “استهداف الكليات العريقة التي تُدرّس التاريخ والجغرافيا والمعروفة بتمسكها بالمبادئ السامية للتعليم العالي وتسيير المؤسسات الجامعية وبالحريات الأكاديمية والاستقلالية الفكرية والتي كثيرا ما يكون أساتذتها سباقين في معارضة السياسة المسقطة والقرارات الزجرية والفوقية للوزارة… أما المقاصد الخفية فهي  لتهميش التكوين الأساسي في الجامعة التونسية وتنفيذ مشروع القضاء على علوم الإنسان والمجتمع في إطار منظومة تربوية معولمة وتقسيم دولي للأدوار لا يسند منها لبلدان العالم الثالث إلا دور مستهلك الأفكار والقيم التي تنتج وتصاغ في البلدان المهيمنة…” [3] وغير ذلك من الخطاب الذي تبنّيتُه حينها ولم أشك لحظة في وجود مؤامرة ، وطنيا ودوليا، وراءه .

ما من شك في صحة القول بوجود منظومة رأسمالية عالمية لتقسيم العمل، وهي ترجع في نشأتها، إلى أكثر من أربعة قرون[4]، موظفة مجلوبات العلوم والتكنولوجيا لتجدد نفسها وتضمن استمرار هيمنتها على العالم، وما من شك أيضا في تراجع الاهتمام بالعلوم الاجتماعية بداية من تسعينات القرن الماضي في عديد الدول، لكن واقعيا، لا علاقة مباشرة لكل ذلك بما حدث في تونس سنة 2009 ولا صلة مباشرة له بأية مؤامرة لا دولية ولا وطنية. فقد علمت مؤخرا عبر أحد أصدقائي، ممن كان مطلعا على دواليب وزارة التعليم العالي، بخبر الحادثة التي وقعت زمن حكم بن علي، بين وزير تعليم عال وعميد لإحدى الكليات بالعاصمة، حيث لاحظ الوزير خلال زيارته للكلية لائحة نقابية معلقة ببهو الكلية متضمنة لتشهير بسياسة وزارة الإشراف ودعوة للإضراب. فطلب من العميد إزالتها، رفض العميد ذلك، فنشأ حوار ساخن بين الطرفين أصر فيه كل منهما على موقفه. ويبدو أن الوزير لم ينس تلك الحادثة التي أثارت غضبه، إذ تبيّن لاحقا أنه تدخل في عمل إحدى لجان التأهيل الجامعي القطاعية قُبيل إصدار دليل التوجيه الجامعي2009، بفرض مجموعة من “القرارات الانتقامية” ظهرت جليا في دليل قائمة الشعب التي تضمنها دليل التوجيه الجامعي لتلك السنة [5].


[1]   سبق أن نشرنا بجلنار أربع “مفارقات تونسية”، تحمل العناوين التالية:  

“تساؤلات حول الديمقراطية والانتخابات في تونس اليوم”

” تساؤلات حول دور النقابات في تونس زمن الانتقال الديمقراطي”

 “الجدل المتجدد حول التعليم النموذجي في تونس”

و”تساؤلات حول اختبارات مناظرتي (السيزيام” والنوفيام) في تونس”

[2]  انظر قائمة نظريات المؤامرة بموسوعة ويكيبيديا

[3]  دون اسم للكاتب، جريدة “الطريق الجديد” التونسية عدد 145 الصادرة يوم 12 سبتمبر 2009، ص5

[4] كما علّمني ذلك جيدا الأستاذ فرج اسطنبولي، في إطار شهادة علم اجتماع التنمية سنة 1990

[5]  كان للوزير نفسه موقف غاضب أيضا من عميد آخر، رفض الانصياع إلى قبول قائمة من 7 طلبة أمر الرئيس السابق زين العابدين بن علي بترسيمهم بكلية الطب بتونس، كما تعوّد أن يفعل سنويا، لكن العميد رفض ذلك وفضح الأمر عبر تعليق القائمة الاسمية للطلبة السبعة الذين تم رفض تسجيلهم( مع ذكر معدلات نجاحهم في الباكالوريا.)

أكمل القراءة

صن نار