تابعنا على

جور نار

فُقاعة التعليم العالي الخاص في تونس…

… تتضخّم وتتعاظم وتؤكّد أن تعليمنا أضحى بسُرعتين !

نشرت

في

ليس أمرا مأساويا في نظري أن تتضافر جملة من العوامل التاريخية والسياسية والاجتماعية لتنمو المبادرة الخاصة ويتوفّق رأس المال إلى اكتشاف مكامن جديدة للاستثمار وتوليد الثروة، لأن ذلك من طبيعة اقتصادات السوق ومن صميم منطق “وضع الأموال في المعاقل التي تُنتج أموالا”.

منصف الخميري Moncef Khemiri
منصف الخميري

لكن ذلك يكون مُستساغا أكثر عندما يتعلق الأمر بقطاعات اقتصادية وصناعية وتجارية وخدميّة مُشغّلة لأعداد كبيرة جدا من التونسيين، وقادرة على إعادة تمركز  “منتجات الذكاء التونسي” في خارطة العالم، بما يُدعّم اقتصادنا ويُعدّل موازيننا ويُعزز سيادتنا. أما أن تبلغ “الخصخصة” مستويات فاحشة في ثلاثة مرافق بعينها: التعليم والصحة والنقل… فذلك مؤشر خطير على تراجع الدولة عن دورها الحاسم في حماية الخدمات الاستراتيجية والحيوية، وضمان حق من لا موارد لديه في خدمات تُضاهي في جودتها ما تجود به المؤسسات الخاصة على من هم أقدر على الدّفع.

فالأمر لا يتصل هنا بالحق في السّفر للجميع ولا بالحق في الاصطياف للجميع ولا بالحق في المسكن واللباس اللائقين للجميع … كل تلك الحقوق رغم مشروعيتها تخلّى عنها الجميع لانتفاء شروط تحقّقها في اللحظة الراهنة، ولترتيبها نسبيا في أسفل سلّم الأولويات الحيوية… لكن أن يُصبح التعليم الجيد غير مكفول إلا لمن يسلخ جلده حتى يوفر المبالغ الكبرى التي تطلبها المؤسسات الخاصة، وأن تتدنّى خدمات كبرى المستشفيات إلى ما تحت مستوى مراكز الخدمات الأساسية، وأن تقتصر الأدوية التي تتوفر بصيدليات المستشفيات على “الكينة” والأسبيرين، وأن تُعاني الأمرّين وأنت تنتظر وسائل نقل عمومية كأنها عُدّت لنقل المواشي… فذلك واقع يُنذر بخراب مُعمّم وانقسام الخدمات العمومية نهائيا إلى واحدة ذات جودة عالية خُصّت بها الطبقات الاجتماعية الميسورة، وأخرى متدنية المستوى تكتوي بنار رداءتها جموع الفقراء والمتروكين لحالهم على رصيف الحياة.

وهذا ما تقوله الأرقام في ما يخص التعليم العالي الخاص في تونس :

___ تَبيّن من خلال دراسة أنجزها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية سنة 2021 حول التعليم الخاص في تونس بين سنة 2010 و 2020،  أن تطوّرا بـ 500 %  سُجّل في عدد المُلتحقين بالتعليم الخاص بما جعل عدد المدارس الابتدائية الخاصة يمرّ من 102 سنة 2010 إلى 600 مدرسة سنة 2020. وهو ما جعل عدد المسجلين في التعليم الابتدائي يرتفع من 21 ألفا إلى 98 ألفا (+ 355 %  )

___ وفي الإعدادي والثانوي مررنا من 292 مؤسسة إلى 445 سنة 2020.

___ وحسب المعطيات الرسمية لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي تضاعف تقريبا عدد مؤسسات التعليم العالي الخاص مسجلا ارتفاعا من 45 مؤسسة سنة 2012/2013، إلى 80 مؤسسة سنة 2022/2023 .  وتطور عدد الطلبة المسجلين في مؤسسات التعليم العالي الخاص من 21880 سنة 2012 /2013 إلى 44988 سنة 2022/2023 .  في حين كان نصيب القطاع الخاص من الطلبة لا يتجاوز 4.5 %  سنة 2012 ليبلغ 14.7 %  سنة 2023.

___ أما عدد أصحاب الشهائد المتخرجين من التعليم العالي الخاص فقد مرّ من 3259 سنة 2012 إلى 11238 متخرجا سنة 2022 (أي تضاعف حوالي 4 مرات). بحيث أصبح عدد المتخرجين من مؤسسات التعليم العالي الخاص حوالي 18 % مقارنة بمجموع أصحاب الشّهائد الجامعيّة المتخرجين من منظومة التعليم العالي. (بينما كان لا يتجاوز 6%  سنة 2012).

ويتبيّن من خلال هذه الأرقام بكل وضوح أن نسب التطور التي سجّلها قطاع التعليم العالي الخاص في ظرف وجيز، يعادل أضعاف المرات ما سجله من تطور خلال عقود بأكملها. بما يدفع للتساؤل حول طبيعة العوامل السياسية والاجتماعية التي أدّت خلال العشرين سنة الماضية إلى انتعاش هذه الشبكة من المؤسسات الجامعية الخاصة، بعدما ظلت مقتصرة لسنوات طويلة على التعليم الثانوي (اختصّت بصورة أساسية في استيعاب من لفظتهم منظومة التعليم العمومي وبقوا مستمسكين بإمكانية تجاوز عقبة الباكالوريا، ومواصلة دراساتهم الجامعية أو تحصيل المستوى الدراسي الأدنى لضمان المشاركة في مناظرات معينة مثل الأمن والحماية المدنية والديوانة والجيش الوطني).

كما يتّضح أيضا أنه إذا استمرّ نسق التطور على هذا النحو السريع والمتصاعد. فنسبة الخُمس تقريبا التي يتمتع مرفق التعليم العالي الخاص اليوم بها من مجموع المنظومة الوطنية للتعليم الجامعي، قد ترتقي خلال السنوات القليلة القادمة إلى مستوى النصف لتتأكد بشكل نهائي صورة التعليم العالي بسرعتين : سرعة لأبناء الميسورين الراغبين في متابعة دراستهم الجامعية في اختصاصات يميلون إليها أكثر من غيرها وتُفضي إلى آفاق تشغيلية أفضل من غيرها (أو الاثنين معا… وهي الصورة المثالية التي نتمنّاها لكل بناتنا وأبنائنا) وسرعة ثانية أقرب إلى التمهّل والمشي البطيء لمن لم يسعفهم لا وفرة المال ولا فيض الذكاء والتميّز فاختاروا مُكرهين سُبلاً وعرة لا ينجو من لؤم مفاجآتها وإكراهاتها إلا النّزر القليل.

ثلاثُ ملاحظات أخيرة بشأن فقاعة التعليم العالي الخاص في تونس

أولا : نصيب الأسد لتكوين المهندسين

عدد الطلبة المسجلين في المراحل التحضيرية للدراسات الهندسية وفي الاختصاصات الهندسية وشهائد الاختصاص (22339 طالب) هو بالضبط نصف العدد الجملي للمسجلين بالتعليم العالي الخاص  (44988) والموزعين على شهائد الإجازة والماجستير في باقي الاختصاصات، وهو مؤشر يدلّ على معرفة العائلة التونسية باتجاهات التشغيلية في تونس وفي العالم اليوم، وبالاستطاعات المطلوبة من قِبل صيّادي الرؤوس في سياق اقتصادي مُعولم.

ثانيا : العلوم الانسانية والاجتماعية واللغات لا تُغري القطاع الخاص

23715 هو العدد الجملي للطلبة في مجالات الإعلامية والملتميديا والاختصاصات الهندسية و”التقنيات ذات العلاقة” مقابل 550 طالبا فقط في الفنون و79 طالبا في الآداب و 1291 طالبا في الحقوق و42 طالبا في الصحافة وعلوم الاتصال و311 طالبا في “علوم الاجتماع والسلوك”. ذلك يعني أن المنزع العام لتطور قطاع التعليم العالي الخاص تُهيمن عليه اعتبارات السّوق والحاجة إلى العمليّاتية المباشرة للمتخرّج، وليس للتوليفة التكوينية المتوازنة التي من المفروض أن تكون متعددة الأبعاد تتصل فيها الكفاءة العملياتية بالنواحي الفلسفية والانسانية والفنية والتواصلية التي لا تقل أهمية عن التكوين الأساسي من أجل تشكيل شخصية الشاب ونحت توازنها.

ثالثا : ما يعجز عن تحقيقه مجموع النقاط في العمومي، تُحقّقه الأموال في القطاع الخاص

من أهمّ أوجه عدم التكافؤ المسجّل في العلاقة بين التعليم العالي العام والتعليم العالي الخاص، أن المؤهلات المطلوبة لولوج الاختصاصات التي تؤويها الجامعات الخاصة أدنى بكثير مما تفرضه نفس الاختصاصات في الجامعات العمومية (مثل الدراسات الهندسية والأقسام التحضيرية التقليدية والمندمجة والاختصاصات شبه الطبية وحتى شعبة الحقوق…) لكن في النهاية يجد جميع الطلبة أنفسهم هنا وهناك بنفس الشهائد ونفس الآفاق. ويبرز هذا الاختلال خاصة في علاقة بالاختصاصات شبه الطبية (التمريض والتبنيج والعلاج الطبيعي والتصوير الطبي والتغذية وتقويم النطق …) التي تستوعب الآلاف من الطلبة نجحوا في الباكالوريا بمعدلات عاديّة في جامعات خاصة بعينها، بينما لا يدخلها في العمومي إلا بعض العشرات وبمعدلات عالية جدا (حيث يتجاوز أحيانا مجموع نقاط التبنيج مثيله المطلوب في كليات الطب أو الصيدلة). والأدهي أن هؤلاء المنتمين إلى القطاع الخاص يُجرون تربصاتهم في المستشفيات العمومية قبل التخرّج… لتجد وزارة التعليم العالي نفسها مُجبرة على منحهم شهائد المعادلة (أقول مُجبرة لأن بعض المؤسسات لا تحترم إجراءات التسجيل في هذه الاختصاصات) وتسجيل أرقام إضافية لطالبي التشغيل في القطاع العام.

أكمل القراءة
تعليق واحد

1 Comment

  1. نجاح

    12 فبراير 2024 في 07:47

    ما يقع في هذه القطاعة ينذر بالخراب

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

شموع تقهر الظلام

نشرت

في

في الحياة مصادفات وأحداث لا نملك تصريفها، ولكنها تتحفنا أحيانا بمفاجآت سعيدة وأناس رائعين ينسونك ما يدبره لك آخرون من مكائد ونكائد.

محمد الزمزاري Mohamed Zemzari
محمد الزمزاري

وبالمناسبة، فقد أنهى صديقي المخرج المصري د. علاء نصر هذا اليوم زيارته لتونس وهي زيارة اتسمت بعديد اللقاءات مع الأصدقاء الكثر من سينمائيين ومخرجين وممثلي بعض الشركات ..وكانت لقاءاتي الخاصة معه متميزة و مثمرة ونرجو ان تتجسم اكثر عن طريق بعض المشاريع التي تداولنا فيها الحديث لصالح السينما التونسية، رغم بعض الصعوبات التي نواجهها دوما ..

ودعنا الصديق المخرج الكبير ومدير مهرجان “كام” العالمي الذي ينتظم بالقاهرة كل سنة بالإضافة إلى إدارة الجمعية المصرية للثقافة و الإعلام والفنون ورئاسة عديد لجان التحكيم بتونس والمغرب و مصر و بعض البلدان الخليجية. ومنها أنه ترأس خلال هذا الاسبوع لجنة التحكيم لمهرجان صفاقس للافلام القصيرة و الوثائقية، قبل أن يصطدم بتأجيل معرضى الثقافي الصحفي السينمائي الذي كان سيشرف على افتتاحه يوم السبت.

الا اننا قلبنا كل الموازين و من باب رب ضارة نافعة، فقد افسح هذا التأجيل لي وله خاصة مساحة من الزمن للقاءات و نقاشات مثمرة و متعددة …وقبل سفره إلى قاهرة المعز، ابى صديقي العزيز علاء الا ان يهديني عضوية بالجمعية المصرية للثقافة و الإعلام والفنون وكذلك عضوية بمهرجان “كام” الدولى السينمائي مشكورا …نرجو له كل التوفيق

أكمل القراءة

جور نار

ورقات يتيم … الورقة رقم 7

نشرت

في

حياة السيدة علياء ببو / أسرار تروى لأول مرة - YouTube

سن العاشرة في حياتي ـ واتصورها في حياة جل الاطفال ـ سن بداية الادراك لابجدية بعض معاني الحياة وهي ايضا سن التفطن لبعض السلوكيات التي لم نكن نفقه فيها الكثير …

عبد الكريم قطاطة
عبد الكريم قطاطة

في تلك السن مثلا بدأت اكتشاف المذياع من خلال مقدم جيران جدد لنا (عائلة ملاك) عائلة احبتني واحتضنتني بورك فيها ورحم الله امي عويشة والصحة لبقية افراد عائلتها، ثلاثة عزاب وبنت …كنت طفلهم المدلل وكنت وخاصة في العطل المتمتع بتأشيرة اقامة دائمة بحوشهم الاكثر رفاهة من حوشنا …غرفه مأثثة وسط داره مغطى (بمعنى آخر كامل الاوصاف فتني) وفي الحقيقة “وما حب الديار سكنّ قلبي ولكن حب من سكن الديار” وهنا اعني المذياع ولا شيء غيره …ضربة البداية كانت مع دعوتهم لي صبيحة الاحد للاستماع الى برنامج الاطفال (جنة الاطفال للسيدة علياء) ودعوني اوضح امرا هاما في هذه النقطة …

ان كل ما اقوله في هذه المرأة العظيمة لن يفيها حقها …منذ اللحظة الاولى التي استمعت الى ذبذبات صوتها وهي تفتح البرنامج بمقدمتها الشهيرة الدائمة: صباح الخير يا لولاد … ويرد عليها الاطفال بـ: صباح الخير سيدة علياء … احسست بوقع سحري ينفذ الى اعماق اعماق اعماقي … كنت ارى في صوتها نهرا ينساب في كل خلية من جسدي …كنت اشاهد في ضحكاتها احيانا وفي عتابها الجميل لاطفالها، ذلك الملاك الذي يرفرف بجناحه الابيض ليحملني تحت ابطه ويحلق بي في عوالم جميلة … كنت احسد (ولا اقول اغبط) لان مشاعري انذاك كانت بالفعل حسدا لمجموعة الاطفال الذين يشاركون معها في الحصة …

تمنيت ان اكون محمد الامين الغربي، احد اشهر الاطفال في التمثيل في حصتها … او مريم الجربي التي انطلقت كمطربة مع السيدة علياء وهي بنية صغيرة وواصلت الغناء كمطربة شابة لم يكتب لها النجاح … كانت تتغنى بالاغنية البوز انذاك “عاد ابي للدار من عمل النهار” … وكنت خاصة اكره شديد الكراهية “عم راشد” الذي يشاركها في بعض فقرات الحصة … اكرهه لا لشيء الا لانه ياخذ مني صوت السيدة علياء لنزر قليل من الوقت … ولأن الزمان يعيد نفسه (عذرا لاساتذة التاريخ) فانني كم ضحكت وانا اتصفح رسائل المستمعين عند تنشيطي لبعض البرامج بشكل ثنائي مع بعض الزملاء …هؤلاء المستمعون الذين يعبرون عن ضجرهم من الوقت الذي ياخذ فيه زميلي المصدح …. ولا اشك ان عديد الزملاء الاذاعيين يعبر لهم مستمعوهم عن نفس الشعور …

كنت اتسمر كل احد بداية من الساعة الثامنة والنصف امام مذياع الجيران في انتظار جنة الاطفال التي تنطلق مع تمام التاسعة … اتذكر جيدا ان الجنة كانت مسبوقة دوما باغان فكاهية … المورالي والخميسي والسملالي والجراري وغيرهم… وكانت الساعة التي اقضيها في ترشف الجنة جنة بحق …فيها ما لا عين رأت، رغم الخيال المجنح الذي اعيشه فتتحول الكلمة الى صورة بالابيض والاسود (الالوان لم يحل ركبها في ذلك الزمن) ولكن فيها أذن سمعت وسمعت وسمعت …. وهنا لابد من الاشارة الى ان حلمي الذي كان يقتصر على رؤية هذه المرأة العظيمة في تأطير اجيال واجيال من الاطفال لم اكن اطلاقا اتصور انه سيتحقق وبشكل رائع الى حد الثمالة …

في نهاية التسعينات وفي احد اعياد ميلاد اذاعة صفاقس ارتأيت ان يكون عيد الاذاعة عيدين …ارتأيت ان ارد الجميل لعلمين من اعلام الاذاعة، السيدة علياء ومحمد حفظي رحمهما الله … واثثت البرنامج الخاص حولهما باعتبارهما رمزين من رموز الاذاعة … بكل امانة همي الاكبر كان: هل توافق هذه الاستاذة في تلبية الدعوة؟ اعني هي التي كانت تهمني بدرجة اولى وثانية وثالثة واخيرة …_ ولكم ان تتصوروا سعادة تلميذ في الكتّاب وهو يستقبل سيدته علياء في حصة دامت 8 ساعات ….ياااااااااااااااه كنت منذ اللحظة الاولى لانطلاق البرنامج “مزبهلا” بهذه القامة الفارعة اعلاميا وكنت كثيرا ما استرق النظر الى عينيها علني استشف منها بعض الرضى … قلت استرق النظر لاني والله لم اكن قادرا على التحديق في مقلتيها …يا لكاريزمتها ويا لضعفي … يا لجبروتها الجميل الممتع ويا لـ …لست ادري ماذا بالنسبة لي …

هو خليط من الانبهار والفخر والخوف من اية زلة او حرف يخدش سمفونية اللقاء …كنت والله كتلميذ يكتب انشاء وينتظر رد فعل معلمه بكثير من الرهبة والخوف على ما كتب …كانت متقدمة في السن نعم …ولكنها ولأني احبها بشكل خرافي كانت ليلتها عروس البرنامج وكانت الملكة بتاج فكرها وبحنية عواطفها …انها السيدة علياء وما ادراك …ولكم الان ان تتصوروا سعادتي في خاتمة البرنامج وانا اسالها بكل رجاء وخوف ان تختم اللقاء بكلمة حرة …صمتت السيدة علياء بعض الثواني ـ القرون ثم نظرت لي بعين الام الحنون وقالت …يا ابني عبدالكريم اقسم بالله العظيم انني وانا التي دعيت لعديد البرامج الاذاعية والتلفزية لتكريمي، اقسم انني لم احس بالسعادة التي احسست بها الليلة … لن انس هذه الليلة يا ابني العزيز عبدالكريم …

ياااااااااااااااااااااااااه انا ابنها العزيز … وانا الذي كم تمنيت ان ابوس رجلها وامسح لها نعلها …تماما كما كنت افعل مع والدتي رحمهما الله … الاوسمة عند العديد يُفتخر بها عندما تأتيهم من هياكل وطنية او دولية …والاوسمة عندي هي “يرحم اللي ولد وربّى” يقولها المستمع مهما كانت الشريحة التي ينتمي اليها عمريا تعليميا جنسيا اجتماعيا … اعترافا بالجميل … والوسام عندي ان تخرج البعض من ظلمات الامية الى تعلم الكتابة ثم القراءة (ام غسان من مساكن، وحدهم العرف من الرقبة تطاوين، رحمها الله ) والوسام عندي ان تقف الى جانب الفتاة الريفية وانت تستشعر بقدرتها على الكتابة رغم محدودية مستواها التعليمي فتبث فيها الارادة والحب والامل واذا بك تفاجأ بها يوما قصاصة (بنت القرية من وذرف)…

والوسام ان يقف امام مبنى الاذاعة في ثورة الخبز مواطن عادي قبل بداية برنامجي الصباحي (العاشرة صباحا) ويرجوني بكل قوة ان لا امتع لساني في مثل هذا اليوم حتى لا نفقدك نحن احباؤك …و لان تونس في حاجة لك ولامثالك __هكذا قالها ذلك الموطن العادي _بدجين ومريول وعيناه تبرقان خوفا ورجاء وصدقا …. 1996 ثم افاجأ سنة بموظف عال في وزارة الداخلية بعدد من النجوم تحلي لباسه ليقول لي: نعم هو ذاك انا الذي وجدتني امام مبنى الاذاعة يوم ثورة الخبز … ويضيف احباء تونس في كل القطاعات يا سي عبدالكريم … اخيرا وليس آخرا …الوسام ان تقول لي السيدة علياء لن انسى هذه الليلة يا ابني العزيز …كنت اكو ن اقل سعادة لو وصفتني بالمنشط الناجح …افهموها ماذا تعني عندي …انا ابنها العزيز ….

هكذا كانت البداية مع المذياع …ولان سيدي ابن آدم يعطيوه الكرع يمد ايدو للجديق … اصبحت وخاصة في العطل (وهي ثلاثة سنويا …نصف شهر لعطلة الشتاء …نصف شهر لعطلة الربيع … وثلاثة اشهر لعطلة الصيف).. اصبحت مقيما يوميا في دار الجيران كامل اليوم باستثناء وقت الغداء…الوالدة رحمها الله كانت تهددني بغلق سفارتنا مع دار الجيران ان انا تغديت معهم (“عيب كيفاش ناكلو في دار الجيران ..اش يقولو علينا ؟؟”)..ولاني كنت شديد الخوف في طفولتي تجاه والدتي الى درجة انها كانت تقول لي قف والله كان ما تاقفش نقتلك …فاذعن واقف … كنت انفذ تعليماتها دون جدل اوجدال …يااااااااااااااااااااااااااااه كم هي جميلة حتى في دكتاتوريتها التي لم اع عمقها الا في مراحل متقدمة من عمري وساعود لتلك الدكتاتورية في ورقات قادمة …

اقامتي بـ”ريزيدانس” ملاك اصبحت يومية وبدات اكتشف القامات والهامات في الاذاعة الوطنية انذاك …انذاك ونظرا لغياب عالم التنشيط تماما كانت كل البرامج مسجلة تقريبا باستثناء الاخبار والمباريات الرياضية والربط بين البرامج الذي يقوم به مذيعو الربط … في مثل هذه الحالات اذاعيا الصوت هو المحدد لاختيار المذيعين …ويكفي ان اذكر بعض الاسماء : عادل يوسف عبدالعزيز الرياحي نجوى اكرام، وفي تقديم الاخبار محمد المحرزي حامد الدبابي (نشرة الصباح) احمد العموري وخاصة منير شما …الذي انتقل في ما بعد للعمل باذاعة لندن …كانت حنجرات ذهبية ونطقا سليما وهيبة دولة …اعني هيبة اذاعة …هذه الهيبة الاذاعية التي “مرمدوها” في هذا الزمن الرديء وساعود حتما لهذا المحور في ورقات اخرى…

الاذاعة ايضا انذاك كانت في النهار مقتصرة في برامجها اما على الجانب التوعوي او الغنائي ولعل اشهر البرامج الغنائية انذاك قافلة تسير اسبوعيا مع اسماعيل الحطاب (اغان شعبية بدوية) وخاصة برنامج اغنية لكل مستمع وهو برنامج يعتمد على اهداءات الاغاني والمصدر الوحيد انذاك قصاصات مجلة الإذاعة … من الحادية عشرة الى منتصف النهار … كذلك كانت هنالك برامج تمثيلية وهذه كانت تستهويني جدا …كنت منبهرا بصوت الممثل محمد الهادي وبعبد السلام البش وفاطمة البحري وجميلة العرابي رحم الله من مات منهم … وكان لهؤلاء وخاصة محمد الهادي تأثير كبير على حبي للالقاء خاصة ….مما جعلني ابرز فيه في نشاطي المدرسي بالتعليم الثانوي (مسرحا) مع المرحوم عياد السويسي وشاركت انذاك في مسابقة جهوية للالقاء ترأس لجنة تحكيمها العملاق المسرحي حسن الزمرلي وفزت بالجائزة الاولى بقصيدة الزوج القاتل لتيمور (احببتها حب الوليد لامه… ورعيت هذا الحب لا اتبرم ، هذا مطلعها) وتختم ببيت المتنبي (لا يسلم الشرف الرفيع من الاذى … حتى يراق على جوانبه الدم ) …

لست ادري كيف يتعامل المستمع في هذا الزمن مع جهاز المذياع …كنت لا احس به الا وانا احتضن الجهاز وكان الجميع يخافون على “كريّم” من التيار الكهربائي …لم تكن بطاريات انذاك …وكانت امي عويشة رحمها الله تردد (مرحبا بيك في كل وقت اما رد بالك من الكوران… اش يصير فينا يا وليدي وكيفاش نسلمو من عيادة لو كان لا قدر الله يضربك الكوران) وكأن احساسي لا يكتمل ومتعتي لا احس بها الا والمذياع في حضني …تقولون القدر …؟؟؟.. فبحيث لربما… انذاك كانت المحطة الوحيدة التي استمع اليها يوميا الاذاعة الوطنية …لذلك لا اشكال مع الجهاز (راديولا او فيليبس) حيث تتثبت الابرة على موجة الاذاعة الوطنية حتى موعد تقاعدها …

في تلك السن ايضا اكتشفنا السينما ….اي نعم …لقائل ان يقول كيف ذلك وانا الذي لم اقصد يوما المدينة الا عندما حملني ابي للمصور (الزواري بنهج الباي) لاعداد صورة لبطاقة التعريف المدرسية التي نستطيع بها ا ن نجتاز امتحان السيزيام … نعم كانت اول مرة في حياتي اغادر فيها “قبيلة” الساقية لاكتشف صفافس المدينة وكان هنالك مصوران فوتوغرافيان فقط الزواري والفريخة ثم التحق بهما بعد زمن بللعج …الان بين مصور ومصور (وهم في جلهم اشباه مصورين) تجد مصورا …السيد الزواري رحمه الله كان يعمل مع اخيه …اخوه للاستقبال وللاستخلاص وهو يمكيج للحرفاء …والماكياج هنا يقتصر على مشط الشعر وإلباس الحريف من الصغار فيستة وكرافات … ولمعلوماتكم فيستة وكرافات وحيدة …لذلك يسهل على الجميع معرفة هوية المصور من خلال العلامة المميزة والمشفرة والمسجلة في دفترخانة ايزو (الفيستة والكرافات) …

اذن كيف لنا ان نذهب الى السينما ونحن لا نعرف يوما المدينة ..؟؟؟ بسيطة … السينما كان يأتي الينا ….نعم كانت كتابة الدولة للارشاد والثقافة والاعلام تخصص حافلات تنتقل الى عديد القرى لتزيح عنهم كابوس القلق المقرف من جهة، وذلك ببعض الافلام المصرية التي عادة ما تكون اما غنائية (فريد وعبدالحليم خاصة) او افلام الصحيح فيها ما يموتش (فريد شوقي المليجي وتوفيق الذقن) … ولكن ومن جهة اخرى وهذا هدف ايضا من اهداف تلك السيارة ….كانت هذه العروض مسبوقة دوما بنشرة اخبارية لأهم الاحداث في ذلك الشهر، السياسية منها والرياضية وبصوت الكبير احمد العموري .. .وطبعا تبدأ هذه السيارة الحافلة منذ العشية في الترويج لبرنامجها وكان كل ما يهم الاب الشعرواي سماع جملة (اماكن خاصة بالنساء) …انذاك يصدر الاب قراره المعتق للرقاب بكلمة (سيكورو) وهي نفس اللفظة الايطالية والتي تعني الامن، لا خوف على الحريم …شفتو الوالد رحمه الله كم كان متعدد اللغات …

كنا نخرج على بكرة ابينا للحدث …النساء متلحفات بسفاسيرهن وبعضهن بخامة سوداء على نصف وجوههن (النقاب التونسي) والاطفال انصاف حفاة انصاف عراة …والكبار من الشباب يتزينون ويحلقون اللحية محافظين على الشنب رمز الفتوة والرجولة انذاك، طامعين في نظرة عابرة على صبية تتعمد اما رفع صوتها على اخيها الذي يريد ان يتخلص من قيد معصمها وهي تولول (اقعد هوني يعطيك رشقة) … وهي في الحقيقة تريد من بعض الشباب ان يستمعوا الى صوتها العذب والذي هو غالبا ما يكون “يفجع” … ولكن اشكون يعرف … يمشي الجافل ويجي الغافل… او هي تتعمد اطاحة السفساري من على راسها ليظهر نصفها الاعلى وهي ايضا طامعة في ان تعرض بعض محاسنها علها تجد العريس الذي طال انتظاره (وهي في السابعة عشرة من عمرها) …على فكرة، وصول الفتاة في ذلك الزمن الى سن العشرين دون زواج يعني مصيبة لها وللعائلة… خاصة والنساء العجائز في السن يرددن على مسامعها _(يا بنيتي ما تتشرطش خوذ اول واحد يجيك ماهو الا راجل ..اما خير والا تقعد بايرة) …وترد المسكينة واسنانها تعزف نغمة الغضب الشديد: بالله سكر عليا كشختك عزوزة الستوت هذي …احنا لقيناه باش نتشرطو …وترد العجوز ..كلمتني يا بنيتي ..فتردف الصبية لا لا نغني في يا تكسي الغرام …

قدوم تلك السيارة كان مهرجانا باتم معنى الكلمة …. ولعل ما اتذكره جيدا اننا في تلك السن كنا نتفاعل خاصة مع افلام القصص التي يلتقي فيها فريد شوقي والمليجي اذ تصل درجة تفاعلنا مع البطل (فريد شوقي) الى الصياح، ومحمود الملليجي يتصيده وراء جدار _(“رد بالك اهو قفاك” او “اوكة قفا الكاناباي” أي الفوتاي) … وكم تكون فرحتنا وتصفير البعض منا (سواي لاني لم اجد يوما فن التصفير) كم تكون فرحتنا كبيرة وفريد شوقي “يدمدم ” المليجي او الذقن و_يفرشخو تفرشيخ …

اصل بكم الان الى سنة هي ايضا مفصلية في حياتي كطفل …انها سنة السيزيام …يااااااااااااه اعيدها لجيلي: الا تحسون. باليتم معي .؟؟؟؟ …

أكمل القراءة

جور نار

التنمية المحلية … أساساتها

نشرت

في

جريدة الصباح نيوز - المشاريع الكبرى في تونس.. تعطل انجازها فتعطلت معها عجلة  التنمية

تمت الأحد الدورة الثانية لانتخاب المجالس المحلية، وها أن نتائجها تخرج تباعا، وأهم نقطة ركز عليها خصوم هذه الانتخابات (وكل انتخابات، والنظام برمّته) هي ضعف نسب المشاركة …

عبد القادر المقري Makri Abdelkader
عبد القادر المقري

لن نخوض في جدل طويل حول دلالة هذا الضعف في الإقبال ولن نفسره حتى … إذ لم تفعل ذلك الهيئة المكلفة بالموضوع فلماذا نفعله نحن؟ … ثم ها عندك صفحات الرافضين ملآنة من الطرف للطرف بما يفسر ويقشّر ويسب ويقشتل، فماذا سنقول؟ … على كل فإن موقفنا كان دائما مع رفض الرفض، أي مضادا لكل مقاطعة سلبية حصلت سواء قبل 25 جويلية أو بعده، قبل 2011 أو بعدها، قبل 87 أو بعدها … فكل معارضاتنا فشلت منذ عرفناها ولم تقدم للبلاد أملا ولا مثلا ولا نية عمل … دائما هذا الكسل المزمن الذي يختبئ تحت لحاف الانتخابات غير الديمقراطية والنظام اللاوطني والظروف غير المواتية … ورغم توفر كل هذا في بعض الفترات بشهادتهم، فإنهم إما قاطعوا من جديد، أو شاركوا وأرسوا بنا على صفر مدوّر …

نكتفي بهذا الرأي عن المشاركة والمشاركين، ونتوجه رأسا إلى الهدف من تنظيم اقتراع كهذا … المجالس المحلية … أولا ولمن يرون فيها بدعة أو إحدى تخريجات قيس سعيد ومفهومه للدولة وتمثيلياتها، نقول إن هذه المجالس قائمة الذات في تونس على الأقل منذ سنة 1994 … وقد عشناها كمسؤولين في بعض الجهات عندما كانت لا تتم بالانتخاب … بل كانت مجمعا لممثلي مختلف الوزارات في معتمدية ما، ومعهم نائبون لما يسمى بالمنظمات الوطنية، أما الحزب الحاكم فلم يكن منصوصا عليه بالإسم، ولكن كان يحضر تبعا لجملة وردت في القانون المنظم وهي: (من يرى رئيس المجلس فائدة في استدعائهم)…

وكم تمنيت لو أننا في إطار استمرارية الدولة وربح الوقت، لو أننا قمنا بدراسة التجربة وماذا أعطت وماذا لم تعط … هو أولا ومنذ 2011 ضاعت أخبار تلك التجربة ويبدو أنها نُسِفت من جملة ما نُسف، فجماعة ما بعد 2011 لا يعترفون بوجود دولة رغم أنهم احتفظوا منها بما يفيد أشخاصهم ومقربيهم … وثانيا حتى في العهد السابق لم تكن تؤخذ هذه المجالس على ما يبدو مأخذ الجد … فقد كانت حلقة أخرى تنفيذية لسياسة عليا أعدت مسبقا، مهمتها خاصة تبليغ الحاضرين بالجديد في قانون المالية مثلا ومستجدات القرار المركزي … أقول “يبدو” وقد تكون هناك عمليات أفضل تمّت ولم نحط بها …

المهمّ أن الشأن المحلي إذا نظرنا إليه كما يقع في بلدان أكثر تقدما، هو الشأن الأهمّ بين كافة شؤون البلاد … عليه تبنى السياسات ومن الجهة وخصوصياتها تنطلق مسيرة تلك الدول … وقد خضنا قليلا ذات مرة هنا على جلنار، في نماء جهات العالم الغربي (وحتى الشرقي باعتبار جزر اليابان وشبه قارة الصين) وتحديث أريافهم واكتساب مدنهم تنوّعا مثريا مخصبا هو أبعد ما يكون عن تصحّرنا المزمن في نمط واحد … وعلى سبيل المثال كل المدن الفرنسية هي مدن سياحية، دون أن يتبجّح ماكرون بأن بلاده قائمة على السياحة … وجميع مدن إيطاليا وإسبانيا تُزار من كل شعوب العالم، ومع ذلك لا يتجول مسؤولوهم بين العواصم مرتدين “جبة” إيطالية أو إسبانية وفوقها شاشية تحتها مشموم فلّ وفي اليد لافتة مكتوب عليها بانتظــــــــــام (I ❤️ Sidi Bou )

قلنا جميع المدن هناك سياحية … حتى لو كانت بعيدة عن البحر والرمل والنخيل وسوق النحاس … الجبل له سياحته، والمنتزه الأخضر له سياحته، والمعلم التاريخي له سياحته، ومتاحف الآثار لها سياحتها، ومتاحف الفن الحديث لها سياحتها، ومنازل العظماء ومدافنهم (بما فيها قبر كارل ماركس … في لندن !) لها زائروها، والمهرجانات لها سائحوها، وأماكن الوقائع الكبرى كذلك وغيرها وغيرها … والأهمّ من ذلك، توجد في جميعها وفي ما بينها أماكن للراحة وفنادق ومطاعم ومقاه ومرافق وخاصة دورات مياه عمومية نظيفة مصونة على ذمة القادمين والمارين والمقيمين … وهذا ما لا يمكن أن تجده في تونس ولو قلعت حاشاك عينك وبُستها من هنا ومن هنا …

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة

صن نار