تابعنا على

جور نار

قفا نبْكِ

نشرت

في

“قفوا لهم و ارفعوا القبّعات و أركعوا تحت أرجلهم”

لقد كبر ساسة هذا البلد و كبرت رؤوسهم صلفا و عنادا

و بقينا نحن سذج التمائم و البخور و عبدة الوهم الحقيقي!! …

mongi chalbeoui
منجي شلباوي

من بقي منا على قيد الحياة؟

من صحّح أخطاء الحياة؟

من كذّب يقين الموت الكافر لهذا الوجه المكرّر؟

ماذا يجري؟

ماذا يجري بالضبط؟

كم من أصابع هذه الكف قد انكسرت بانكسار حائط المبكى الذي يتكئون عليه ؟

كم من أصابع هذه الكف قد وقفت مع هؤلاء السماسرة و باعة الكلام المعلّب ؟

كم اصبعا سترتفع الآن؟؟ كم؟

لم يعد بامكاننا قبول هذا…

«ستوب»! لو سمحتم…

لو سمحتم توقفوا عن فعل هذا و أعيدوا لنا وجهنا الضائع فمازلنا على قيد الحياة!! …

بنينا من أشلاء الآخرين مايشبه وطنا لم نعد نعرفه، لم نعد نتلمس ملامحه…

صرنا شتات ظل ذليل تسكنه جراح مفتوحة مثل كتاب «البؤساء».

استسلمنا لحبه مثل طفل شريد… أعادوه الى أبويه

مثل عجوز محفورة على قسمات وجهها تجاعيد غبار السنين،

سنين عشقها الزاهر الواقف عند عتبات منزلها البعيد..

صرنا ذكرى… أو هكذا أرادوا!!

” ستوپ “…

ضاقت رقعة الشطرنج..

لا مبرّر لمزيد من الأخطاء…!

أصبح هذا البلد سفينة في عرض البحر مفتوحة على جميع الاحتمالات تثقبها الحماقات من الجهات الأربع…!

… امشوا في حال سبيلكم.

ضاقت بكم الأرض و الأكف و الدماء و الأعصاب!!

فلا أنزلتم الوحي الموهوم و لا أعدتم السعادة للتعساء و لا بنيتم مساكن للفقراء،

فلا شيء غير الزبد الذي لم يذهب جفاء و الخيبات المتتالية سنوات جمر مرّة!!

لا شيء غير… ” قفا نبك ”

لا شيء غير ذلك اطلاقا..!!

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

عشرُ حكايات طريفة احتفظت بها دفاتر التوجيه عبر السّنين

نشرت

في

هذه ورقة تُريد لنفسها أن تكون مرِحة صرفة لا غرض من وراء نظمها سوى التّرويح على النفس وتهوئة أيّامنا المُعوزة وتمضية بعض الوقت مع حكايات طريفة.

منصف الخميري Moncef Khemiri
منصف الخميري

هذه الحكايات هي من الواقع عشتُها شخصيا ولا مجال فيها للتركيب أو التأليف وأشعر أنه قد يكون من المُفيد تقاسمها معكم…والدليل على طرافتها أن ذاكرتي الهرِمة مازالت تحتفظ بها إلى يوم الناس هذا. وقد حذفت منها بطبيعة الحال الأسماء الحقيقية وكل التفاصيل الغادرة حفاظا على خصوصية أصحابها وتأكيدا على براءة مقصدها.

الحكاية الأولى : تضمن الدولة مقعدا لكل طالب جديد

كان شغفها مثل آلاف التلاميذ التونسيين كبيرا بشعبة الطب وكانت مسيرتها الدراسية متميزة جدا خلال كل المراحل إلا أن مجموعها النهائي خذلها وحال دون تحقيق طموحها الأكبر في تلك السنة… فكتبت مطلبا وضعت فيه كل ما تملك من قوّة تعبير ومن فِطنة وذكاء كذلك، قالت فيه “… كنتُ الأولى دائما منذ السنة الأولى ابتدائي ولولا هفوة صغيرة في اختبار الفيزياء يوم امتحان الباكالوريا لتحصّلتُ على أفضل المعدّلات… أرجو أن تراعوا هذا وأن تُمكّنوني من دراسة الطب حلم حياتي وأنا مستعدّة لأن أجلب معي كرسيّا خاصا أجلس عليه أو حتى أفترش الأرض داخل القسم حتى لا آخذ مقعد طالب آخر…”.

الحكاية الثانية : القيام ببحث سرّي

“…أقسم لكم سيدي الوزير أن لي رغبة ملحة في الصيدلة مع إمكانية الحصول على اختراع brevet إثر البحث الذي سأقوم به في أطروحتي والخاص بنبات برّي تونسي جرّبه والدي بصفة سرية ضد الروماتيزم.”  هكذا علّلت إحدى الناجحات في الباكالوريا مطلب إعادة التوجيه الذي تقدّمت به للحصول على شعبة الصيدلة.

الحكاية الثالثة : بين ضحيّة وعُشاها

سي عبد المُعطي قرّر فجأة العودة من ألمانيا بعد أن قضّى فيها سنوات عديدة مع عائلته وكان من أوّل الصعوبات التي واجهتهُ تسجيل أصغر أبنائه (مستوى باكالوريا) بالمعاهد التونسية وتمييزه بإجراءات خاصة جدا تُمكّنه منها وزارة التربية لاجتياز امتحانات باكالوريا رياضيات، خاصة بالنسبة إلى مواد الفلسفة والفرنسية والعربية … وبعد رحلة طويلة تمكّن (فائز) من النجاح في الباكالوريا ولكن بمعدّل متوسط لم يسمح له بالحصول على شعبة “اللغة والآداب الألمانية “، فعاد إليّ مذعورا ورافقته في توجيه ملف خاص إلى وزير التعليم العالي وبقينا في انتظار الرد.

تأخّر ردّ وزارة التعليم العالي نسبيا لكن صديقنا لم يتردّد في التعبير عن انشغاله خاصة مع اقتراب موعد انطلاق السنة الجامعية الجديدة فقال لي : سامحني سي فلان

ça devient vraiment « inquiétable » على خاطر المشاكل هاذي في ألمانيا تتحلّ بين ضحية وعُشاها.

الحكاية الرابعة : الشيميك فيزي

كان السيد “ش” موظفا بمصلحة التجهيز بإحدى المندوبيات الجهوية للتربية وكان مسؤولا عن تزويد مخابر الفيزياء والكيمياء بمستلزمات التجارب والمستحضرات من مجاهر ومحركات مغناطيسية ونماذج للقلب البشري وعدسات بصرية ومعدّات مخبرية… راجعني مُدافعا بشراسة عن ملف إعادة توجيه مدرسي لتلميذة من عائلته وأجهش بالجملة التالية : والله صدقني طول عمرها باهية في les matériels scientifiques وخاصة في الشيميك فيزي لكن هذا العام للأسف تراجعت أعدادها قليلا ونجحت بمعدل متوسط.

الحكاية الخامسة : المعهد الوطني للنخيل بقابس

كنت بصدد تنشيط حصّة إعلامية مع تلاميذ الباكالوريا في أحد معاهد الوطن القبلي وكان يُرافقني مدير تلك المؤسسة. وفجأة قاطعني هذا الأخير مستغلاّ إشارة مني إلى التنافسية الشديدة التي تشهدها بعض شعب التعليم العالي وما يُحتّمه ذلك من ضرورة العمل الجادّ بشكل مبكّر من أجل الحصول على أفضل المعدلات … وتوجّه إلى التلاميذ : ما قاله الأستاذ صحيح لكن هاني باش نزيد نفسّرلكم أكثر، راهو كان ما تخدموش على أرواحكم من توّة يا إمّا ما تنجحوش جِملة وإلا تنجحو بمعدل ضعيف وترصّيلكم تقراو في المعهد الوطني للنخيل بقابس !

أكّدت له بعد انتهاء الحصة أنه لدينا معهد عال للغابات والمراعي بطبرقة لكنه لا يوجد معهد وطني للنخيل بقابس. فردّ عليّ مازحا : أنا متأكد أنهم سيبعثون مثل هذه المؤسسة طال الزمن أم قصر ! فمازحتُه بدوري قائلا “وأنا متأكد مثلك أنهم سيبعثون المعهد العالي للرمّان بتستور قريبا”.

الحكاية السّادسة : تقنيات علوم القضاء

كان لدينا منذ 20 سنة تقريبا شعبة جامعية قصيرة أُطلق عليها تسمية “تقنيات علوم القضاء” وهي شعبة تنتمي إلى مجال الحقوق والعلوم القانونية لكنها كانت مُمَهننة أكثر ويتخرّج منها (نظريا) أعوان المحاكم ومساعدو المحامين وعدول التنفيذ والإشهاد والمترشحون للعمل بمكاتب الاستشارات القانونية، الخ…

بعد انتهاء جميع عمليات التوجيه الجامعي وعند فتح دورة النّقل وإعادة التوجيه، زارني تلميذ تونسي حاصل على الباكالوريا من أحد المعاهد الفرنسية بتونس وكان محتجّا على الشعبة التي تحصّل عليها مُطالبا بتمكينه من شعبة جامعية أخرى بدلا عنها. فسألته عمّا يُزعجه في الاختصاص الذي تحصل عليه والحال أن ذلك هو ما طلبه في الرتبة الأولى على بطاقة اختياراته (بعد مراجعتها في السجل الإلكتروني لباكالوريا ذلك العام)… لم ينفِ كونه عمّر ذلك الاختيار في المقام الأول لكنه أكّد لي أنه لا يُتقن اللغة العربية وبحكم أنه لا توجد ترجمة فرنسية لشعب التعليم العالي “خِلتُ أنكم تقصدون “تقنيات علوم الفضاء” techniques spatiales les  وليس علوم القضاء !

الحكاية السّابعة : من الوريد إلى الوريد

هذه مهنٌ رصدتها في مطالب بعض الطلبة المترشحين لدورات إعادة التوجيه :

  • مهنة الوالد : عون مخابرات (والمقصود حارس غابات مكلف بالإشعار في حالة نشوب حرائق)
  • مهنة الأب : تصليح الدراجات العادية والنارية أحيانا
  • الأب تاجر نباتات برية نافعة وغير ضرورية (والمقصود نباتات غير ضارة)
  • أبي لا يعمل بصفة مسترسلة وسلوكه مضطرب جدا مرة هكة ومرة هكة ما تعرفش عليه من الوريد الى الوريد.  
L’attribut alt de cette image est vide, son nom de fichier est عشرُ-حكايات-طريفة-احتفظت-بها-دفاتر-التوجيه-عبر-السّنين-2.jpeg.

الحكاية الثامنة : 3 مطالب إعادة توجيه باسم نفس الفتاة

ورد على الإدارة العامة للشؤون الطالبية بوزارة التعليم العالي ذات سنة ثلاثة مطالب إعادة التوجيه باسم نفس الطالبة الجديدة الناجحة في الباكالوريا، وما كان لافتا للانتباه أيضا أن الشعب المطلوبة كانت مختلفة ومتواجدة بجهات مختلفة وأن المطالب كانت مكتوبة بخطوط مختلفة. وبعد التثبّت اتّضح أن المطلب الأول كان من وضع والدها القاطن بالدندان والراغب في إعادة توجيه ابنته إلى كلية الآداب بمنوبة غير بعيد عنه ونِكاية في والدتها المُطلّقة، والمطلب الثاني حبكته والدتها القاطنة بالمنزه والراغبة في إعادة توجيه ابنتها إلى المعهد العالي للغات بحي الخضراء بالقرب من مقر سكناها، والمطلب الثالث من صنع التلميذة نفسها التي أرادت التمرّد عليهما معًا فطلبت شعبة بجامعة المنستير للإفلات من “حبّ لأبويها لم تعد تعرف كيف توزّعه” كما قالت أو ربّما لمُعاقبتهما – حسب رأيي-  على ما فعلاه بها.

الحكاية التاسعة : انعدام الثقة في مصداقية الإدارة وضرورة مُراوغتها

تلك ظاهرة حقيقية يتقاسمها الشباب الناجح في الباكالوريا ولمستها شخصيا لدى عدد غير قليل من المترشحين للتوجيه الجامعي، وتتمثل في قولهم بأنه يستحيل على الإدارة التونسية أن تُمكّنك من اختيارك الأوّل حتى وإن كان لك الحقّ في ذلك، وبالتالي هم يلجؤون إلى ما يسمّونه “مُراوغة الإدارة” بوضع الشعبة المرغوب فيها بشدّة في الترتيب الثاني … فيتحصلون أحيانا من سوء حظهم على الاختيار الأول الذي لا يرغبون فيه في الواقع.

الحكاية العاشرة : المُعرّف الوحيد

كان يُطلب من المترشحين لإعادة التوجيه الجامعي ضمن الملفات الاجتماعية، رقم المعرّف الوحيد للأب المنخرط في صندوق الضمان الاجتماعي أو صندوق التقاعد للتأكد من حقيقة الوضع الاجتماعي للعائلة. ففي إحدى المرّات بدلا من وضع رقم أو رمز الانخراط كتب أحد الأولياء : 

المعرّف الوحيد : زوجتي.

أكمل القراءة

جور نار

هل بدأت مؤشرات وقف إطلاق النار في غزة؟

نشرت

في

لقاء لـ 75 دقيقة بين بلينكن وإردوغان.. وتركيا تطالب بوقف إطلاق النار -  الجريدة ـ لبنان

لأول مرة تقريبا منذ الهجوم الصهيوني النازي ضد المدنيين الفلسطينيين، تشير تصريحات وتحركات متلاحقة إلى ان الحرب على غزة لن تطول اكثر من اسبوع او اسبوعين قبل التوقف التام حسب بعض معطياتنا ..

محمد الزمزاري Mohamed Zemzari
محمد الزمزاري

لعل اهم هذه المعطيات ان اغتيال قائد كتائب الشهيد عز الدين القسام بلبنان صالح العاروري يعدّ بالنسبة للكيان تنفيسا عن فشله أمام مقاومة صلبة بغزة اوقعت في جيش الاحتلال وقياداته خسائر جسيمة جدا … وذلك رغم مكابرتها وطمسها للحقائق أمام الإعلام ومنعه من الوصول إلى أخبار الحرب والاعداد الحقيقية الكبيرة التي سقطت من جنود صهاينة و ضباط وآليات حربية بصورة يومية.

أما المعطى الثاني فقد صرحت اسرائيل خلال يوم أمس بأنها بأن عدد المقاومين الذين قتلتهم منذ 8 ديسمبر إلى الآن يناهز 6000 ..في حين انهم لم يقدموا فعليا اي إثبات لوقوع أسرى او شهداء من مقاتلي المقاومة وإنما قد يدخل هذا التصريح مع ما جاء من اغتيال القائد الحمساوي صالح العاروري (كإحدى الحالات النادرة التي نجح الاحتلال في الوصول إليها) في خانة استعادة ماء الوجه و تلميع الصورة التي لطالما تباهى بها الجيش الصهيوني وقد يلبي نسبيا عطش نتنياهو النازي لحماية حكومته و بقائه في السلطة التي أوقع نفسه على شفا الطرد منها وحتى المحاكمة …

المعطي الاخر هو تضاعف كمّ ونوع الضربات الآتية من حزب الله و الفصائل الفلسطينية التي قامت امس السبت بضرب بعض القواعد الصهيونية كرد فعل اولي على اغتيال قياديها العاروري… ورغم صلفه المتواصل وسياسة النعامة التي ينتهجها، فإن الاحتلال ليس من مصلحته فتح جبهة واسعة على شمال الأرض المحتلة مع حزب الله و المقاومة الفلسطينية المتموقعة جنوبي لبنان … ثم إن الاتجاه العالمي المندد بالصهيونية لن يسمح للكيان بتنفيذ مزاعمه بتدمير لبنان …

لعله من الملاحظ أيضا زيارة “كاتب الدولة” الأمريكي أنتوني بلبنكن ولقاؤه مع الرئيس التركي أردوغان خلال يوم أمس وما قيل فيها من ضرورة وقف الحرب بغزة، رغم ما ردده بلينكن عن ضرورة الا يعاد هجوم 7 أكتوبر على الكيان الصهيوني … وهذه وغيرها مؤشرات تؤذن بأن حرب غزة تسير نحو الايقاف الإجباري خلال أيام قد لا تطول.

أكمل القراءة

جور نار

التَيمُّم … وسياسة ترشيد استهلاك الماء !

نشرت

في

مراحل التيمم | المرسال

كنت خارجا لتوي من حبث دفعت ما جاء في أثقل فاتورة استهلاك ماء غير صالح للشرب، عكس ما يقال … فالحقيقة هي أن اغلب المياه التي توزعها الدولة لم تعد صالحة للشرب كما كانت وكنّا نعرفها، هي فقط وفي بعض المدن والجهات بالذات صالحة للاستحمام وغسل الأواني ومآرب أخرى...

محمد الأطرش
محمد الأطرش

أقول كنت خارجا بعد أن دفعت “دمّ قلبي” كما يقال حين اعترضني أحد أصدقائي من الدُعاة المدافعين والمنظرين الشرسين لتحوّل الخامس والعشرين من شهر جويلية، وهو أمر لا يهمني كثيرا فانا مع حرية الانتماء والاختلاف والتصفيق… قصفني هذا الأخير قصفا عشوائيا بابتسامة عريضة ناسفة قبل أن يقترب منّي وكأنه يدعوني إلى جلسة حول فنجان قهوة يحاول خلالها تحويل وجهتي إلى فرقة “الله واحد الله واحد” التي يديرها صحبة بعض المصفقين…والمطبلين…الافذاذ…البررة…

اقترب منّي وفتح ذراعيه مرحّبا ومحتضنا وكأني غبت عنه لسنوات، وقال “ما بك وكأنك خارج من معركة اليرموك يا صديقي؟” نظرت إليه وقلت له “حياتنا كلها أصبحت معارك يا (سعيد الصحاف)…واليوم كانت لي مشاركة في معركة القادسية”

{أسميته بالصحّاف منذ عرفت أنه من المصفقين المطبلين المدافعين دون حجة ولا برهان وبكل الطرق عن التحوّل المبارك الثاني الموافق للخامس والعشرين من جويلية، فالصحاف كان يلمّع صورة صدام وجيشه ويبالغ في نشر الاخبار الزائفة عن هزائم الأمريكان والحقيقة أنه لا يعلم شيئا عما يحدث على بعد أمتار منه… }

 قلت له: حياتنا أصبحت كلها معارك، ففي اليوم الواحد نقضي أكثر من ساعة ونصف ونحن في معارك رصّ الصفوف طمعا في الظفر والفوز برطل من السكر أو بعض المواد المفقودة التي أصبحت مواعيد وصولها وبيعها تُرصد برؤية الهلال كرمضان والعيد أو من خلال ردّ خبر من أحد الذين يعملون في الفضاءات الكبرى… وأضفت: كنت قبل قليل أدفع ما لم أدفعه منذ ولدت خلاصا لفاتورة استهلاك الماء فسعر المتر مكعب من الماء الآتي من الأرض والسماء ارتفع ولم ترتفع قوّة تدفقه، رغم أني ومنذ أكثر من شهر أعاني من قطع في التزويد لا أحد نبهني عن حدوثه مسبقا لمدّة تقارب الأربع ساعات يوميا، إضافة إلى ضعف قوة التدفّق التي نعانيها منذ اشهر الأمر الذي أعادنا إلى أكثر من أربعين سنة إلى الوراء فــ”الطنجرة” عادت للظهور في منازلنا لتسخين الماء للاستحمام وغيره…فضعف قوّة التدفق لا تسمح للسخان المنزلي بالعمل ويضطرنا للعودة إلى العادات التي تركناها حين تصورنا اننا ارتقينا وتطورنا وتقدمنا كبعض الدول الأخرى التي سبقتنا…

قال وهو يستعد لدخول المقهى “حكاية الصفّ يا صديقي هي منفعة لا مثيل لها لشعبنا اليوم…فالصفّ هو أفضل مكان لإعادة العلاقات والودّ بين الأصدقاء والأحباب، فالصفّ للظفر برطل من السكر يجمع الجميع رغم اختلافاتهم، وهو المكان الأنسب اليوم للالتقاء والتقارب وتبادل الآراء بعد أن تمّ القضاء على الأحزاب التي فرقتنا، وشتتت أهدافنا، فالهدف الذي يجمعنا أصبح واحدا وهو رطل السكر أو أي مادة ضرورية مفقودة…وحين نُوحّد أهدافنا ذلك هو الكسب الكبير لهذه البلاد…” كاد يغمى علي مما سمعته من “الصحّاف” والتزمت الصمت خوفا من أن أغضبه وأتسبب في خلاف لا موجب له…

جلس “الصحّاف” أمامي حول طاولة في مقهى “عمّ احمد العطشان” وقال وهو يبتسم ابتسامة لا أعرف معناها “ولكم في ذلك منافع كثيرة وأنتم لا تعلمون”، ضحكت ملء شدقي وقلت ” أأصبحت منظرا وتحاكي في قولك ما جاء بالقرآن الكريم يا صحّاف الكذّاب؟؟” قال”والله لا لكن سأكون واضحا معك فأنا أقرب منك فهما وتحليلا لما يريده الحكام بأمرهم في هذه البلاد وفي ما يفكرون …” قلت “وما هذه المنافع يا صحّاف…؟؟” قال “أولا لانقطاع وضعف تدفق الماء واضطراركم للعودة إلى عادة تسخين الماء في “الطنجرة” منفعتان أولاهما تعويض سياسة تحديد النسل التي نجحت تونس فيها وتركناها منذ سنوات، فحين تدرك انك لن تكون قادرا على الاستحمام بالماء الساخن دون ان ترهق نفسك بالتسخين وما إلى ذلك من معاناة ومشقّة “الطنجرة” ستضطرّ إلى النوم باكرا وستؤجل برنامج معاشرة زوجتك حتى اشعار آخر، وبذلك قد تنخفض نسبة الولادات بحوالي عشرة آلاف مولود سنويا وهو أمر قد يفيد الدولة والعائلات في إطار ترشيد مصاريف الدولة، وتحديد نسب الاستهلاك عموما…

 كما يساهم ذلك في بلورة الميزانية العامة للدولة ومنوال تنموي جديد تؤخذ فيه بعين الاعتبار نسبة التطوّر السكاني السنوي في البلاد، وأنت تعلم جيدا حجم تكاليف مولود جديد ومصاريفه اليومية في زماننا هذا، وما ستدفعه الدولة غدا حين يصل إلى سن الدراسة وصولا إلى التخرّج من الجامعة…كما يساعد ذلك الأمر على استشراف سياسة التخفيض من نسب البطالة والحدّ منها في الأجيال القادمة…أما ثاني المنافع فهي العودة إلى وسيلة شرعية في الوضوء وهي “التيمّم” فالتيمّم من الوسائل الشرعية في ترشيد استهلاك الماء والحفاظ على الثروة المائية، كما أن التيمّم والتخفيض من عدد مرّات الاستحمام شهريا سيساعد على الحفاظ على مخزوننا من المياه في المائدة المائية وسيحدّ من أزمة الماء التي بدأت تلقي بظلالها على أغلب دول العالم… وفي كلتا المنفعتين قد توفّر الدولة لخزينتها سنويا حوالي مليار من الدنانير …أظنّك فهمت ما أقصد يا صديقي؟؟؟ “

استغربت قوله ولم أصدّق ما سمعته منه ونظرت إليه قائلا “لا تقل لي أيضا إن فقدان بعض المواد الأخرى له منافع بعدد شعر الرأس…؟؟” أجابني “لا…لا… تلك مسألة أخرى، مؤامرة خارجية من بعض الدول العظمى بمساعدة بعض العملاء من الداخل… فبعض الدول لا تريدنا أن ننعم بهذا الاستقرار وهذا التحديث الذي تعيشه اغلب مناحي الحياة في بلادنا، كما أن ديمقراطيتنا الاستثنائية التي أصبحت حديث الدنيا لم تعجب بعض الذين يريدون زرع الفتنة في صفوف هذا الشعب…” قلت “حديث الدنيا… دنيا اشكون؟ أهذه قراءتك لما يقع بالبلاد يا صحّاف ؟؟” قال “نعم طبعا وهي قراءة سليمة خالية من كل مغالاة ومن كل عاطفة، هي قراءة محايدة وعقلانية…يا صديقي” قلت “بكم كيلوغرام من العلف اليوم في سوق الأعلاف يا صحّاف؟؟” قال “سل الحمير فأنا لست منهم…”

نظرت إليه وغادرت المكان وأنا أقول في خاطري… أين النخبة المثقفة في هذه البلاد لماذا تركت مكانها لأمثال “الصحّاف” ليكذب على الشعب ويغالط أصحاب القرار ويهدم كل ما بنيناه سذاجة وحقدا وانتقاما؟؟ أليست النخبة هي من يتحمّل هموم المجتمع وتوجيهه الوجهة الصحيحة…أليست هي الاقدر على تسليط الضوء على ما هو كائن، وما يمكن أن يكون؟؟ أين إعلامنا الذي نعرفه سابقا ؟؟ ماذا يمكن أن نغيّر في ظل الصمت المُريب للمُثقف، وخوف السياسي الغريب، وواقع الإعلام المُفزع والمبكي والمخزي…

أليس الاعلام هو من ينير السبيل لمؤسسات الدولة لتعرف ما يجب ان تفعله لصالح هذا الشعب؟؟ لماذا نترك إعلام الباطل يُسكت إعلام الحقّ… لماذا فسحنا المجال ليتوهّم أصحاب الباطل انهم على حقّ؟؟ ماذا جلب لنا التصفيق والتأليه والتطبيل سابقا أأفادنا في إصلاح حالنا وأحوالنا وحال الوطن؟؟ لا… فلم يصرّ بعضنا على مواصلة التصفيق؟؟ لماذا يقبل بعضنا بأن يكبّل الباطل ألسنتهم ويلجم افواههم ويخدّر ضمائرهم؟؟ أين الأحزاب من كل هذا الذي يجري، لماذا أخفت رؤوسها في التراب؟؟ ألم يحن الوقت لتنظّم نفسها وتبتعد عن الانتهازية السياسية واغتيال الضمائر بمفاهيم ضيقة خانقة، ومدمرة لمستقبل البلاد والعباد…أليس هذا دورها التوعوي الذي كثيرا ما فاخرت به؟؟

ابتعدت عن المكان وأنا أقول “الله يرحمك يا بورقيبة…برنامجك للتنظيم العائلي يتواصل بالتيمّم وهجر زوجاتنا في الفراش بسبب انقطاع التزود بالماء الصالح للاستحمام وضعف تدفقه عبر الشبكة… فانقطاع الماء الصالح للاستحمام يعوّض وسائل منع الحمل الأخرى … نم هانئا… نم هانئا فنحن أصبحنا نعيش مهزلة ومأساة (الطنجرة) التي رافقتنا حين كنّا صغارا…مأساة تتكرر كل يوم في حياتنا ابتداء من لحظة قيامنا من النوم وخروجنا من المنزل إلى عودتنا إلى منزلنا وفراشنا للنوم ليلا…مع رفع زوجاتنا ليافطة كتب عليها “ممنوع الانتصاب…ولا تسألني عن الأسباب”…

فجأة شعرت بصوت يقول: “تي اشبيك دخت والا اشبيك…خلصت فاتورة الماء وإلا لا…” …كانت زوجتي، وجدتني نائما بعد أن أرهقني ثقل ما جاء في فاتورة استهلاك الماء… نظرت إليها وقلت “اشبيك يا صحّاف…اشبيك؟؟” قالت: “اشكون الصحّاف …؟؟؟ خلصت الماء وإلا لا…ترصيلناش يقصوه زادة …”…نظرت إليها وقلت: “الماء قوي زعمة…السخّان يمشي والا لا…”…ورويت لها كل ما وقع معي مع الصحّاف في حلم كنت اظنّه حقيقة…ضحكت وقالت: ” الماء ضعيف…يبطى شوية”…

أكمل القراءة

صن نار