تابعنا على

جور نار

لعلّهم يقرؤون

نشرت

في

في مدينة الحمّامات و تحديدا في ساحة الشلمَة القريبة من البُرج أقامت جمعية Léo club Hammamet  صندوقا بلّوريا جميلا و وضعت فيه مجموعة من الكتب للمطالعة المجّانيّة، بحيث تأخذ منها كتابا لتقرأه ثمّ تُعيده و تأخذ كتابا آخر… الفكرة جيّدة و معمول بها في أرقى العواصم و المدن العالمية التي تُشجّع على المطالعة و ترغِّبُ فيها… غير أنّه بين الفكرة و تطبيقها بَونٌ شاسع، فالصندوق البلّوري فارغ و لا أثر فيه لكتابٍ ولا أدري إن كان “بنو هلال” قد مرّوا من هناك و أخذوا كلّ الكتب أم أنّ الجمعية قد تناست فكرتها و لم تُزوّد الصندوق بما يلزمُ من منشورات و كتب…

bdiri
محمد الهادي البديري

و مهما يكن من أمرٍ فإنّ فكرة إنجاز هذا الصندوق للتشجيع على المطالعة هي في حدّ ذاتها فكرة جميلة و مبادرة تستحقّ التنويه مهما كان مآلها. و هنا لابدّ أن أشير إلى أن “مؤشر القراءة بتونس لم يعد يتجاوز 0.58 كتابا في السنة للفرد الواحد”.  و هو مؤشّر مُخيف بما له من إنعكاس خطير على الحياة الاجتماعية و الاقتصادية للتونسيين، إذ أنّ تدني مؤشر القراءة “يحيل مباشرة إلى ارتفاع منسوب الجريمة و الانحراف و الطلاق و غيرها من الظواهر الاجتماعية السلبية” كما ورد في أحد تقارير إدارة المطالعة العمومية بوزارة الشؤون الثقافية، إذ “يتم اعتماد مؤشر القراءة ضمن “بيانات التوتر و النمو و الثروة” و هو مقياس عالمي يُرغِّب المستثمرين أو ينفرهم”.

إنّ المتأمل في إشكاليات المطالعة بصفة خاصّة و القراءة بصفة عامة سواء كانت قراءة الكتب أو المجلاّت أو الجرائد يدرك حجم الكارثة التي حلّت بشبابنا … فإضافة إلى النفور من المطالعة من قبل ناشئتنا فإنّ عدم تعامل السلط العمومية بشكل جدّي مع هذه الظاهرة يجعل المشكلة مُضاعفة … فالإهمال الذي تُعاني منه المكتبات العمومية و عدمُ إقتناء الإصدارات الجديدة محليّا و عالميّا إضافة إلى تأخّر البرنامج القديم-الجديد الرامي إلى رقمنة المكتبات العمومية حتى تصبح متوفرة على النات و تُمكّن الراغبين في المطالعة من الاطلاع على محتوى المكتبات وتحميل العناوين عن بُعد، يجعل من مشكلة المطالعة مشكلة مُجتمعيّة تنضاف لما يرزح تحت وطأته مجتمعنا من مشاكل وصعوبات…

غير أنّ الأمل يبقى معقودا في جمعيات “أحبّاء المكتبة و الكتاب” التي أعرف عددا من ناشطيها و أدرك حرصهم على إحياء جذوة المطالعة لدى الناشئة و عموم الناس … و لكن دون مساندة حقيقية من السلط العمومية، لن يكون بإمكانهم تحقيق أهدافهم التي هي أهداف وزارة الشؤون الثقافية و أهداف المجتمع ككلّ.

أكمل القراءة
تعليق واحد

1 Comment

  1. فاطمة بية

    16 نوفمبر 2020 في 13:31

    مقال ملخص لحال القراءة في بلادنا وعند شبابنا خاصة .. والفكرة التي تحدثت في الحممات موجودة كما قلت يا سي محمد تقريبا في العالم الكل.. فمثلا هنا في فرنسا تتواجد في مدخل الغزات الكبرة . وامام دور النشاط الثقافي والممول هو المواطن .. كل من له كتب قراءها من زمان ياتي بها ويصعها في تلك الرفوف وياخذ من الكتب التي جلبها الاخر وهكذا يتم تبادل الطتب وتحصل الفائدة بقراءة مجانية ومتنوعة.. الفكرة يلزمها واعض انساني حتى لا يغلبون على بعضهم ما يفعلوه بني هلال .. ويلزمها اناس راغبيين حقا في القراءة والمطالعة من الورق بعيدا على شاشة الهواتف والحواسيب …

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

هل ستحدد معركة “خيرسون” مصير الحرب بين الروس والأوكرانيين؟

نشرت

في

لقد وصلت الحرب بين روسيا من جهة و اوكرانيا المدعومة بالاموال و أحدث الأسلحة و التدريب والتخطيط و المعلومات من دول الناتو وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية دفاعا ليس عن وطن كان تابعا للاتحاد السوفياتي ويحتضن أربع مقاطعات هامة ممن يتحدثون اللغة الروسية و يرغبون في الانضمام إلى بلدهم الام روسيا ..

محمد الزمزاري Mohamed Zemzari
محمد الزمزاري

يشار إلى ان انفصال اوكرانيا عن كتلة الاتحاد السوفياتي سابقا كان قد تم بطريقة لم تستجب لحدود اليوم إلى تسوية قانونية دولية او ترسيم حدود طبقا للقوانين الدولية ..وحاليا استعادت روسيا أثناء فترة بوتين الأولى والثانية من الحكم قوتها الاقتصادية و العسكرية مما آثار مجددا الرغبة الجامحة لدى أمريكا و من ورائها دول الناتو إلى اعتماد خطة جيوسياسية ذات طابع عسكري متمثلة في انتزاع حالة التحالفات الروسية مع الدول السابقة التي كانت تتبع الاتحاد السوفياتي وقد ساعد في نجاح هذه الخطة الأوضاع الاقتصادية للدول المذكورة للتضييق المتواصل على روسيا التي قد تعود خطرا مفترضا ..

لقد حشدت الدول الغربية و الولايات المتحدة “ارمادات” من القوة العسكرية والأسلحة المتطورة التي نصبتها على اراضي الدول المتأخمة لروسيا ..أما في اوكرانيا الورقة الأهم فقد تم ملؤها بالمختبرات المختلفة الأغراض السرية و دعم المنصات الحربية و المصانع النووية لتتوسع وتصبح على مر السنوات اللاحقة لتفسخ الاتحاد السوفياتي خطرا محدقا على أمن روسيا ..وكان على الولايات المتحدة و البلدان الغربية ان تحمي ترسانتها التي كانت في واقع الأمر تمثل الجزء الأهم من الخطة الجيوسياسية العسكرية ..

لم يكن بالامكان ان تمر هذه الخطة العدوانية تجاه روسيا منذ البداية .فكان لابد أن يتحرك بوتين باتجاه حماية حدود بلاده واسترجاع المقاطعات المحيطة التي تتكلم اللغة الروسية و تخضع لتهديدات من الجهات النازية ونظام اوكرانيا. هذا بالإضافة إلى أن هذه المقاطعات تعد ذات أهمية استراتيجية بالنسبة لروسيا وأيضا بالنسبة لاوكرانيا والغرب وهو ما يمثل خطرا على أمن روسيا ..

اليوم وصلت الحرب بين الروس و الغرب (بالوكالة) إلى أخطر مرحلة قد تحدد بوضوح اسميْ المنتصر والمهزوم بل قد تحسم مصير هذه المواجهات الدامية بين الطرفين … ذلك أن مدينة “خيرشون” التي تمثل اهم منطقة استراتيجية لن تتنازل روسيا عنها باعتبارها أصبحت أرضا روسية اثر الاستفتاء و أيضا اثر موافقة البرلمان الروسي ..وينتظر أن تمر خلال الأيام القريبة القادمة باعتى و افظع المواجهات التي دارت لحد اليوم باوكرانيا.

فمن جهة قد يدفع الغرب القوات الاوكرانية المهاجمة إلى تفجير سد الوادي الذي يقسم المدينة إلى نصفين لمحاصرة الجنود الروس. لكن كل هذه التفاصيل التكتيكية لن تفوت الخطط الروسية التي أجلت معظم سكان المدينة باتجاه خطة عسكرية كبرى ستحسم الحرب .. لذا وضعت الولايات المتحدة هذه الفرضية في الحسبان تبعا للتقارير المخابراتية واوعزت للرئيس الاوكراني بضرورة فتح حوار مع بوتين ..

.هل ستكون معركة “خيرسون” مدفنة كبرى للجنود الاوكران ؟ خاصة إذا عرفنا ان العقلية العسكرية الروسية قد برزت في الدفاع اكثر من الهجوم و أن المواجهة بـ”خيرسون ” تذكرهم بمعركة ^ستالينغراد” ضد النازية …الايام القادمة ستكشف كل نتائج هذه المواجهة الدامية بين الطرفين والتي يعتبرها بوتين خطا احمر بل قضيته الشخصية …

أكمل القراءة

جور نار

مساحة للمرح الهادف وأنتم تستقبلون فترة دراسية جديدة

نشرت

في

من ليس باستطاعته أن يضحك ويمرح، لا يجب أن نأخذ ما يقوله على محمل الجدّ أبدا… هكذا يقول الكاتب النمساوي توماس برنار.

منصف الخميري Moncef Khemiri
منصف الخميري

في محفل الخصال البشرية والعلائقية والاجتماعية المرغوبة، تُعدّ روح النكتة والدّعابة وإشاعة المرح من الشّمائل المستحبّة والمشتهاة لدى جميع من نتعامل معهم ضمن دوائر الأصدقاء والباعة والسّاسة والرؤساء. لكن استخدام روح الدّعابة بحنكة وبراعة ليس بالأمر المُتاح للجميع لأنه يقتضي من المتكلّم أن تكون لديه مهارات ذهنية متطورة جدا مثل الوعي بالذات وحذق تفاصيل اللغة وتعرّجاتها وإدراك طبيعة المشاعر الانسانية والتمرّس على رصد المعاني التي تؤثّث غير اللفظي والعفوية والتعاطف… والقدرة كذلك على إثارة المتعة والضحك لدى المتلقّي ودفعه دفعا إلى القول “كم هو ممتع الحديث إلى فلان، لكونه يملؤك ويشحنُك ولا يُفرغك، يُبهجك ولا يُحزنك، يُعلّمك ولا يُبلّدُك، يشدّك ولا يُنفّرك”. لذلك يُقال إن معاشرة إنسان بهيج وجذل وطروب أفيَدُ للفؤاد من شخص مغتمّ ومبتئس ومكروب… فيكفي التجهّم في السّماء على رأي إيليا أبو ماضي.

هذه بعض الحكايات والنوادر في علاقة بالتربية والمربين تعكس بالإضافة إلى طرافتها المؤكّدة قدرة خارقة على إيجاد الردود العفوية المناسبة في لحظات محدّدة :

الحكاية الأولى :

أستاذ جامعي حالِكٌ ومتجبّر وسيّء المعاملة مع طلبته كان بصدد تناول لمجة الغداء بمطعم الكلية، عندما جلس قبالته أحد طلبته المعروف بذكائه الوقّاد وتمرّده على كل الضوابط. بادره الأستاذ قائلا في نبرة تنمّ عن شيء من الاحتقار والاستهزاء “جميع الكتب التي قرأتها تؤكد دائما على أن الطيور والخنازير لا تأكل على نفس المائدة” !

لم يفكر الطالب طويلا قبل إجابته “آه، معذرة أستاذ، إذن دعني أحلّق”!

ظل الأستاذ صامتا كامدا غيظه أمام الصفعة المعنوية التي تلقّاها ردّا على محاولته استفزاز طالبه، وقال في نفسه لا بد من الانتقام منه هذا الوغد، فقرر إفراده بفرض مفاجئ خلال الأسبوع الموالي. وكان الأمر كذلك، لكن الطالب أجاب بشكل صحيح وبدقة متناهية عن كل الأسئلة المطروحة. أمسك الأستاذ ورقة الفرض وناداه إلى المنبر وطرح عليه إشكالا منطقيا مطالبا إياه بالإجابة عنه، قال له “كنتَ مارّا في الطريق وفجأة عثرت على كيسيْن، يحتوي الأول على أوراق نقدية والثاني على كمية لا بأس بها من الذكاء، أي الكيسيْن تختار ؟

–  “أختار الكيس الذي يحتوي على الأوراق البنكية بطبيعة الحال” أجاب الطالب

– “لماذا ؟ لو كنتُ مكانك لاخترت الذكاء بدون تردد” أردف الأستاذ.

– هذا طبيعي جدا أستاذ، لأن الناس بصورة عامة تختار الأشياء التي لا تتوفّر لديها !

بلغ الغضب مداه الأقصى لدى أستاذنا فحطّ ورقة الامتحان على المكتب وخطّ في طُرّتها بالقلم الأحمر “غبي وأحمق”… تسلّم الطالب ورقته والتحق بمقعده قبل أن يعود إلى الأستاذ بعض لحظات :

“عُذرا سيدي، لقد أمضيتَ لكنّك سهوتَ ولم تسندْ إليّ عددا.”

ما يُغريني شخصيا في هذه الحكاية هو النجاح في أن توجِع شخصا جديرا بذلك باستخدام “سلاح لغة الذّهن فقط” أو ما يسمّيه الفرنجة بــ les mots d’esprit أي باستعمال وسائل الثقافة بدلا من اللّجوء إلى وسائل الطبيعة المتألّفة من العضلات والهراوات. ومن ناحية أخرى، هذا النموذج من الأساتذة العُتاة موجود بوفرة في مدرّجاتنا الجامعية، فمنهم الدّون جوان والعدواني والشّامت والمقاول والمسافر أبدا والمتغيّب دائما … فوجب أحيانا إرجاعهم إلى حقيقة أحجامهم وتذكيرهم بأنه لن يبقى من مسيرتهم بعد “تعليق الحذاء” سوى خاصيّاتهم السيّئة التي عُرفوا بها.

الحكاية الثانية :

كانت جدّةٌ تتجول مزهوّة في شوارع المدينة رفقة حفيديْها، لمّا اعترضها شخص يعرفها، فبادرها بالسؤال : كم يكون عمر هذين الأميرين الصغيرين سيّدة جوزيفين ؟ أجابته على التوّ ودون طويل تفكير “الطبيب عمره 5 سنوات، أما المحامي فعمره 7!

ينطبق على هذه الحكاية مبدأ “النهاية أو المنتهى أو الغاية النهائية” telos في فلسفة أرسطو، والذي يعني “العملية المركزية التي تمارسها الغايات على الوسائل” لأن الإنسانية لها اتجاه، وهي تتطور باتجاه كمالها النهائي. أي أن الطفل ليس ما هو عليه الآن بل هو ما سيُصبحه في المستقبل. أو ليس هذا قفزا محمودا في المستقبل يؤثر إيجابيا في مُجريات حاضرنا جميعا ؟ !

الحكاية الثالثة :

في قديم الزمان، كان هناك أستاذ صيني يتنقّل بين مدينة وأخرى ليلقي في كل مرة محاضرة أمام جمهرة من المتعلمين والمهتمّين حول موضوع تقني معقّد. وكان يمتطي عربة تقليدية يقودها سائق من نفس سنّه تقريبا وكان هذا الأخير على درجة عالية من الفطنة والانتباه والقدرة على الحفظ.

وبعد عدة تنقّلات، انتهز السائق فرصة الاقتراب من المدينة التي ستحتضن المحاضرة الجديدة، فقال للأستاذ : “لقد حفظت تفاصيل محاضراتك بالكامل وأراهنك أنني أستطيع تقديمها عوضا عنك وكأنني أنتَ”.

– أجابه صديقه الأستاذ: “نعم قد يكون، ولكن كما تعلم يا صديقي المحاضرة يعقبها دائما سيل من الأسئلة التي يُلقيها الحضور، وعندها… لا أعتقد….”

– قاطعه السائق متحمّسا: “لا أعتقد أن ذلك يمثل مشكلا يا أستاذ لأنهم يطرحون دائما نفس الأسئلة وقد حفظت جميع الإجابات عن ظهر قلب.”

أُعجب الأستاذ بالفكرة وأغراه التحدّي فاقترح أن يتبادلا اللباس والأدوار وهما على مشارف المدينة.

أبدع السائق يومها وقدّم محاضرة رائعة متمكّنا من الردّ على كل الأسئلة التي ألقيت عليه لكونها أسئلة مكرورة يُعاد طرحها في كل مرة.

ولكن في نهاية الأمسية بادر أحد الحاضرين بطرح سؤال غير متوقّع وغير مسبوق. كان الأستاذ في آخر القاعة متنكّرا في لباس السائق يُتابع بانتباه ودهشة ما يحدث أمامه. وفجأة توجّه السائق إلى الأستاذ الجالس وراء الحضور مُشيرا إليه بإصبعه :

– “أصدقائي، لقد مثّلتم بالنسبة إليّ جمهورا بديعا، أنصتّم إليّ بتركيز كبير وطرحتم أسئلة صعبة جدا…ولكن وصلنا إلى وقت متأخر، لذلك نشعر كلّنا بتعب شديد… وهو ما يفسّر أننا كنّا بصدد الاستماع إلى سؤال غاية في السهولة بشكل حتى السائق الذي يرافقني والذي يجلس هناك قادر تماما على فكّ رموزه… وستكتشفون ذلك بأنفسكم. فتفضل صديقي لو سمحت ! “

نستطيع أن نقول إزاء هذه الحكاية أن :

قوّة العقل (مرة أخرى) لا تُضاهَى وأصعب المآزق باستطاعتنا التغلّب عليها إذا نحن تحلّينا بما يكفي من الدهاء والذكاء.

العِصامي – كما تعرّفه الكاتبة ماري إيموني-  ليس من يتعلّم كل شيء لوحده (وهو تعريف عار من أي معنى له دلالة حقيقية) بل هو من تكون معارفه غير مؤشّر عليها في أي شهادة ولا يدافع عنها أيّ كان.

أكمل القراءة

جور نار

تونس و ثقافة “هنّي على روحك” !

نشرت

في

هذه أسباب لفهم "احتكار" المجتمعات العربية لظاهرة تعدد الزوجات

أثار تصريح  فتحي تيتاي عضو الهيئة المديرة للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان بقفصة، الذي علّق فيه على حادثة  تعنيف أب لابنته و اعتدائه الشديد عليها ممّا تسبّب  لها في نزيف في أذنها لأنها رفضت الانقطاع عن الدّراسة للاعتناء بشؤون البيت، مبرّرا ذلك بمرض الزّوجة مرضا شديدا و مدافعا عن حق الزّوج قانونا وشرعا في أن يتزوج بامرأة أخرى مادامت زوجته عاجزة ،  و يترك البنت حينها تواصل دراستها.

عبير عميش

أثار هذا التصريح الكثير من ردود الفعل المتباينة بين مؤيّد  للفكرة (من أصحاب الفكر السّلفي الذين يريدون العودة إلى تعدّد الزّوجات ، ومن الباحثين عن البوز و المتطفّلين على عالم السّياسة و الإعلام) وبين مستنكر لأن يصدر تصريح كهذا عمّن ينتمي إلى الرّابطة و يدّعي الدفاع عن الحقوق في كونيّتها دون تمييز بين ذكر و أنثى .

ورغم بيان الرّابطة المتملّص من هذا الموقف، و رغم اعتذار تيتاي نفسه عن هذه “الزّلة” إلا أنّ التصريح أثار الكثير من الحبر و دفع إلى الواجهة هذا النّوع من التّفكير فما قاله لا يختلف كثيرا عمّا يقال في محيطنا و في مجتمعنا …  و هو ما يستبطن نظرة دونيّة للمرأة .. نظرة تجعل منها مجرّد كيان تابع للرّجل، مجرّد خادمة له و لبيته و أبنائه، مجرّد وعاء جنسي يحقّق من خلاله رغباته و متى عجزت عن القيام بأيّ من هذه الأدوار من حقّه تعويضها أو تغييرها مثلما يغيّر ثيابا أو حذاء و قد نسي الجميع انبناء الأسرة على المودّة و السّكينة و الأمان …و هو ما دفع البعض إلى التّساؤل : ماذا لو قلبنا الآية؟ ماذا لو كان الزّوج هو المريض، هل كانت زوجته ستتركه أو ستطالب بحقّها في أن تتزوّج بغيره ؟؟

إنّ كلّ ما نتشدّق به من ريادة المرأة التونسيّة و ما كفلته لها مجلّة الأحوال الشّخصيّة من حقوق، يبقى حبرا على ورق إذ نصطدم في الواقع بعقليّات مغايرة تماما تؤيّد تعنيف المرأة و تكرّس مرتبتها الدّونيّة و تسحب منها حقوقها و تسلبها حتّى حقّها في الحياة. 

ففي الوقت الذي مازالت فيه حادثة قتل رفقة الشارني على يد زوجها الأمني راسخة في ذاكرتنا … ها أنّ حادثة ثانية تطالعنا هذا الأسبوع، حادثة هلاك وفاء السبيعي بعد تعمّد زوجها عون الدّيوانة تعنيفها و حرقها  …

رفقة و وفاء و غيرهنّ كثيرات هنّ ضحايا مجتمع ذكوري بامتياز (و قد ازداد تغلغل الفكر الذكوري بعد 2011 بصورة تستوجب دراسات نفسية و اجتماعيّة عميقة و عاجلة) هنّ ضحايا ظروف اجتماعيّة و اقتصاديّة بائسة و ضحايا  عادات و تقاليد بالية و أسر لا تتفهّم معاناة المرأة و تتبنّى مقولات من قبيل “هنّي على روحك .. و عاد أش بيه كان ضربك؟ ماهو إلاّ راجلك و يربّي فيك … و ما عندناش نساء تتطلّق … و اللي صبرت دارها عمرت …” و الأجدر مع مثل هذا السّلوك أن يصبح المثل “اللي صبرت قبرها عمّرت”

 نساء مستضعفات مضطهدات في مواجهة ذكور يتفنّنون في تعذيبهنّ نفسيّا و جسديّا يستعينون في ذلك بفحولة مزيّفة و بتشجيع من مجتمع قروسطيّ متخلّف يريد أن يفرض عليهنّ واجب الطاعة… مجتمع يلوم على الضحية و يسامح المعتدي…

و هذه النظرة الدّونيّة للمرأة تتجاوز الأسرة لتمتدّ إلى كل جوانب الحياة فـتُسلب المرأة حقوقها الاجتماعية و السّياسية و الاقتصاديّة، و تُبخَسُ حقّها في الترقية و في الحصول على المناصب العليا، و تحرم من الإرث في بعض المناطق و يقع استغلال جهدها بأجر أدنى من أجر الرّجل و  تضطر للعمل و التنقّل في ظروف غير آدميّة  … في دولة صارت تعتبر المرأة إنسانا ناقصا و مواطنا من درجة ثانية..

أذكر جيّدا كيف فرح الكثيرون في السنة الماضية وهللّوا و كبّروا لتعيين امرأة جامعيّة على رأس الحكومة التّونسية، لكن أين هي هذه المرأة من حقوق النّساء ؟ أين هي هذه المرأة من تفاقم ظاهرة تعنيف النّساء ؟ أين هي هذه المرأة من استغلال النّساء و سوء معاملتهنّ ؟

ماذا فعلت هذه المرأة لتغيير التشريعات و القوانين أو الحرص على حسن تطبيق ما وجد منها ؟

 ماذا فعلت هذه المرأة للحث على تغيير العقليات أو فتح باب نقاش مجتمعي مواطني من أجل التّوعية بالحقوق الإنسانيّة للنّساء ؟

أين وزيرة المرأة و هي الشاعرة الرقيقة أو وزيرة الثّقافة من هذه المواضيع الحارقة ؟

أين هنّ من الدّفاع عن حقوق المرأة عموما و هنّ يرين نكوصا عن مبدأ التناصف الذي تمّ إرساؤه  في دستور 2014 …   أين هنّ و قد صار وجود المرأة مهدّدا في المجال السياسي بعد القانون الانتخابي الإقصائي الذي لم يشترط التناصف إلا في  عدد التّزكيات ممّا جعل عدد المترشحات للمجلس ـ رغم أنّه صوري ـ  لا يتجاوز 122 امرأة بنسبة 13% من العدد الإجمالي للمترشحين لا ندري كم منهنّ سيبلغن المجلس فعلا و لو أنّ التقديرات الأوّلية تشير إلى النسبة لن تتجاوز 5 % في أفضل الأحوال … !!؟؟

و لكن هل نرجو صلاحا من رئيسة حكومة  لم نسمع لها صوتا و لم نر لها موقفا  أو مبادرة؟ هل نرجو صلاحا ممّن كرّست  صورة المرأة الضعيفة وأهانت  صورة المرأة التونسية وحطّت من كرامتها ومكانتها  و فضّلت أن تعيش في جلباب رئيس الجمهورية ؟

أكمل القراءة

صن نار