تابعنا على

وهْجُ نار

لن نكون نعـــاجا … مهما قسَتْ علينا عصا الراعي !

نشرت

في

Moutons de Panurge

قد يغضب البعض من كلامي…وقد يهددني البعض الآخر…وقد ينعتني بعضُهم بأبشع النعوت…وقد يخيّب كلامي ظنّ البعض…لكن ما أقوله هو حقيقة غفل جميعنا عن قولها والاعتراف بها…ماذا فعلنا لهذا الوطن حتى نحافظ عليه؟؟ لا شيء يذكر…ولا حتى محاولة تُذكر…

محمد الأطرش Mohamed Alatrash
محمد الأطرش

أغلب من جلسوا على كراسي الحكم بعد خيبة 14 جانفي لم يهتمّوا للوطن، فقط بحثوا عن تذوّق قطعة الكعك التي جاد بها عليهم الأغبياء…لن أتحدّث عن اليسار ففي تونس لا يسار لنا فاليسار دُفن مع اصحابه…ولن اتحدّث عّمن وعدوا بالبدائل ففشلوا…سأتحدّث عن التجمعيين و”الدساترة” وهم أكثر من جرّب حكم هذه البلاد وأدرك المعنى الحقيقي لمفهوم الدولة…ماذا فعلوا للحفاظ على ما أنجزوه ما صنعوه لهذه البلاد ؟؟ لا شيء غير البكاء والصراخ…ألم يفرّطوا في البلاد…ألم يخفوا وجوههم عن العباد يوم سُجن بعضهم ظلما وعدوانا…ألم يمكثوا في ديارهم يداعبون زوجاتهم…و”يفاخذون” عشيقاتهم…أغلبهم أخفى وجهه خوفا من المحاسبة على ذنب لم يرتكبوه، وتركوا قلّة منهم لا ذنب لها غير أنها كانت تجلس يوم كذبة 14 جانفي على كرسي الحكم والسلطة…أين كانوا حينها من أشبعونا اليوم ضجيجا واقضّوا مضاجعنا صراخا…؟ واليوم ماذا يفعل هؤلاء…ماذا يصنعون…لا شيء سوى جلب العار لجيل البناء والتحديث…

ثم ماذا فعلوا يوم مسكوا بالسلطة مع الباجي رحمه الله؟ لا شيء…تلاعبوا بكل شيء…نسوا تاريخهم…وانخرطوا في حروب بين بعضهم البعض…نسوا وعودهم…تركوا رفاقهم خارج دائرة السلطة خوفا من أن يزاحموهم على بعض الكراسي…غفلوا عن خدمة رفاقهم القادرين على إيجاد البدائل…واكتفوا بالبحث عن كيف يملؤون جيوبهم وجيوب البعض منهم… أهكذا قرؤوا وتعلموا عن الكبار…ما هذا الذي فعلوه ويفعلون…والأغرب أنهم خرجوا اليوم يصفقون للخطأ…للخروج عن النصّ…

بناة البلاد لم يكونوا كما هؤلاء الذين تحدثنا ونتحدّث عنهم اليوم…ولم يسقطوا حيث سقط هؤلاء اليوم…هل تتصورون أننا والبعض منهم ومنكم سنسعد بما يفعلون…وهل سيقلبون الأوضاع بما يأتون…أعلم أن هواة الصراخ الثوري أخطؤوا في حقّهم كثيرا…وأدرك جيدا أنهم ظلموا كثيرا…وهُمّشوا طويلا…وأبعدوا عن مواقع كانوا من بُناتها…لكن هل نواجه الظلم ونكران الجميل بالارتماء في حضن الفوضى و”الشعبوية” والهراء والتخاريف والسياسات العرجاء التي لن تنفع البلاد ولا العباد…

هل نسقط في دائرة الفعل الذي كنّا نرفضه ونأباه ويرفضه كبارنا رفضا لا رجوع عنه…سيقول البعض منهم نحن نقاوم من أجل البقاء والعودة إلى الحكم…سأقول وهل تكون المقاومة بما تأتونه من ارتماء في أحضان من لا يعترف بكم تاريخا ولا بناء…هل يجب أن تكونوا مرّة أخرى حطبا لمعركة لن تكسبوا منها شيئا ولن تكون نتائجها في صالحكم وفي صالح البلاد…

أدرك وأنا على يقين أن الكثير منهم ظلموا ونكّل بهم ممن حكموا بعد 2011…لكن هل من المنطق والعقل أن يسقطوا اليوم في الفخّ الذي نصبوه لهم…أليسوا هم من يعرف مفهوم الدولة قبل الآخرين…أليسوا هم من جرّب الحكم وظروف الحكم وعانى تبعاته وأتعابه ومطبّاته وأطرد منه وعوقب ظلما دون جرم سوى أنه كان يحكم البلاد ويسيّر مؤسسات دولتها…أيسمح لهم تاريخهم بأن يسقطوا حيث سقطوا…هل هم على بيّنة مما يأتونه اليوم…ألم يدركوا أن من يحكمون البلاد اليوم يبحثون عن شريك منقذ…يبحثون عن منفذ يخرجهم من الورطة والمأزق الذي وقعوا فيه…هم سيسعدون بكل من يساندهم ويدعمهم ويتحمّل معهم تبعات الفشل والسقوط القادم…لماذا تفتحون لهم بابًا للنجاة وهم لا يعترفون بتاريخكم ولا بما أنجزتموه…؟؟ السياسة يا جماعة خُدعة…وأنتم خُدعتم مرتين…يوم صدقتم مباشرة بعد يوم الخيبة وأقصد 14 جانفي أنكم أذنبتم وأجرمتم وأنكم جميعا “مطلوبون” للعدالة…فقبلتم وقبل بعضكم “رحمه الله” التضحية بالبعض الآخر حتى لا تطالهم المحاسبة وتزور ديارهم…

تعالوا لنقارن ما فعلتموه وأنتم تحكمون…وما فعلوه وهم يحكمون…أنتم بنيتم رغم بعض الأخطاء التي ارتكبتم…وهم خرّبوا ما بنيتم…وفقّروا وشرّدوا وشتّتوا… ولم ينجحوا في البناء مثلما بنيتم…سيقولون انهم بنوا ديمقراطية وحرية رأي وتعبير…وسأقول ماذا تنفع الديمقراطية والبطون خاوية، والأحقاد تنهش الوطن، والفتنة على الأبواب، فالديمقراطية لا تُبنى على الأحقاد…فهل ما نعيشه اليوم ديمقراطية…وهل انتخاباتكم التي تصفقون لها وقبلتم بأن تكونوا حطبا لها ديمقراطية…؟؟

هُم اليوم يضحكون …يتهامسون…ويقولون ضحكنا عليهم حين خدعناهم بضرب خصمهم اللدود “النهضة”…وأوقعنا بهم حين خدعناهم بالاستشارة فجاؤوها سكارى…واستغفلناهم حين أوهمناهم بالاستفتاء فأعلنوا لنا البيعة الولاء….وخدعناهم بالقانون الانتخابي…واليوم نخدعهم بالانتخابات وسيأتونها جماعات وزرافات…أنتم اليوم الحطب الذي ستحرقون به تاريخكم ومستقبلكم السياسي وستهدمون به كل البناء … وأنتم من سيهدي الشرعية المفقودة لمن يبحثون عنها منذ انقلابهم، أولئك الذين لم يعترفوا بكم وبتاريخكم وبما أنجزتم…أنتم لم تكونوا كما أنتم اليوم فلماذا اليوم فعلتم…لماذا سقطتم…

هُم فرّقوا بينكم…شتتوكم…هُم سيحكمون بالبعض منكم ثم سيرمونكم كما رموا من وجدوهم قبلكم…وسينقلب البعض منكم عليكم وعلى البعض منكم…لأنكم لم تفقهوا قانون لعبة اليوم…السياسة خُدعة…فإن لم تنجح في خداع خصومك ومعارضيك…خدعوك…أتعلمون سادتي ولا عداوة لي مع أحد منكم…ولا منهم…ولا أحقد على احد منكم…ولا على أحد منهم، أن من أوقعوكم في الخطأ وفي فخّ الخطأ يريدون فقط المحافظة على كراسيهم دون محاسبة، والحفاظ على ما استولوا واستحوذوا عليه من بقايا وطن جريح، ينزف منذ أكثر من عقد مرّ عليه، هم انقلبوا على شركائهم وغدا سينقلبون عليكم ليؤسسوا دولة دونكم لا يحكمها غيرهم وغير من أعلن لهم البيعة والولاء…ليس حبا في الوطن…ولا في شعب هذا الوطن بل عشقا للكراسي التي يجلسون عليها…

نعم هذا ما نعيشه ويعيشه الشعب اليوم…ومهما كان ما نعيشه مؤلما ومخزيا لكنه الحقيقة…أنتم أخفقتم في لمّ شتاتكم فلا لوم على الآخرين…أنتم من هرول لمساندة من لا يفقهون مفهوم الدولة بالأمس…واليوم…وقد تعيدونها غدا…فلا يجب أن تلطموا وجوهكم غدا وتندبوا حظّكم العاثر يوم تدركون حقيقة ما أتيتم…أنتم من أعطى وسيعطي الفرصة للناخب ليذبحكم ويذبح الوطن معكم من الوريد إلى الوريد…فوضعنا السياسي اليوم لا يبشّر بخير…علينا أن نعترف أنكم أنتم والبعض منكم من أوصل البلاد اليوم إلى ما هي عليه…أنتم من أعطى رقابكم ورقابنا للبعض ليذبحكم ويذبحنا…فبعضكم انقاد كالأغنام لزريبة الدعايات المغرضة على بعضكم البعض، والتهم الباطلة التي يروّج لها من لا يفقهون ما تعنيه عبارة “مفهوم الدولة”…

أنتم أو لنقل بعضكم من صفق سنة 2011 لقطاع الطرق ليهجموا على من يفقه فعلا مفهوم الدولة، وأغمضتم اعينكم أمام من لا يفقه الدولة ومفهومها…حقدهم كان بالأمس خرابا لما بناه رجال الوطن…وحقدكم اليوم سيكون غدا حافزا لتوجّه العديد من الناخبين إلى صناديق الاقتراع للتصويت دون إدراك لخطورة ومغبّة التصويت الأعمى الذي قد يصل بمن لا يفقهون مفهوم الدولة، إلى التشريع لدولة الغد التي قد لا نعرف لها لونا غير الحقد والتفرقة والفتنة…ولا طعما غير الهراء والتخاريف والوعود الجوفاء…وحقدكم اليوم سيقودكم ويقود البعض الآخر غدا إلى مسلخ سياسي “يُمأمئون” فيه كالنعاج…فكونوا كما تكونون…فنحن اخترنا ألا نكون نعاجا…ولن نكون نعاجا مهما قست علينا عصا الراعي…

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

وهْجُ نار

غدًا ذكرى ثورة الرجال…ثورة لم يكن فيها الدجّال والنذل والمحتال…

نشرت

في

18جانفي 1952 إنطلاق ثورة التحرير الوطني التونسية المسلحة ضد المستعمر  الفرنسي - موقع القومية التونسية

أتساءل ونحن نحتفل غدا بالعيد الأصلي لثورة أخرجت المستعمر…بِعيد من ماتوا وهم يدافعون عن ارض هذا الوطن وحرية شعب هذا الوطن…بعيد ثورة أعلنها بورقيبة ورفاقه على مستعمر وصف عهده عالي المقام بــ”الحماية”…

محمد الأطرش Mohamed Alatrash
محمد الأطرش

أتساءل كيف لمعارضة “عالي المقام” أمير البلاد أن تنجح وهي بهذه الحال…فالكل يكره الكل…والكلّ يظلم الكلّ…فرّقتهم المصالح والأطماع…شتتتهم الأكاذيب والترهات والشعارات الجوفاء…خطابهم شبيه بخطاب عالي المقام …خطابهم ليس أكثر من شيطنة للماضي فماضي البلاد أصبح كالحمار القصير…الكل يريد الركوب…فيكفي أن تشيطن أحد الأشخاص الذين كانوا في المنظومة القديمة حتى يصفّق لك الجميع اعجابا، وأعني بالقديمة منظومة بن علي رحمه الله…فأغلب أشباه رجال المعارضة يولون أهميّة أكبر لسبّ ما مضى وشتمه أكثر من أي برنامج آخر في خطابهم السياسي، والحال أنهم يعانون من حقد حاضرهم ما لم يعانوه من تاريخهم الذي يشتمون….فكل المنابر التلفزية ومنذ اثنتي عشرة سنة موجّهة فقط لشيطنة الماضي ونعته بالخراب والحال أنهم من الذين تعلّموا ودرسوا وكبروا وعملوا وتدرّجوا وكسبوا المال بين كل ذلك الخراب….

مجرّد رؤية أحد المسؤولين من الذين كانوا قبل 14 جانفي يجلسون على الكراسي يتقيأ البعض أو يصاب بمغص بأمعائه وكأنه شاهد لتوّه إبليس…والحال أنه كان يحاول جاهدا أن يفوز برضاه ولم يصل إلى مبتغاه….أتساءل لماذا تنسى معارضتنا الأشياء الجميلة ولا تذكّر غير السيء من الأحداث…لماذا لا تتوحّد وتنسى حقدها على الماضي…لماذا لا تتوحّد ضدّ حاضر اساء للبلاد والعباد…حاضر لم يستثن أحدا من ساسة البلاد…هل كانت البلاد كلها خرابا كما يزعمون…إن كانت كلها خرابا فلم بأرقامها ارقامهم يقارنون؟ أين كان هؤلاء إذن …أليسوا من أبناء هذا الخراب؟

أتساءل لماذا نوظّف الماضي حسب أجنداتنا فحين يجب الثناء على بورقيبة أو بن علي لغايات انتخابية نصيح ونصرخ بأعلى أصواتنا مترحمين عليهما، وحين نكون في جهة اخرى من الجهات التي قد تكون عانت من ظلم الزعيم نسبّ الزعيم إرضاء لأبناء تلك الجهة ومراودة لأصواتهم…أتساءل لماذا كل هذه الحرب على القديم؟ أأصبح فشلهم في تحقيق مثل ما تحقّق في الماضي مرضا؟ أأصبحت عقدة حاضرنا ماضينا؟ فهل حاضرنا اليوم أفضل من ماضينا…؟؟ لماذا نعيد كتابة المأساة مرّة أخرى؟ ماذا ينتظرون من الشعب؟ هل ينتظرون ان يخرج داعما لهم ومناديا بهم حكاما على البلاد وهم على نفس الأحقاد؟ كيف يريدون محاربة الحقد الذي يكتوون به من منظومة عالي المقام بمواصلة حقدهم على القديم ومن سبقهم في حكم البلاد؟ أسألهم جميعا…وبعضهم يرى في نفسه أنه المدافع الوحيد عن هذا الشعب والحال أنه سبب أوجاعه…أسألهم…ماذا فعلتم لهذا الشعب…ماذا حققتم لهذا الشعب…ماذا فعلتم لطالب الشغل الذي ينتظر موردا ينقذ به عائلته من الضياع والجوع…ماذا فعلتم لفقير ينتظر مساعدة تخرجه من الضيق الذي خنق أنفاسه….

ماذا فعلتم ليائس قرر الانتحار غرقا هربا من جنتكم الموعودة والتي لم ير منها غير الجوع والعطش والتشرّد….ماذا فعلتم لجهات مهمّشة انتظرت وعودكم ولم تأت…ماذا فعلتم لفقير لم يجد مالا ليداوي زوجته التي تموت يوميا….ماذا فعلتم لمشرّد لم يجد موردا يكفيه بناء بيت صغير يسكن فيه…ماذا فعلتم لمن ظلمتموهم بعد 14 جانفي وشردتم عائلاتهم حقدا وطغيانا…ماذا فعلتم لطالب مات أهله وتركوه عاطلا بشهادة لن تشبعه من جوع…ماذا فعلتم من أجل مئات الآلاف من العاطلين من الذين حلموا بمستقبل أفضل في ظلّ وعودكم الكاذبة….ماذا فعلتم لمن خسر شغله لأن بعضكم اعتصم أمام مورد رزقه يمنعه من الدخول…ماذا فعلتم وبعضكم يغلق مواقع العمل حقدا وبهتانا…ماذا فعلتم…وماذا حققتم من آلاف الوعود…وآلاف الشعارات التي رفعتموها…ماذا فعلتم وأنتم تطردون المستثمر الذي جاءكم راغبا في مساعدتكم…ماذا فعلتم وأنتم تعطّلون كل مفاصل العمل والشغل لتحقيق مصالحكم ومصالح عائلاتكم ومن بايعوكم على خراب البلاد…ماذا فعلتم وبعض الشعب ينام ليلته دون أن يسعد بلقمة بعد جوع أيام وأسابيع…ماذا فعلتم وبعض الشعب يموت كمدا وحسرة على رزق ضاع بسبب ما فعلتموه بالبلاد…ماذا فعلتم؟

خلاصة كلامي، وكلامي موجّه لمن حكموا خلال العشرية الأولى من عهد الخديعة وهم من يعارضون اليوم عالي المقام، وموجّه أيضا لمن يحكمنا اليوم بحجة تصحيح المسار والحال أنه حاد بالمسار عن المسار، وأخذ البلاد والعباد إلى حيث لا أمل في إصلاح حالها، فنحن اليوم نغرق في الوحل ولا خلاص لنا ومن يحكمنا يحقد على نصف شعبه، ويتهم النصف الآخر بالفساد والاحتكار ويهدّد الجميع بالويل والثبور… وليعلموا جميعا سلطة ومعارضة، هذا الشعب لا تهمه حروبكم إن لم تكن في صالحه وتخرجه مما هو فيه…ولا يهمه من يحكم…ولا يهمه من الوزير…ومن المدير…ومن السفير….الشعب يريد لقمة….وشغلا…وأمنا….واستقرارا فقده منذ جاء بعضكم كاذبا…رافعا لشعارات مات أهلها…

ماذا فعلتم….وبعض الشعب يموت كل يوم….وأنتم تفاخرون بما لم تنجزوه….ماذا فعلتم….لم تفعلوا شيئا…فقط وزعتم الإحباط…واليأس….في وطن كان أجمل قبل مجيئكم….وقبل خروجكم عليه بشعارات كاذبة…ألا تخجلون مما فعلتم…ومما أتيتم…لوطن كان أفضل …لا استثني أحدا…

أكمل القراءة

وهْجُ نار

من أيقظ غول الحقد بيننا ؟…

وهل ينهي قيس سعيد قصّة قابيل وهابيل قبل نهايتها؟

نشرت

في

سؤال يخامرني منذ مدّة، لنقُلْ منذ سماعي الخطاب الأول لساكن قرطاج…”لماذا اختار قيس سعيد استعداء كل مكونات المشهد السياسي الذي سبقه ولم يكن فيه ولا من رجالاته، وهل بذلك الخيار سيكسب ودّ الشعب وسينجح في البقاء في قرطاج لولاية ثانية؟”

محمد الأطرش Mohamed Alatrash
محمد الأطرش

لا أظنّ ابدا أن الرجل لا ولم يدرك خطورة خياراته على مستقبله السياسي وعلى كتابة اسمه في التاريخ، فالرجل وبعد مُضي ثلاث سنوات بالتمام والكمال لم يتقدّم خطوة واحدة في إصلاح حال البلاد، ولم يراوح حتى مكانه بل عاد بالبلاد إلى سنوات التسوّل والاحتياج والمساعدات الدولية، ولم ينجح في تحقيق إنجاز واحد يسجّل باسمه غدا في كتب التاريخ…فالرجل نجح فقط في توسيع الهوّة بينه وبين الشعب، وفي انحسار عدد اتباعه، وفي زرع الشعور بالندم في أذهان كل من صوّتوا له واختاروه لكرسي قرطاج قطعا للطريق أمام خصمه وليس حبّا فيه…فحصيلة سنوات حكم ساكن قرطاج جوفاء وخالية من كل إنجاز ينفع الناس، لكنها مليئة بالتيه، والحقد، والانقسام، والضياع، والظلم، والقهر، والفشل، والتخلف، والمرض، والمعاناة، والانتظار…انتظار شيء لن يأتي…انتظار إصلاح تأخر…ونسق تحديث تكسّر…واستقرار تعسّر… واقتصاد تعثّر..

ستّ وستون سنة مضت، لنجد أنفسنا اليوم نبحث عن إعادة بناء دولة خربناها بأيدينا، ووحدة وطن قسمناه بأحقادنا، واستقرار ضاع منّا… وأمن وأمان افتقدناهما طويلا، عن توفير لقمة العيش لكل الشعب، عن الماء الصالح للشراب، عن السيولة في البنوك لخلاص أجور العملة والموظفين، عن الكهرباء التي أصبحت تنقطع عن بعض أجزاء البلاد يوميا، عن الغاز الذي يغيب عنّا العديد من المرّات في السنة، عن المئات من الأدوية التي غابت عن الصيدليات، عن أدوية الأمراض السرطانية التي اصبحت تباع في السوق السوداء، عن التعليم الذي يعاني خيارات من يسهرون على شؤونه، عن كتاب أصبح سعره يضاهي كيلوغرام من اللحم، عن سرير بمستشفى لمريض يعاني سكرات الموت، عن علبة حليب أصبحت تباع في السوق السوداء رغم بياض ما تحتويه، عن لتر من زيت “حاكمنا” اصبحنا نحلم به فنبتسم ونحن نياما، عن رطل من السكر نحلّي به أيامنا التي أصبحت في مرارة العلقم…وعن…وعن…عن بارقة أمل تشعرنا أن فلذات أكبادنا وأجيالنا القادمة ربما ستعيشون أفضل منّا…ربما يصبحون سادة ويعيشون بكرامة فوق أرضهم، وليس تحت طائلة الخوف…الخوف من المجهول…من قرار جائر…من شبهة أو تهمة قد تلصق بهم ظلما…من بطالة طالت وأصبحت مدى الحياة…من ميز سياسي شتّت عائلات بأكملها، وأبعد الوالد عن ولده…والأخ عن أخيه…من ظلم حاكم …واتباع حاكم…وزبانية حاكم…

أعود لأسأل، هل كنّا في حاجة إلى ايقاظ غول الحقد لنبني وطنا عادلا…وطن لا نجوع فيه ولا نُظلم؟ من أيقظ هذا الغول الذي أتى على ما تبقى من وطن أنهكه الانتقام وتصفية الحسابات والثأر من القديم؟ فالجميع ينتقم من الجميع…والجميع يطالب بثأر الجميع من الجميع…ألا يمكن أن نصلح حالنا بالتسامح…بالنسيان…بالمصالحة…؟ أين كان كل هذا الحقد وهذه الرغبة في الاقصاء والتفاخر بالانتقام والكراهية؟ هل فعلا نحن أولئك الذين كانوا يرتادون المسارح…ويرقصون في المهرجانات…ويضحكون ملء اشداقهم في الشوارع والساحات…ويسعدون صيفا بالأعراس والمناسبات…ويملؤون النزل والشواطئ في كل الجهات…ويدرسون في المدارس والمعاهد والجامعات…ولم يحملوا يوما سكينا أو موسى في جيوبهم ولم يرفعوا على بعضهم يوما الهراوات…؟

كيف تحولنا بين حدث، وحشود، وخطب وصراخ ومحاضرات ومسيرات، وبين استفتاء وانتخابات إلى وحوش مفترسة تسعد حين يتوجّع خصمها وترقص حين يسجن منافسها؟ إننا اليوم نعيش أحقاد وكراهية الجاهلية بكل صورها وتفاصيلها … لقد سقط القناع…نعم سقط القناع فنحن لسنا ذلك الشعب الذي قال عنه بيان السابع من نوفمبر ” إنّ شعبنا بلغ من الوعي والنضـج مـا يسمـح لكـلّ أبنائـه…” نحن لم نصل تلك الدرجة من الوعي التي استبشرنا بها لسنوات…ماذا فعلنا بأنفسنا…وبوطننا وبأجيالنا القادمة…ماذا سنترك لهم…بعد كل هذا الحقد…؟ من أيقظ غول الفتنة والحقد وأعاد الروح للكراهية؟ من أعاد تفاصيل قصّة قابيل وهابيل؟

مشكلتنا أن بعضنا اليوم يعتقد أن “لا قبله ولا بعده” في هذه الرقعة من الأرض، وأنه القادر على حلّ كل المشكلات التي تؤرقنا، لوحده وبعض من معه…نعم مشكلتنا ان بعضهم يعتقد جازما أن الحقد والإقصاء سيأتيان بالغيث النافع…وسيبعدان النحس عن بلادنا…وسيفجران الأرض نفطا وغازا… وسيخرجاننا مما نحن فيه… وسيقنعان صندوق النقد الدولي بفتح خزائنه لنا… وسيلعبان كالخمرة برؤوس اشقائنا ليغرقونا بالهبات والمساعدات والودائع…هؤلاء جميعا واقصد “بعضنا” لم يدركوا إلى يومنا هذا أنهم مجرّد كائنات تعيش خارج الواقع…يتأرجحون بين تاريخ لم يكونوا فيه ومنه ويحقدون عليه، وبين حاضر جعلوه حلبة صراع وانتقام ويفاخرون به…ومستقبل مجهول لا يأبهون كيف سيكون…

خلاصة الأمر، هل سنعيش يا ترى قصّة قابيل وهابيل إلى نهايتها، أم سيقول ساكن قرطاج “كفانا” ويدرك ولو بعد وجع، أن الطريق التي سلكها وأوهموه أنها الأفضل لن تصل بنا إلى برّ الأمان…وهل تتساقط أكباش الفداء ممن أثثوا المشهد منذ 25 جويلية وفشلوا في كل ما فعلوه وأتوه وهل ستعلن حكومة انقاذ وطني في قادم الايام…ونسلك معا دون استثناء ودون أحقاد طريق الخلاص…الخلاص الذي يريده الجميع دون استثناء…فلا أحد في هذه البلاد يحب لها الخراب…بعد كل هذا الخراب…ألم يحن الوقت لتصبح معاول الهدم معاول للبناء…للحياة؟

أكمل القراءة

وهْجُ نار

حكُـــــومتنا تشبهْ الڨمَرْ…نهنّــوها بأزمة العمُر !

نشرت

في

كاريكاتير .. 2022 تحاول الإفلات من آثار فيروس كورونا ومتحوراته | دسمان نيوز

خرجت من المقهى بعد أن التقيت بعض الأصدقاء وتحدثنا عمّا نحن فيه وعن الوضع الذي يتأزم يوما بعد يوم ويزداد سوءا ساعة بعد ساعة…خرجت وأنا أتمتم “هالعام المشوم يا لطيف منه”…خطوة واحدة وسمعت صوتا يقول “علاه اش عمتلك أنا؟”

محمد الأطرش Mohamed Alatrash
محمد الأطرش

التفت يمنة ثم يسرة ثم جوا وبرا وإلى كل الاتجاهات، كما يقول مولانا حين يشنّ غارة أرضية جوية بحرية يتوعّد به بعض الاشباح من خصومه الذين لا أحد يعرفهم إلى يومنا هذا…لم أر أحدا…لعنت الشيطان وواصلت طريقي، ومرّة أخرى يصلني صوت يقول “علاه أنا مشوم شنوة عمتلك”…صرخت مما يجري، ورفعت صوتي دون وعي منّي قائلا “من أنت وأين أنت ومن تكون؟” أجابني صوت لا أعرف من أين وقال” أنا السنة التي قلت عنها “مشومة” أنا “2022”…ضحكت…وبصوت مرتفع “يزينا شكون انت هيا بان وعليك الأمان؟” اقترب منّي الصوت أكثر وكأنه يجلس إلى جانبي وقال “أنا سنة 2022 حقّا ولا أمزح”…

قلت في خاطري سأسايرها لأعرف ما الحكاية، وسألت وماذا تريدين منّي “هالنهار المشوم…وقبل كل شيء انت أنثى وإلا ذكر؟”…قالت “أنا أنثى وذكر وعمري بالأيام يمرّ…ومن فضلك اليوم الذي لعنته لا يزال من ايامي فلا تعدها ثانية” …قلت “وماذا بعد، هات ما عندك ألم نعش أزمة خانقة معك ألم نفتقد عديد المواد ألم نصل إلى القاع في كل مناحي الحياة؟ فكيف لا تقبلين أن انعتك بما فعلت؟” قالت: “ألم أخرجكم وأنقذكم من سنة موت ووباء، سنة مات فيها الآلاف منكم ألم ينته الوباء مع دخولي كيف تنكرون جميلي؟” قلت “تقصدين سابقتك، أختك قليلة الاصل أو ابنة عمّك قليلة الحياء سنة 2021 نعم عانينا فيها ومات من الشعب الآلاف لكن لم نعان ما نعانيه اليوم معك يا سنة الشؤم”… أجابت وبصوت مرتفع “من فضلك لا يزال لي بعض الأيام معكم وقد اغضب منكم واجعلها أيام شؤم كما قلت ونعتّني” قلت “وهل ثمة شؤم أكثر من الذي عشناه وعرفناه معك يا ….” قالت  (يا شوووومي)…شؤمي الذي تعايرني به لن يقاس أمام ما ينتظركم من أختى الكبرى القادمة بعد أربعة أيام سترون الويل…ولن تخرجوا منها دون جراح وعويل…وتأبين”…

 قلت وأنا أتمتم (قالت يا شوووومي… هذه أنثى موش ذكر!) كيف ذلك أتعلمين الغيب أيضا؟” قالت “ستعيشون الرعب…وستعرفون الخصاصة…وستعرفون الجوع…وسيقع إلغاء الدعم عن كل المواد الأساسية المدعومة…أنتم تعيشون مع حكومة لا ينطبق عليها حتى مفهوم حكومة تصريف أعمال…حكومة عرجاء لا تعرف ماذا تفعل ولن تنجز شيئا غير رفع الأسعار وإلغاء الدعم…” قلت “من فضلك حكومتنا حكومة تكنوقراط تعرف ماذا تفعل وما يصلح بنا ونحن تعلمنا أن لا نقول سوء عن حكوماتنا ونحن نتحدث إلى الأجانب…وحكومتنا مكلّفة من ساكن قرطاج بتخفيف العبء عن الشعب وهو ما تفعله اليوم وستواصله غدا…ألم تلاحظي أن اغلبنا فقد الكثير من وزنه منذ 25 جويلية من سنة الوباء ألا يعتبر ذلك تخفيفا للعبء الذي نحمله على أجسادنا؟…فماذا إن اقتطعت جزءا من مرتباتنا شهريا لتوفّر لنا بعض المواد الأساسية…ألا يعتبر ذلك تخفيفا لأعباء الحياة عنّا…وماذا لو تعطّل صرف أجورنا لشهر أو أكثر في قادم الأشهر أليست حكومتنا…حبيبتنا…عزيزتنا… ألسنا معنيين بالستر عليها… أين مروءتنا؟ هل سنتركها تتسوّل أمام صندوق النقد الدولي؟ هل نتركها تراود المنظمات المانحة وتبرز مفاتنها في شوارع نيويورك وبروكسيل أتريدنا أن نفعل ذلك حقّا…اين رجولتنا؟ فحتى إن جاعت المسكينة وقررت أكلنا فلن نلومها…لم يبق أمامنا إلا الدعاء لها بالهداية والتوبة والرزق الحلال…أنت سنة عاهرة تريدين منّا أن نسيء لحكومتنا…أنت سبب كل ما نعانيه يا سنة البؤس…”

غضبت سنة 2022 وكشرت عن انيابها وقالت ساخطة: “حكومتكم التي تتسترون عنها وتحاولون الدفاع عنها رغم ما تفعله معكم هي حكومة “تكنوكلاط” وليس تكنوقراط كما تزعمون وهي على علاقة مباشرة ومشبوهة بكل ما تعانونه من أمراض…هي سبب ضغط الدم…والسكري…وهي سبب الاكتئاب وكثرة التبول وأمراض الكلى…والجلطة الدموية والجلطة الدماغية…” قلت “هذا كلام منطقي لا أنفيه صراحة فأحد أصدقائي تبوّل اليوم لا إراديا حين قرأ قانون المالية للسنة القادمة، اقصد طبعا لأختك القادمة بعد أربع أيام من اليوم…لكن ما العمل يا سنة البؤس؟”

 قالت ” حكومتكم المسكينة أدمنت المنح والقروض والهبات والمعونات والتسهيلات الخارجية وأدمنت أيضا التسوّل…ولن تخرج مما هي فيه أبدا، فهي التي وضعت العراقيل في طريقها بتعنتها ورفضها لكل الفاعلين والغائها لكل مكونات المشهد السياسي…وأنتم الشعب اصبحتم في قبضتها وقبضة ما فعلته بكم … فكلّ مواطن سيئنّ في السنة القادمة تحت وطأة العجز المالي، والتضخّم داخل بيته وبين أفراد عائلته…وحتى في جسده…وربّما التضخّم في البروستاتا…وبعض الأعضاء الأخرى….وستعانون من سرعة القذف والقذف خارج المرمى والوقوع في فخّ التسلل…وستعانون من عدم القدرة على الانجاب بعد أن يستوطنكم الاكتئاب…وستطحنكم سنة 2023 طحنا فأنتم من سمح لها بذلك…

” أجبتها قائلا:” “علاه احنا نلعبوا في كاس العالم قذف البرّه…مازال كان تحكيلي عالفار…يطلعشي حفيظ الدراجي هذا والا عصام الشوالي”.. تريدين الإيقاع بيننا وبين حكومتنا وشماتة فيك وفي أختك القادمة سأتقدم باسمي وباسم عائلتي وابناء حومتي وقبيلتي بجزيل الشكر والتقدير لحكومتنا…أي نعم حكو…متنا (إنا لله وإنا إليه راجعون) على قيامها برفع الدعم سرا…ورفع أسعار المحروقات والمأكولات والمشروبات والمقذوفات والمطبوخات جهرا، ولما تقوم به من أجل تحسين ظروفنا الاقتصادية والمعيشية…فاللهم ابق أعضاء حكومتنا على كراسيهم…جاثمين (على أنفاسنا)…جالسين (لا خدمة لا ڨدمة)…قلوبنا معهم…أرواحنا في قبضتهم…واللهم أدمها حكومة …عفوا نعمة وأحفظها من الزوال…”

 ضحكت سنة 2022 وقال ساخرة “عرفت الآن سبب طول عمر مسؤوليكم واستفحال معاناتكم ومصائبكم…فمسؤولوكم يعيشون أطول من عمر ابليس، وأنتم السبب، فمع كل صلاة جمعة تدعون لهم بطول العمر…حتى وإن كتموا أنفاسكم…غريب أمركم…تدعمون الصحراء الغربية وترفعون الدعم عن موادكم المعيشية الأساسية…تبّا لكم” ضحكت بعد أن عرفت أني أغضبت المغفور لها سنة الشؤم 2022 …ودندنت بصوت مرتفع لتسمعني قبل مغادرتها “حكومتنا تشبه الڨمر…نهنوها بأزمة العمر…نهنوها بورطة العمر”.

أكمل القراءة

صن نار