تابعنا على

جور نار

ما يُمكن أن يُقال …في مفتتح سنة أخرى للنجاح ومراكمة المعارف

نشرت

في

“مساعدة مبالغ فيها يمكن أن تؤدّي إلى الحلول محلّ أبنائكم حتى تجدوا أنفسكم تقومون بالواجبات المدرسية اليومية عِوضًا عنهم، ولكن مساعدة باهتة أو منقوصة أو منعدمة يمكن أن تُبقيهم سجناء صعوباتهم وفاقدين للقدرة على اللّحاق بقطار التعلمات السريع.”

منصف الخميري Moncef Khemiri
منصف الخميري

قصّة الطفل لويس مهمّة، لكنها بحاجة إلى التنسيب :

طفل فرنسي يُدعى لويس كان لا يحب المدرسة وتميّز دائما بكونه خجولا وميّالا إلى العزلة ولا يتمتّع بأية سيولة في الكلام وأداء السّلام. كان لا يحب اللغة الفرنسية ولا مادة الرياضيات. عائلته الميسورة اجتماعيا “دخلتها غولة” لأن لويس سيكون في أسفل السلّم العائلي، خاصة أن شقيقه الأكبر زاول تعلمه العالي الهندسي بشكل متميز وأصبح يمثل مفخرة العائلة وحامل لوائها ؟ ظنّت عائلته في البداية أنه ضحية المقارنة بأخيه، لا شيء من هذا لأن لويس لا تعنيه المقارنات والنياشين المدرسية. خيّر في سنّ مبكّرة أن يُهيّئ لنفسه ما يُشبه الورشة الصغيرة في زاوية من منزلهم العائلي يفكّك فيها ويركّب ويتأمّل ويُجرّب… وعوض الذهاب إلى المدرسة اختار لويس أن يكون عاملا متربّصا في معامل سربولي للميكانيك الشهيرة.

هو لويس رينو Louis Renault الذي قدّم أول براءة اختراع وعمره لم يتجاوز 22 سنة وستتلوها 500 براءة أخرى … حتى أصبح على مرّ السنوات على رأس إمبراطورية لصنع السيارات ومحركات الطائرات والمدافع الحربية. لكن اسمه شاع خاصة بفضل سيّارات رينو التي غزت العالم بأسره.

وهو الذي قال سنة 1934 أمام التطوّر الهائل في شركة أندريه سيتروين “أنا سعيد جدا بأن يكون السيد سيتروين منافسا لي، لأنه يدفعك للعمل ويُجبرك على المُصارعة”.

هذا يعني أن لويس كان قادرا على “التعلّم” وبشكل جيّد … في 1908 حين كان العالم خاليا من الكتب والأدلّة المتخصّصة ووسائل الاتصال الحديثة واليوتيوب والهاتف المحمول … كانت طريقا وعرة وشاقّة جدا تنعدم فيها الإنجادات والمساعدات وتتكدّس فيها أطنان من المصاعب والتضييقات، إذ كان عليه أن يتعلم لوحده قوانين علم الميكانيكا ومبادئ التصرف والمحاسبة وإدارة الأعمال وقواعد اللغة الفرنسية وأساليب الرّسم والتصميم الفنّييْن (دون مساعدة الحاسوب كما هو الشأن اليوم).

المدرسة لم تكن بالنسبة الى لويس رينو السياق الأمثل لتعلّم ما كان مهووسا به ومُدركا أن فهمه للنجاح غير فهم المدرسة له وأن الذي كان يشغل ذهنه باستمرار لم يكن مشغل المدرسة التي تردّد عليها لبضع سنوات.  كان في حاجة إلى مربّع تعلّمي مختلف لكوْنه كان مختلفا. وكانت قوّته الأساسية تكمن في أنه اكتشف ذلك مُبكّرا وتجنّب بالتالي الوقوع في فخّ ” أعدادي ضعيفة ولم استطع التعلّم وفق انتظارات المدرسة والمدرّسين، إذن أنا سيّء وفاشل”. وهو نمط سلبي للتفكير غالبا ما تعتمده شريحة واسعة من التلاميذ الذين يعانون من صعوبات مدرسية مُعيقة ومهدّدون بالانقطاع في أية لحظة.

هذا لا يعني بطبيعة الحال أن المدرسة لا لزوم لها، وإنما ذلك يعني :

___ أن لكلّ واحد طريقته في التعلّم، لكن المدرسة بصورة عامة مازالت متشبثة بفلسفة للتربية تَنشُد عرْضا مُوحّدا ومنهجا موحّدا ونموذج نجاح موحّدا للجميع… فيتأقلم البعض ويتعبُ البعض الآخر حتى يتأقلم، وينسحب جزء آخر عدده غير قليل لأنه استحال عليه التأقلم.

___ أن المدرسة أفضل ما اكتشفته الانسانية إلى حدّ اليوم من أجل “تعليم المبادئ الأساسية للحياة الأخلاقية ونشر العلوم والمعارف” كما يقول المؤسّسون، لكنها في نفس الوقت إذا كانت إطارا جيدا وملائما بالنسبة إلى البعض من الذين نجحوا في التماهي مع متطلبات المدرسة واشتراطاتها، فهي ليست بالضرورة كذلك بالنسبة إلى البعض الآخر من الذين يرتبط القِسم في أذهانهم بالضّجر والملل وإضاعة الوقت.

وعليه، فإن المستقبل لن يكون لتدمير المدرسة وتجاوزها والادّعاء أن “اليوتيوب” أصبح أفضل مدرّس في العالم، وإنما على المدرسة أن تُغيّر فلسفتها للتربية وتُجهِد نفسها بدلا من إجهاد الآخرين وتحاول التكيّف مع خصوصيات الأفراد الذين يؤمّونها بدلا من إجبار المتعلّمين على “تكيّف” هم غير قادرين عليه.

ولها في لويس رينو وريتشارد برونسون (مؤسس شركة فيرجين) وستيف جوبس (مؤسس العملاق  آبل) وغيرهم… أمثلة لتلاميذ على قدر استثنائي من الذكاء والنّبوغ استبعدتهم المدرسة بــ “غبائها” وحكمت عليهم بالفشل ومسالك الانحراف المختلفة… لولا بعض الإصرار الذاتي والقدرة الفائقة لديهم ولدى أوليائهم على تحييد أصوات الإحباط وإبطال مفعولها.

ويبقى السؤال جاثما على صدور جميع المهتمّين بمثل هذه المفارقات المدرسية :  بأية وتيرة وأي انتظام وأي تواتر تَقدر المجتمعات على إنجاب نوابغ وذكاءات و”فلتات” تستطيع تحدّي المدرسة التقليدية/المعاصرة وانتهاج “السُّبل البِكر” كما يقول محمود المسعدي لإحراز النجاح والتفرّد ؟ وما هو العدد التقريبي لمن يستطيعون النجاح دون شهائد ؟ وما هي نسبة العلماء والمكتشِفين وروّاد الأعمال والرياضيين العالميّين الذين تألّقوا خارج أسوار المدارس والجامعات من مجموع ملايين المتعلّمين ؟

النسبة ضئيلة جدا بكل تأكيد والواقع يؤكّد العكس تماما، أي أن نسبة الذين يرتقون اجتماعيا بفضل المدرسة أكبر بكثير من الذين يرتقون بدونها. زد على ذلك أن أغلب الذين قاطعوا التعليم التقليدي ونجحوا كان لديهم ما يُعوّض بشكل قوي على غياب المدرسة : إمّا ذكاء وقّاد ومهارة استثنائية في مجال مخصوص أو مسالك تكوينيّة غير تقليدية أو عائلة عارفة جيدا كيف تُصقل المواهب وتُنمّى المهارات (عالم الرياضيات والفيزيائي آمبير  مُكتشف التليغراف الكهربائي كان والده مصرّا على تعليمه بنفسه، وبيار كوري صاحب جائزة نوبل في الفيزياء كانا والداه ثم صديق للعائلة وراء صعوده…)

فأي درس يمكن استنتاجه من خلال كل هذا في سياقنا التربوي التونسي ؟

في مجال التربية والتعليم بالذات، لا يمكن الادّعاء ـ دون السّقوط المُدوّي في أتون التنمية البشرية- بأن هنالك وصفات جاهزة للنجاح ومناويل أفضل من أخرى لتأسيس مدرسة خالية من العيوب وقادرة على إنجاح كل مرتاديها… ولكن بعد هذه المسيرة الطويلة لتجربة المدرسة العمومية والإلزامية وفي علاقة بما كنّا بصدده أعلاه، يمكن الاحتفاظ بالفكرة التالية :

غالبا ما يُبالغ المجتمع في مطالبة الأطفال والشباب بالعمل والتصرف والتفكير بشكل ينسجم تماما مع ما تطلبه المدرسة، ولا يُلحّ كثيرا في مطالبة هذه الأخيرة بتغيير أساليبها ومقارباتها حتى تنسجم تماما مع انتظارات وحاجيات كل المتعلّمين باختلافاتهم وتنوّعهم.  وانطلاقا من هذا، يمكن القول إنه لا يجب أن تكون المدرسة “فضاءً نموذجيا للمتفوّقين” ولا “مجرد منطقة عبور للناشئة يُحصّلون فيه ما (كْتِبْ من ربّي)” وإنما عليها أن تتحوّل إلى حقل واسع تُزهر في تُربته جميع النباتات ـ كلّ حسب حاجاتها وخصوصيّتها-ـ ولا يُترك فيه أحد على حافّة الطريق.

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

التونسي ميّال تلقائيّا إلى الكُبّي وتثبيط العزائم

نشرت

في

“الكآبة أو الشّجن هما أن تجد نوعا من السّعادة في أن تكون حزينا. ” فيكتور هوغو

منصف الخميري Moncef Khemiri
منصف الخميري

أَجرت جامعة ميشيغان الأمريكية دراسة علمية ميدانية على نطاق عالمي  بقيادة الجامعي باتريك فورنييه شارك فيها حوالي 1150 شخصا يمثلون القارات الخمس، كان موضوعها “حاجز السلبيّة المُتأصّل في سلوك الناس” أي محاولة الإجابة عن السؤال المُحيّر : هل صحيح أن الانسان أينما وُجد هو ميّال فطريّا إلى التفاعل بأكثر إيجابية مع الأنباء السلبيّة ولماذا لا يحصل العكس إلا نادرا ؟ ونُشرت نتائج هذه الدراسة في سبتمبر 2019.

تمثلت التجربة في أنه كان يُعرض على المشاركين صنفان من التحقيقات الصحفية القصيرة : صنف سلبي وصنف إيجابي وذلك على النحو التالي :

تحقيقات سلبية :

___ البيرو : المدينة البيروفية الصغيرة شمبوت تلتهمها نيران الحرائق

___ غرّة ماي : مظاهرات واسعة في ظل الانكماش الاقتصادي بأوروبا

___ النيجر : النّقص الشّامل في المواد الغذائية يُشعل فتيل الاحتجاجات الشعبية

___ سري لانكا : الأمم المتحدة تحقق في جرائم حرب

تحقيقات إيجابية :

___ قطيع من الغوريلا يقع إطلاقه في الطبيعة

___ سيارة كهربائية جديدة بحجم مرن قابل للتقليص في زحام الطرقات يتمّ تصنيعها في بولونيا

___ طفل لم يتجاوز 11 سنة يتوصّل إلى إخراج أفلام متحركة

___ طفل صغير يشفى تماما من مرض نادر أصابه في كبده.  

وخلال مشاهدة التحقيقات الصحفيّة، كان المشاركون مَوْصولين بتجهيزات متطورة تسمح برصد ردود الفعل التفاعلية المزدوجة بين حساسية التوصيل عبر الغشاء الجلدي للمشارك والتغيرات المسجلة في نسق دقات القلب.

كان من النتائج الجزئية لهذه الدراسة (انطلاقا من الملاحظات المسجّلة خلال التجربة) أن الناس بصورة عامة يحتفظون بــــ :

الأنباء السلبية أكثر من الايجابية

الفشل أكثر من النجاح

الهِنات في سلوك الآخر أكثر من خِصاله

الانتقادات أكثر من الامتداح والثّناء

الكوارث أكثر من مُنجزات البشرية… 

ما يُفسِّر إلى حدّ كبير كثافة الأخبار السلبية في مختلف وسائل الإعلام التي تنشُدُ الانتشار لأن هنالك لهفة كبيرة يُبديها المتلقّي إزاء الأنباء الكارثية. لكن عادة ما تكون لحاجز السلبية هذا انعكاسات على أفكار الناس في شكل أفكار مسبقة وأحكام جاهزة ومواقف تمييزيّة في حق الآخر المختلف أو في شكل مواقف يحدوها التطيّر والتوجّس.

من التفسيرات التي قدّمها فريق الباحثين بجامعة ميشيغان أن “نظرية الميْل إلى كل ما هو سلبي” مرتبطة بنظرية النشوء والتطور لأن الانسان البدائي ما كان ليستمر وجوده لولا ذلك “الحاجز البدائي” الذي يجعله يفرّ هاربا تلقائيا لمجرّد سماع أبسط صوت أو حركة مجاورة لغدير مّا كان يشرب منه، دون التساؤل إن كان مردّ تلك الأصوات حيوانات مفترسة أم كائنات أليفة”.

أمّا في سياقنا التونسي،

فيبدو أننا لا نُشكّل استثناءً لهذه القاعدة التي تأكّدت كونيّتها، بل لديّ انطباع أننا “لا نكتفي بمعرفة العلم وإنما نُضيف إليه ونُغْنيه” كما في كل شيء، فنحن لا نكتفي بالميل الطبيعي إلى تحبيذ ما هو سلبي والتلذّذ برفقته بل تأسّست لدينا ردّة الفعل السلبية كمنوال أساسي ثابت في التعامل بين الناس والتعاطي مع الأخبار الواردة من هنا وهناك. (حتى أن صانع مقهى أعرفه أضحى قِبلة العديدين من أهل الحي يأتونه خصّيصا للتزوّد الدّوري بما تيسّر من أخبار موغلة في الطعن والقتل وقطع الطرقات والسِّفاح واشراف الدولة على الإفلاس…).

وهذه بعض الأمثلة الحيّة التي تُجسّد حسب نظري هذا الاتجاه العام في سلوك التونسيين :

___ الخبر على صفحة رئيسة بلدية سيدي مرشد بسليانة الجنوبية : انطلاق التسجيل في برنامج تعليم الكبار والتعلّم مدى الحياة بكافة معتمديات ولاية سليانة… (تعليق أحد المٌتابعين : خرّف يالّي تخرّف، ولايات تجيب في المشاريع وسليانة باش اتقرّي واتعلّم الكبار،  مقروش الصغار حتى باش يقرو الكبار…)

___ الخبر على صفحة إحدى الإذاعات : شاب تونسي قادم من بعيد يُعيد الأمل في صنع أمجاد الفريق الوطني لكرة القدم، إسمه حنبعل المجبري. (أحد المعلّقين : انتصارات كرة القدم لم تعد تستهوي  الا السُذّج والمغفّلين من الناس، نحن بحاجة للانتصار على الفقر والتخلف والجهل…)

___ الخبر : الانطلاق في مساءلة الضّالعين في حملات تسفير آلاف الشباب التونسيين إلى بؤر الإرهاب. (أغلب المعلّقين :  هذه مسرحية جديدة سيّئة الإخراج أو هذا حمّام أخضر لتبييض الحَمام الأزرق أو كذلك “في الحلقة الأخيرة سيكتشفون أن الشعب هو الذي قام بالتسفير إلى سوريا” …)

___ الخبر : بطلة التنس أنس جابر في نهائي دورة أمريكا المفتوحة. (بعض التعليقات : هنيئا للبرجوازيين ببطلتهم في رياضتهم المفضّلة أو مبروك عليها المليارات !)

___ الخبر : حصول تونس سنة 2008 على جائزة الأمم المتحدة لجودة الخدمات الإدارية (نجاح تجربة وضع كل خدمات التوجيه الجامعي في تونس على الخط آنذاك) وقد أسندت اللجان الأممية قرارها في ديسمبر 2007 بناءً على ملف مفصّل من مئات الصفحات سهرتُ شخصيا من أجله الليالي حتى أقدّم أفضل صورة حول مكسب حقيقي تحقّق بكفاءات تونسية خالصة، دون أدنى إشارة إلى السلطة السياسية ولو في جملة واحدة. (كثير من المعلقين وخاصة من الحقوقيين الثوريين : “هذه جائزة لا معنى لها، ومن المؤكّد أن بن علي صرف على نيْلها المليارات من أموال الشعب لتلميع صورته والتطبيل للتطور الزائف الحاصل في البلد.” )

___ الخبر : تنظم الجامعات خلال شهر مارس من كل سنة مناظرات بالاختبارات الكتابية لتعديل المسار الدراسي، ويُقبَل بصفة آلية في هذه المناظرات جميع المترشحين إذا كان عددهم لا يفوق عدد البقاع المفتوحة. (تعليق أغلب الكسالى و”الطايحين قبل الضّربة” : لا فائدة من المشاركة لأن نتائج المناظرات معروفة مسبّقا وقائمات الناجحين تكون جاهزة قبل اجتياز المناظرة أصلا !  )

___ الخبر : طالب بإحدى مؤسسات الجامعة التونسية (INSAT) يُدعى كريم الغرياني، 19 سنة توصّل الى ابتداع أداة جديدة في مجال البرهنة الرياضية وتمّ اعتمادها من لدن المنظمة العالمية LANL في جامعة كاليفورنيا وأطلق عليها إسم كاريماسيون Karimation (كان ذلك سنة 2009) متوصّلا إلى نفس النتيجة التي تم بلوغها سنة  1866، الشيء الذي يُعتبر علامة نبوغ كبير في حدّ ذاته. (أتذكّر جيدا أن تعليقات العديد من الجامعيين الرياضيين والفيزيائيين الذين أعرفهم آنذاك كانت من قبيل : “برافو عليه كريم آما راهو ما جابش فريمون حاجة جديدة خاطر ماناش قُدّام نتائج جديدة وإنما فقط طريقة جديدة تتميز بالبساطة وعدم التعقيد “).

أقول في النهاية بأن لحظة التحوّل في صباحات تونس (وربما في صباحات كامل المنطقة العربية)، اللحظة التي تخلّى فيها التونسي (مدفوعا إلى ذلك قسرا) عن تلك المُراوحة المتوازنة والمُمتعة صباحا بين بعض المدائح والأذكار البرّاقة بأصوات تونسية شجيّة ثم جُرعة من الفرح العارم والبهجة الساطعة بصوت فيروز الحريري”التي تجعل الصحراء أصغر وتجعل القمر أكبر” كما قال عنها درويش… كانت لحظة مُنبئة بحلول مزاج جديد من أهم ركائزه تمجيد البكاء وازدراء الحياة والاحتفاء بالممات. (ولهم في هذه المعاني نصوص وفتاوى ما أنزل الله بها من سلطان).

أكمل القراءة

جور نار

متى تصبح تونس رواندا ؟

نشرت

في

عندما نشاهد اليوم صور العاصمة الأثيوبية أديس أبابا و باقي المدن الكبرى و نلاحظ الطّفرة العمرانيّة و تطوّر البنية التّحتيّة في أثيوبيا التي كانت حتى سنوات قريبة تعاني من المجاعة ، أو عندما نطالع أرقام النّموّ التي تحققها رواندا و ما تشهده من تغيير إيجابيّ على امتداد السّنوات الأخيرة جعلها من أكثر البلدان نموّا في العالم بعد أن قصمت ظهرها الحرب الأهليّة و أبادت عددا كبيرا من سكانها و هجّرت بعضهم الآخر و اغتُصِبت نساؤها و أتلفت مواردها و مقدّراتها … 

عبير عميش

عندما نشاهد هذه الصور تعود بنا الذاكرة إلى فترة التّسعينات ، إلى زمن كانت فيه تونس ترسل المساعدات و قوات حفظ السلام إلى هذين البلدين  ، و نتساءل عمّا أصاب بلادنا و جعلها تتقهقر من دولة تطمح نحو الحداثة و كانت تسير بخطى ثابتة نحو التّقدّم و التّطوّر إلى دولة تتوسّل حكومتها رضاء صندوق النّقد الدّولي و تتسوّل بعض حاجياتها الأساسيّة و يعاني شعبها الويلات على جميع المستويات … ما الذي جعل البلدان الافريقية تتجاوزنا وتتفوّق علينا ؟ و الحال أنّنا نملك كل المقومات وحبانا الله بكثير من الهبات والخيرات التي توجد في مختلف ولايات البلاد ، إلا أننا وللأسف الشديد في كثير من الأوقات نفتقد التخطيط السليم وقبل ذلك نفتقد للاتفاق حول هدف موحّد  يعمل من أجله الجميع و نفتقد أساسا فكرة وحدة الشعب …فكلّ تعاملاتنا و رؤيتنا و تنظيرنا في السنوات الأخيرة تقوم على الإقصاء و رفض الاختلاف فهل يمكن أن ينهض بلد يعيش أفراده انقسامات كثيرة و تحرّكه نوازع الانتقام من الآخر و يسيطر الحقد و التّشفّي على العلاقات بين أفراده

بعد 14 جانفي 2011  صارت حملات ديڨاج للمسؤولين السامين و موظفي دولة ” بن علي ” أمام تهليل و تصفيق الثورجيين  فماذا حصل .. تنكيل و تعذيب و تشويه لأفراد أثبت القضاء براءة أغلبهم لكن بعد ماذا ؟ بعد أن مات بعضهم في السجون ؟ بعد أن دمّرت عائلاتهم ؟ بعد أن فقدوا حقوقهم و لاحقهم الوصم ؟ ماذا حصل ؟؟ تمّ إفراغ الإدارة من الكفاءات و استولى على المناصب أصحاب الولاءات الجديدة و تقهرت الخدمات … و ليتنا نتعظ من أخطائنا ، لكن ها إننا اليوم نعاود نفس الأخطاء لنفس الأسباب السّابقة و لكن في ظروف أصعب مع تدهور الوضع الاقتصادي و بنفس الشماتة و التشفي من الخصوم و ملفّ التسفير مؤخرا خير مثال و قد نسي معظم الشعب أنّه ملف دولي شائك ملف عابر للقارات و كان يعكس إرادة دوليّة في سنوات 2013 و 2014 و لم تكتو بناره  العائلات التونسيّة فحسب و لم يقع فيه التغرير بالشباب التونسي فحسب . فهل بوسع القضاء في تونس أن يفصل فيه  جزائيّا ؟؟

إنّ المحاسبة أية محاسبة لا بدّ أن تكون عادلة بعيدا عن منطق الانتقام و التّحكّم في الرّقاب وما على القضاء إلا أن يقوم بدوره . و إن كان للجماعة من مسؤولية واضحة فهي المسؤولية السّياسية ، لكن استغلال الملف لتصفية الحسابات اليوم لا يمكن أن يحقق العدالة و لا أن يضمن الاستقرار

” المهم تمرمدوا … المهم ذلوهم … ”  و بعد ؟؟؟  شعب امّمرمد يقضي يومه يبحث عن دواء مفقود و يتذلل لأصحاب المحلات طمعا في الحصول على علبة حليب تبخر أو كيلوغرام سكّر غائب أو لتر زيت كريه و لكنّه يتلذذ سحل خصومه  و إهانتهم و تعذيبهم

فهل بهذا المنطق يمكن أن نبني دولة و يمكن أن  نؤسس لتحقيق النّموّ و الرخاء

إنّ رواندا التي نذكرها بتحسّر لم تستطع تحقيق ما حققته إلا بفضل المصالحة الوطنية الشاملة و اعتراف المخطئين بذنبهم و اعتذارهم عنه و تسامح المضطهدين و استعدادهم لطيّ الصّفحة و وضع  اليد في اليد و الاتحاد لتحقيق الأفضل للبلاد و بناء دولة قويّة متضامنة متقدّمة ومتوثّبة نحو المستقبل..

أمّا ما نعيشه اليوم في تونس فهو خسارة كبيرة في الوقت و المال و هدر للطاقة و ضياع للحلم

فهل بيننا حكيم يفقه و يصلح ؟ و هل بيننا وطنيّ يبني و يجمّع  ويوحّد  ؟

أكمل القراءة

جور نار

من كانوا ينتظرون أن لا يخيب ظنّهم … خاب ظنّهم !

نشرت

في

بعد أن عشنا ومنذ 25 جويلية من السنة الماضية ما وقع لكل من نعتهم مولانا وأتباع مولانا وأنصار مولانا ومن بايعوا مولانا ومن ساندوا مولانا ومن راهنوا على مولانا، بالفاسدين والمحتكرين والخونة والعملاء والانتهازيين…

محمد الأطرش Mohamed Alatrash
محمد الأطرش

وبعد أن ثبت “قضائيا” ان أغلب إن لم نقل كل من نعتوا بغير ما فيهم، كانوا مجرّد وسائل وآليات افتعال أزمات لإلهاء الشعب عمّا يعانيه ويعيشه وعن أمهات الأزمات…فالأزمة الاقتصادية استفحلت وأغرقت البلاد في أزمة شكّ وأزمة ثقة وأزمة يأس وإحباط وأزمة وجود…لكن رغم ذلك لم ينفضّ أتباع ساكن قرطاج من حوله، كما لم يصرخ كل الشعب باسمه أيضا يوم الاستفتاء، وقبله يوم الاستشارة…

فمن كانوا ينتظرون وضع كل خصومهم في السجن خاب ظنّهم…ومن كانوا ينتظرون انتقاما من جميع من حكموا قبلهم خاب ظنّهم…ومن كانوا يشعلون فتيل الفتنة بين مكوّنات المشهد السياسي خاب ظنّهم…ومن كانوا يحقدون على النهضة خاب ظنّهم…ومن كانوا يحقدون على ” الدساترة” خاب ظنّهم…ومن كانوا يحقدون على نواب الائتلاف خاب ظنّهم…ومن كانوا ينتظرون إغراق السجون بعصابات التسفير خاب ظنّهم…ومن كانوا ينتظرون فراغا وشغورا في كل مؤسسات الدولة للاستحواذ على كراسيها خاب ظنّهم…

ومن كانوا ينتظرون إعادة ما يزعم البعض أنه أموال منهوبة خاب ظنّهم…ومن كانوا ينتظرون مليارات رجال الأعمال خاب ظنّهم…ومن كانوا ينتظرون هرولة الدول الشقيقة للتصفيق ودعم ما أتيناه خاب ظنّهم…ومن كانوا ينتظرون مليارات الدولارات من صندوق النقد الدولي خاب ظنّهم…ومن كانوا ينتظرون بروز وجوه سياسية تصنع العجب خاب ظنّهم…ومن كانوا ينتظرون انخفاضا كبيرا في نسبة العاطلين عن العمل خاب ظنّهم…ومن كانوا ينتظرون تجميدا للأسعار او الحدّ من ارتفاعها خاب ظنّهم…ومن كانوا ينتظرون وقوف “جماعة الطبوبي” إلى صفّهم خاب ظنّهم…

ومن كانوا ينتظرون خروج الشعب إلى الشوارع خاب ظنّهم أيضا…ومن كانوا ينتظرون انتعاشة اقتصادية خاب ظنّهم…ومن كانوا ينتظرون إنجاز أحد الوعود خاب ظنّهم…ومن كانوا ينتظرون رفع المظالم خاب ظنّهم…ومن كانوا ينتظرون نسيان ما أنجزه بن علي رحمه الله خاب ظنّهم…ومن كانوا ينتظرون نسيان ما أنجزه الزعيم بورقيبة خاب ظنّهم…ومن كانوا ينتظرون حلّ حركة النهضة خاب ظنّهم…ومن كانوا ينتظرون زيادات معتبرة في الأجور خاب ظنّهم…ومن كانوا ينتظرون موسما سياحيا متميزا خاب ظنّهم…ومن كانوا ينتظرون انتعاشة فلاحية خاب ظنّهم…ومن كانوا ينتظرون مصالحة وطنية شاملة خاب ظنّهم…

كذلك من كانوا ينتظرون البقاء بمفردهم في المشهد السياسي خاب ظنّهم…ومن كانوا ينتظرون مسح بورقيبة وبن علي من ذاكرة اغلب هذا الشعب خاب ظنّهم…ومن كانوا ينتظرون وجودهم في دائرة ساكن قرطاج خاب ظنّهم…ومن كانوا ينتظرون عودة العلاقات مع سوريا خاب ظنّهم…ومن كانوا ينتظرون انخفاض العجز التجاري خاب ظنّهم…ومن كانوا ينتظرون انخفاضا في نسبة التضخم خاب ظنّهم…ومن كانوا ينتظرون قبول الشعب بهذه “العيشة” خاب ظنّهم…ومن كانوا ينتظرون أن أحوالنا ستتحسّن بالخطب العصماء خاب ظنّهم…ومن كانوا ينتظرون أن الشعب سيقبل بهذه الأوضاع وتواصلها خاب ظنّهم…

نعم هكذا نحن اليوم في تونس نعيش حالة يومية واسعة من افتعال الأزمات وخلق الأحداث الجانبية والايهام بحملات لمقاومة الفساد والاحتكار وغيرها من الملفات التي تتطلب دعاية إعلامية واسعة لإلهاء الشعب في قضية ما تأخذ اهتمامًا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي، وعاشت وتعيش البلاد منذ 2011 المئات من الأزمات المفتعلة، منها أزمات سياسية واجتماعية وفكرية وبرلمانية ودستورية وقانونية ورياضية وصحيّة، وهذه الأزمات دائمًا ما تصدّر إلى الشارع لتُحوّل وجهته عن القضايا الأهمّ والأزمات الأكبر والأخطر…لذلك أعود لأقول …من كانوا ينتظرون الجنّة…فلا جنّة غير جنّة الله…ومن كانوا ينتظرون عدلا…فلا عدل غير عدل الله…ومن كانوا ينتظرون خيرا فلا خير إلا ما يعلمه الله…فحتى من كانوا ينتظرون انه لن يخيب ظنّهم…خاب ظنّهم….وسيخيب…

أكمل القراءة

صن نار