تابعنا على

جور نار

معركة استرجاع الوطن

نشرت

في

تونس أصبحت استثناء في محيطها من حيث أنها حققت إنجازا غير مسبوق في مجال الديمقراطية و الحرية….جواب ألفناه و حفظناه عن ظهر قلب من المنتمين إلى كتلة الحكم مند عشر سنوات،

محمد الواد Mohamed Eloued
محمد الواد

ما ينبغي أن تفهمه من هذا الجواب أن ما أتاه القوم هو منة و فضل منهم على الشعب الكريم . كلام يبدو في ظاهره مسكنا للغبن الذي عانى منه الشعب طيلة هده العشرية، أما حين نتعمق فيه فسنكتشف كما هائلا من المغالطات و من القفز على الحقائق . فحين يدّعون أن الإنجاز ما كان ليتحقق لو لا عملهم و دورهم فهم يتناسون أن الديمقراطية و الحرية كانتا مطلبا شعبيا ثابتا و راسخا منذ حكم بورقيبة و حين يرددون هذا الكلام فكأنما يقولون إن علينا أن نختار بين الرفاه و تحقيق مطالب الشعب في حياة كريمة و بين خوض تجربة الديمقراطية أي أن علينا أن نسقط إحداهما من حساباتنا.

و هنا تحديدا أسأل أهل هذا الطرح هل تعتقدون حقا أن تونس دخلت نادي الدول الديمقراطية الجديرة بهذه التسمية ؟؟؟ و سيقولون طبعا نعم …لكن عليهم أن يتوقعوا أسئلة اخرى من نوع هل احترمتم الدستور و لم تؤوّلوه بما يتنافى مع مقاصده و مع المبادئ الكونية هل حرصتم أم عرقلتم إرساء المحكمة الدستورية ؟ هل عندكم قناعة بأن سنّة الديمقراطية تقتضي القبول بمبدإ التداول على السلطة تنفيذا لإرادة الشعب أم استعضتم عنها بخدعة التوافقات و البيع و الشراء من وراء ظهر الشعب ؟

هل أسستم ديمقراطية قوامها التنافس على خدمة الشعب عبر طرح البرامج و الحلول و السهر على مكاسبه و أمنه و مستقبل أولاده أم أشعلتم فتن الهوية و دفعتم أبناء الوطن الواحد إلى مهلكة التباغض و التناحر؟ هل حرصتم على سمعة البلاد و هل ضمنتم سيادتها و النأي بها عن التطاحن الإقليمي المدمر أم جعلتموها لقمة سائغة في متناول طرف يريد أن يعيد تونس إلى مربع الإيالة و تقبيل يد الخليفة العثماني المقيت ؟

أسئلة في بواطنها الأجوبة و لا تحتاج إلى شروح بما أن الوقائع و تصرفات من تحملوا الأمانة تغني عن كل تعليق. أما ما ضحينا به لقاء كل هذا فلا يقع تحت حصر و يكفي أن ننظر إلى ما آلت إليه حال الدولة و كيف تهالكت مقوماتها و كيف تحولت إلى هيكل عاجز تعتريه الثقوب من كل جانب و يتطاول عليه الأقزام و المنحرفون دون وجل أو خوف .فمادا فعل أصحاب الأمانة إزاء الانتهاكات و الإهانات غير غرس الرؤوس في الرمل و التخفي خلف مبررات منافقة و مسايرة لمنطق الاستقواء على الدولة بالسخاء في العطاء و مكافاة الكسالى و المعتدين على مكتسبات الشعب وإعدام كل قطاع منتج .

يكفي أن نعاين هدا الطوفان من المطلبية المجحفة في كل القطاعات تقريبا و غير المكترثة لحالة الهوان التي نخرت الميزانية و للغرق الفاحش في الديون. يكفي أن ننظر إلى حال مدارسنا و مستشفياتنا و طرقاتنا و مؤسساتنا العمومية لنستنتج أن القوم يسيرون البلاد بمنطق …أعطيني اليوم و غدوة الله لا يرد فاس على هراوة… و أين الشعب المسكين من كل هذا؟ هل هو مبتهج مزهو بإنجازكم الديمقراطي المغشوش و المنافق؟

و كأن كل هذا لم يكف المتلبسين بالحكم فعندما تتاح لهم المنابر يتحولون إلى بكائين مشفقين على أحوال العباد و البلاد يختلقون الأعذار السخيفة و يتبنون طروحا جديدة في الإصلاح بل فيهم من يتوعد الشعب بسوء المآلات في صورة تولي آخرين مقاليد الحكم و التسيير في البلاد. لكل ذلك أكاد أزعم أن حبل الكذب بلغ منتهاه و أن محاولات إعادة الخلطة بنفس المكونات لن تنتهي إلا بإعلان الإفلاس في البلاد…إفلاس شامل و عام. اليوم نحن أمام مواجهة واقعنا بكل شجاعة و شعور بالمسؤولية و الحلول يجب أن تكون جذرية فالمعركة أصبحت معركة استرجاع وطن ضاع منا . معركة الاحتكام إلى مؤسسات دستورية قوية و فاعلة في ظل ديمقراطية العقلاء و ليس السفهاء و أعداء الدولة …

نحن في حاجة إلى نواب شعب و مسؤولين قادرين على الانكباب على ما ينفع الشعب و في حاجة إلى كنس الرعاع و السفلة و مبيضي الإرهاب و المستكرشين عبدة الكسب غير المشروع و إذا اقتضى الأمر إجراء انتخابات سابقة لأوانها فليكن فأفضل أن نبادر إلى هذا الحل قبل الأوان على أن نلتجئ إليه مكرهين …بعد فوات الأوان

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

هل تعرفون استعارة “القلم” في عالم التربية والتجديد التربوي؟

مساهمة بمناسبة اليوم العالمي للتعليم

نشرت

في

أتاح لي تقديم كتاب صديقي الدكتور مصطفى الشيخ الزوّالي “المدرّسون والتّجديد” فرصة الاطلاع على ما كتبهُ في خصوص مُثبّطات التجديد والتّغيير في مدرستنا التونسية، ومحاولة النبش في العوامل التي أدّت إلى عدم توصّل مختلف الاصلاحات المتعاقبة إلى مؤدّياتها المرسومة لها بدءً،

منصف الخميري Moncef Khemiri
منصف الخميري

كما أتيحت لي بهذه المناسبة فرصة البحث في بعض أدبيّات المشتغلين في حقل التربية والتعليم في بِطاح أخرى عبر العالم عمّا قد يُساعد على تفكيك هذا اللغز المحيّر، والمتمثّل في أن الإصلاحات التي تُنزّلها الدولة “دفعة عموديّة واحدة” لا يمكنها إلاّ أن تفشل أو تصطدم بإكراهات وتخييبات موضوعية يصعب جدا تحييدها والتغلب عليها، حتى أن بعض منظومات التربية لجأت في النهاية إلى اعتماد مقاربة “الجُرعات الإصلاحية الموضِعية” كصيغة وُسطى تضمن قدرا أكبر من قابلية التحقّق الميداني. واكتشفتُ أثناء هذه الرحلة، استعارة مجازية استخدمها بعض الدّارسين والباحثين في الشأن التربوي من أجل تقريب صورة ما يحدث في التربية إلى أذهان الناس، وخاصة من أجل إتاحة فهم أفضل لمُعيقات الإصلاح وهوْل الانزياح بين النوايا المُترعة والمبادئ المُعلنة من ناحية، وحقيقة ما يُعطَى على أرض الواقع من نتائج زهيدة في ظل كل إصلاح…

هذه الصّورة البلاغيّة هي استعارة القلم.

وجدتُ أن الصورة البلاغية للقلم تنسحب بشكل جليّ على وضعنا التربوي في تونس وعلى مآل الإصلاحات المتعاقبة التي لم يتحقق من نواياها وغاياتها المُعلنة سوى النزر القليل، وذلك على النحو التالي :

  1. سِنُّ القلم، هذا الجزء الطليعي من القلم الذي يتميّز بالحدّة والقدرة على التجدّد من رحِم نفس القلم بمجرّد البَرْي، ويمثل نخبة المُجدّدين والمطوّرين في مجال التربية على مستوى الوسائط المستعملة والمناهج المعتمدة والمضامين المقترحة والآفاق المستقبلية المرسومة. هؤلاء بصورة عامة، عددهم قليل ولا تُعيقهم الظروف المحيطة المُكبّلة : يأخذونها بعين الاعتبار لكنها لا تأسرهم، يلعبون دور المحرّك والقادح ويحاولون تفعيل رؤاهم المُجدّدة ضمن فريق صغير من العناصر المندفعة وضمن مشروع متكامل تقوده نظرة مؤصّلة، ويروم تحقيق أهداف معلومة. هم مجموعة من الرياديّين يكتبون مستقبل المدرسة ومستقبل التعليم، يجرّبون ويوثّقون ويتأمّلون ويطرحون الأسئلة غير المألوفة وينبشون في ما يكتبه الآخر على ضفاف أخرى للمقارنة والاطلاع المتزن على مكتسبات الانسانية ونجاحاتها في مجال التعليم دون عُقد أو تبعيّة.
  2. الجزء المبْري من القلم قبل الكشف عن الغرافيت او الكربون المُعدّ للكتابة (les affutés) هذا الجزء يُمثّل عددا أكبر من “الرياديّين” ويتمترس مباشرة خلفهُ، يراقبُه وينتبِهُ إلى ما يأتيه من ممارسات تربوية تحديثيّة فيها قيمة مُضافة. هم سريعا ما يتبنُّون التجديد واعتماد الممارسات الجيدة لكونهم قريبين جدا من رأس حربة التغيير.  
  3. الخزّان أو المستهلكون، وهو الجزء الأكبر على الإطلاق من حيث العدد. فأغلبية المدرّسين في كل المستويات التعليمية يمثلون هذا الجزء الأكبر من القلم. يكونون عادة مستعدّين لتبني التغيير والانخراط فيه شرط مساعدتهم أو تعهدّهم بالتكوين والتحفيز. هم كتلة صامتة تقودها حسابات نفعيّة آنيّة وتنتظر دائما ما سيفرزه الواقع وما ستؤدي إليه تجارب الآخرين، لكنها لا تُعادي ولا تبادر في نفس الوقت. وحتى عندما ينخرط عناصر هذه الكتلة في أي تجديد، فهم ليسوا مغامرين كما يفعل “جماعة سِنّ القلم” على معنى الإقدام على تجديدات تبدو للوهلة الأولى وكأنها طوباوية وصعبة المنال. هم يقفون على حافة التغيير دون التجرؤ على القفز… لذلك هم بحاجة إلى وجود مرشدين بيداغوجيين ومتفقدين أو أية سلطة بيداغوجية أو رمزية أرقى لتحفيزهم وجعلهم يُحلّقون بثبات في سماء إعادة إنتاج فعل التعليم والتعلّم.
  4. المِمحاة في آخر ظهر القلم، وتُمثّل مجموع المُحاة، (من محَا الشيء أي أزال أثرهُ وهم بصورة عامة أصناف من المربّين والهياكل النقابية. يتخندقون عادة في المعارضة ويسعون دائما إلى تحييد المجهودات المبذولة من طرف النخبة الريادية. المُحاة عادة ما يتكئون على “التقليديين والمستهلكين” الذين يقبعون مباشرة أمامهم لفسخ ما يكتبه الرياديون أو ما يفعلونه.  
  5. المَشابِك les clamps  (وهو الجزء الفولاذي الواقع بين الممحاة والكتلة الصامتة) يتعلقون بما يعرفون ويرفضون تغيير ممارساتهم. هؤلاء هم التقليديون الذين يرفضون إدخال أي تغيير على سلوكاتهم البيداغوجية وممارساتهم المهنية، وغالبا ما يكونون مشدودين (كما يشدّ القلم إلى مشبكه) إلى الصورة التقليدية التي صُنعت للمدرسة والتي يكاد يكون فيها المعلم رسولا أو سيّدا يسعى إلى تحويل متعلميه إلى عبيد، لمجرد كونه علّمهم حرفا ‘كما تقول الأسطورة التربوية المتداولة). وبشيء من الطرافة عادة ما تدعو المنظومة إلى ترك هذه الفئة لحالها…راضية مطمئنة خالدة إلى نومها وقناعاتها التي لا تتزحزح.
  6. مِشدّ القلم (الجزء الذي يعلّق منه القلم أعلى الجيْب) ويمثّل المتفرّجين أو المارّين السريّين، يكونون على علم بكل شيء ويوهمون الآخر بأنهم منتبهون إلى كل شيء ومُلمّون بكل التفاصيل ولكنهم سلبيون ويُغرّدون على هامش الفعل التربوي.

لكن هذه الاستعارة، رغم طرافتها وشموليتها، فإنها تُهمِل في رأيي عنصرين آخرين أساسيّين هما :

  1. العمود الرّصاصيّ الداخلي الواقع على طول الغلاف الخشبي للقلم والذي يمثّل كل الطاقة الكامنة داخل منظومتنا التربوية التي تنتظر من يبْريها ويقلّمها ويجعلها تُفصح عن نفسها مهما تضخّم حجم الممحاة والمُحاة، ومهما تعرّض سِنّ القلم للإحباط والتقصّف على حواجز “مقاومة أي تغيير” والرّكون إلى منطق “شدّ مشومك” المُريح وإلى روح العدميّة السائدة.
  2. العنصر الثاني هو اليد التي تُمسك القلم ممثّلة في المحيط المجتمعي العام الذي تنمو ضمنه مدرستنا والنظام السياسي الذي يشرف على حظوظها. لأن المدرسة هي مجرد ضلع من جملة أضلع أخرى تتكفل بمهمة التعليم والتكوين وتتكامل وتترابط فيما بينها، ومن ناحية أخرى هي تتأثر شديد التأثّر بالمناخ الاجتماعي العام إن كان مُحفّزا على التحصيل ومشجّعا على التأهيل أو عكس ذلك كما هو حالنا اليوم في تونس، مُحرّضا على التفاهة ومُرغّبا في انتهاج سُبل الشهرة السهلة والربح السريع وإعلاء قيم البلطجة والفهلوة والشطارة.

أكمل القراءة

جور نار

انتخبوا … سليمان عبد الباسط !

نشرت

في

هيئة الانتخابات: نحو 270 ألف ناخب صوتوا في الانتخابات التشريعية حتى الـ10  صباحًا

اليوم الدور الثاني لانتخاب أعضاء البرلمان الجديد … وهو ـ منذ السنة السنواء 2011 ـ البرلمان رقم 3 أو 4 أو خمسة والله نسيت …

عبد القادر المقري Makri Abdelkader
عبد القادر المقري

لن أتدخل في اختيار هذا أو ذاك، ولا في ذهاب هذه أو تلك إلى مركز الاقتراع … هي حريات وقرارات، ولو ان هناك تحفظا جادا حول علاقة التونسي بهذين المصطلحين … قل لنترك المحطات الانتخابية التي سبقت عام 11 جانبا، وهات ماذا لوحظ منذ 23 أكتوبر لذاك العام الذي هلّ فيه هلال الشقيقتين “نزيهة” و “شفّافة”، على وزن الصانعتين القديمتين زينة وعزيزة …

الصفّ في تلك الانتخابات الأولى كان يمتد طويلا أمام قاعة التصويت حتى الجدار المقابل … ثم يستدير معه الى الباب … ثم يتواصل من الباب حتى يدور مع السور الخارجي … ويلفّ ذلك السور على رابع شيرة كأنه طابور بؤساء أمام باب المعتمدية يوم توزيع الإعانات … ولا يهمّ إن كان الطقس يومها شمسا أم مطرا، فالوجوه مصممة والسيقان متشبثة بالأرض والعيون تحلم تحلم تحلم …

نفس المشهد تقريبا تكرر في 2014 ولكن بدافع مختلف … حُصّاد حلم 2011 (إن لم أقل سارقيه) صاروا هدفا للإسقاط وما هبّت الجموع الجرّارة إلا لذلك الهدف … وكان فارس تلك الغزوة شيخ طاعن من تراثنا الحكومي المنسي … نفضت عنه الغبار قناة تلفزيونية خاصة وفوجئ أكثر الناس أنه مازال حيّا … جاء بخطاب جدّ يداعب أحفاده، ولكنه كان فيه بعض وعيد لمن حكموا بعد الثورة فخيّبوا الظنّ وأفسدوا … وأسفرت الانتخابات عن فوز العجوز الغابر بالكأس والبطولة … أي البرلمان والرئاسة، في قصة عجيبة لمجد يأتي في التسعين …

مرت خمس سنوات على حكم البجبوج وتبيّن للناس أن الرجل كان كغيره فقاعة كاذبة وخيبة أعظم ومجرد لعبة ديكور … فعمّ الاستياء والشقاق والانشقاق والشقوق، وتنابز أفراد الحاشية بالألقاب ووقع اختصام على توزيع الغنائم ولم يغنم شعبك سوى الهواء … وفي الأثناء مات عجوز 2014 قبل أن يتمّ الولاية بأشهر قليلة فسارعوا إلى انتخابات مبكرة … أو تكاد …

جاء موعد 2019 … وبما أن دستور ذلك الوقت (بل في جميع أوقاتنا) يزامن بين الرئاسية والتشريعية، فقد خدّمت بعض الأحزاب النافذة أمخاخها وقالت: تركيزنا على البرلمان فهو قلب السلطة، أما واجهتها الـ”بلاكيه أور” فلنتركها بعيدا عنا … بالاسم طبعا فقط، ولكن التمثال يجب أن يكون لنا ومن صنعنا فمن يدري؟ … ومهما كانت هزالة صلاحيات الرئيس، فيمكن أن يزعجنا ولو بالكلام إذا لم يكن مضمونا لدينا … ولا تنسوا مقام الرئاسة في أذهان العوامّ ومن كان يمسكها في الزمن السابق الطويل …

لذلك شهدت انتخابات 2019 تزاحما هي الأخرى ولكن الغايات اختلفت من جديد … هذه المرة توفي الباجي الذي كنا سنعاقبه فمن سنعاقب الآن؟ … وهكذا اختير للكاستينغ مرشحان نهائيان يسهل التكهّن بمن سيفوز منهما ومن سيخسر … أنذكر تلك القناة التي “لنصات” الباجي بعد الثورة؟ هي وصاحبها صارا يمثلان الرئيس الراحل وذكراه التي بقيت وعنوانها الأكبر الفساد … لاأعرف القروي ولاتهمني معرفته، ولكن التركيز على فساده هو حصريا، يبدو لي وكأنه شغل سياسة وإفساح مجال لاأكثر … وقد أيدت الأحداث هذا في ما بعد …

ما أذكره عن انتخابات 2019 أن الصباح الانتخابي كان فاترا بعض الشيء … ولكن ما أن بدأت العشية، حتى تحرّك ما يشبه العاصفة لبشر وكانه نُفِخ لهم في الصور … أعداد مهولة من الناس راحت تسابق الزمن والمسافة إلى مكاتب الاقتراع … ربّات بيوت بملابس المطبخ، رجال بقفّة القضْية، شبّان يقادون بآبائهم، عائلات بأكملها خرجت من منازلها تحثّ الخظى بل تركض ركضا ولا على ألسنتها إلا كلمتان: قيس سعيّد … يلّه، لقيس سعيّد !

طبعا الهتّيفة ومحترفو الجملات راحوا لأسابيع وأشهر طويلة يشرحون لنا “ملحمة” مرشح الشباب والسيد نظيف والفقير الذي لم ينفق على حملته سوى قهوة كابوسان وعلبة مارس انتار إلخ … وراحوا ينسجون أساطير حول رجل معجزة وظاهرة فريدة وحبّ صاعق ومرشّح جادت به السماء … وقد صدّق أذكياء كثيرون هذه الرواية، وكيف لا ونحن في كل مرحلة من تاريخنا تعوّدنا نصنع إلها ونرفعه إلى سابع سماء …

الآن كل هذا انحسر كغيمة صيف … الإله لم يعد إلها، ونظيف الأمس صار يقال فيه ما يقال، وسردية القهوة الشعبية والسجائر الرخيصة أضحت في خبر كان، ولا حديث عن فشل السياسات الذريع وحال البلاد التي زادت تدهورا على تدهور … لهذا استطالت الطوابير (أحكي عن الدور الأول) مرة أخرى ودارت مع الأنهج والشوارع، ولكن من نوع مغابر تماما … نوع المقاطعين لا المشاركين … وهم للصدفة، نفس الذين نُفخ لهم في الصور فهرولوا ناخبين لنفس المرشح في 2019 …

أكمل القراءة

جور نار

“هات ديراكت زايدة حليب… من غير موس يعيّشك” !

نشرت

في

غدا الدور النهائي من انتخابات مولانا…عفوا من الانتخابات التشريعية، ولأول مرّة في تونس يقع مثل هذا الفعل الديمقراطي المثالي ولأول مرّة نلتجئ إلى دورين في الانتخابات التشريعية، دور نصف نهائي ودور نهائي دون حصص إضافية ودون ضربات ترجيح…هذا الفعل الذي يأتيه وأتاه مولانا عالي المقام يعتبر الفعل الديمقراطي الوحيد في كامل تاريخ الأمة العربية والعالم فحتى في بلاد العمّ سام لا يفعلون ما فعلناه…فلم ينعتون ويتهمون عالي المقام بالمستبد والدكتاتور والمنقلب…؟؟ مولانا غير هذا ولن يكون…ألا يخجلون مما يقولون ويزعمون؟

محمد الأطرش Mohamed Alatrash
محمد الأطرش

فهل عالي المقام فعل ما فعله “نيرون” مثلا… “نيرون” هذا عُرف بطغيانه وبذخه الشديد…ونيرون قتل أمه وزوجته وأحرق بلاده وانتحر…فهل فعل ذلك عالي المقام …؟ لا…ابدا فعالي المقام وفّر ويوفّر وسيوفّر ووعد بتوفير كل ظروف الحياة الكريمة للشعب فلا أحد احتاج… ولا أحد سيحتاج في عهده ولا أحد سيعارض ما يأتيه…فعالي المقام لمّ شمل كل الشعب حوله وأعلنها مصالحة شاملة بين الماضي والحاضر، فلا الحاضر يشيطن الماضي، ولا الماضي يعرقل الحاضر خدمة لمستقبل أجمل أراده مولانا بسياساته العقلانية التي وحّدت بين جميع أفراد ومكوّنات هذه البلاد.

هذه البلاد التي كانت مللا وطوائف قبل أن يقبل علينا مولانا بسياساته السمحة “التسامحية”ويحتضننا جميعا بخطابه التجميعي، وترحيبه بكل مكونات المشهد السياسي، واعترافه بكل الأحزاب ووضعها جميعا تحت إبطه لتعيش في ظلّ جناحيه تنعم بودّه ودفء سياساته المتسامحة ولطفه ومساندته الشاملة والكاملة… وعالي المقام ليس “كارينوس” الذي كان يعتبر واحدا من أسوأ الحكام في التاريخ الروماني والذي اغتيل على يد أحد ضباطه…مولانا وعالي المقام يحبّ كل الشعب وينعم بمساندة كل الشعب فلا أحد من أبناء هذا الشعب لا يحب عالي المقام ولا يحلم بمصافحته…ورؤيته وملاطفته…والنظر إلى وجهه الملائكي الذي يوحي بالبراءة واللطف وحبّ الناس…

وعالي المقام ليس الامبراطور الروماني “فيسباسيان”  الذي طلب أثناء احتضاره من خدمه أن يجعلوه واقفا حيث قال “على الإمبراطور أن يموت واقفا على رجليه” و قال كلماته الأخيرة “يا أعزائي، أظن أنني سأصبح إلها” فهل قال عالي المقام مثل هذا ؟ ابدا …عالي المقام لا يعتبر نفسه إلها وهو الوحيد الذي يشرّك كل الشعب في حكم البلاد وتسيير مؤسساتها ويخرج الى الشعب ليلا يستشيره في شؤون البلاد وما ينفع العباد…أليس الدور النهائي من انتخابات المجلس غدا خير دليل على تشريك مولانا عالي المقام الشعب كل الشعب، في حكم البلاد والعباد…؟

عالي المقام ليس كما يزعمون ويتحدثون ويروّجون…عالي المقام ديمقراطي حدّ النخاع …فهو يلاطف كل من يعارضه ولا يسيء إليهم في خطبه وأعلن كم من مرّة على الملأ أنه يحبهم ويعتبرهم إخوته وأقرب الناس إليه ويريد ما يريدون…فعالي المقام لم ينعت يوما أيا ممن يعارضه بنعت يسيء إليه…ولم يتهم أحدا بما ليس فيه قط…ولم يحكم يوما على النوايا…فخطب عالي المقام تعتبر دروسا في التسامح والحبّ والودّ والألفة…وكلمات خطب عالي المقام ترتقي إلى رسالة حبّ لا مثيل لها نحو كل معارضيه وكل من يختلفون معه في سياساته وهؤلاء يعدّون على أصابع اليد الواحدة …

عالي المقام ليس الامبراطور “كاراكلاّ” ابن جوليا دومنا السورية الأصل المتهم بقتل شقيقه ومعاونه جيتا والمتهم بذبح كل من عروسته وضيوف زفافه بعد حفلة الزفاف مباشره…عالي المقام يحزن حين يمرض أحد أفراد شعبه…ويغضب حين يظلم احد أفراد شعبه…ويغضب حين يُساء لأحد أفراد شعبه فكيف يقول البعض انه مستبد ودكتاتور…لا ابدا، مولانا يحبّ شعبه كما لم يحبّ الشعب قبله احد…عالي المقام يسهر على توفير كل وسائل الحياة والرفاه لشعبه…فكل السلع والمواد الحياتية متوفّرة في كل الأسواق والمحلات…نيرون وكارينوس وفيسباسيان وكاراكلاّ لا يرتقون إلى مقام عالي المقام…والسلام…

وأنا اكتب هذه الاسطر وقف أمامي نادل المقهى يسألني “تشرب حاجة يا حاج؟” قلت “هات ديراكت زايدة حليب من غير موس يعيشك؟” وأضفت ” ان شاء الله نحجّوا”… أجابني ضاحكا “الحليب مقطوع يا حاج نعملك قطيرة نستلي”…عدت إلى ما أكتب وأرسلت الافتتاحية إلى رئيس التحرير…وغادرت المقهى وأنا أتمتم…”الحليب مضرّ بالصحة ويرفع من نسبة الكوليسترول أطال الله عمر عالي المقام فهو أكثر منّا حرصا على صحة شعبه…”

أكمل القراءة

صن نار