تابعنا على

منبـ ... نار

من تجربة والٍ بعد الثورة

الأصل ليس إسكات أصوات الغضب، بل تلبية انتظارات الناس … و عند تعذّر ذلك، بناء ثقة متينة معهم … بالقليل المُتاح

نشرت

في

احتجاج أمام مقر ولاية

لم أكن متهيّئا مُطلقا لأن تقع دعوتي يوما إلى شغل هذه المناصب السياسية وأمثالها، لا فقط لأنني انتميت طوال حياتي إلى طيف سياسي تجنّد وناضل من أجل احتلال مواقع احتجاجية متقدمة بدلا من المواقع السلطوية المتهدّمة … بل وأيضا لأنني مازلت أعتبر أن كل خطة إدارية لا بدّ لها من ملمح خاص يستدعي تكوينا معيّنا وأدوات معلومة في التسيير و الحوكمة.

لكن حدث ما حدث في 2011 وتمّ الدفع بمجموعة من الأشخاص غير المحسوبين على النظام السابق، ويتوفرون افتراضيا على حدّ أدنى من المقبولية لدى عموم الناس، وخاصة لدى شارع مازالت حرارته مرتفعة وواقع آنذاك تحت سيطرة “قوى الاحتجاج التاريخية” (التي ستُسكت أصواتها الصادعة فيما بعد نتائج الصناديق المفخّخة) من نقابيين وحقوقيين ومناضلين من شتى أصقاع عالم الأنوار والأفكار.

منصف الخميري *

كنت من بين هؤلاء وقبلت التحدّي بعد استشارة عدد كبير من أصدقائي الذين أجمعوا على ضرورة خوض غمار التجربة رغم إكراهاتها  و حساسية الظرف المهيمن مباشرة بعد جانفي 2011.

لم أعمّر أكثر من أسبوع في قابس على خلفية سوء تفاهم مع وزير سابق رحمه الله لن أخوض هنا في تفاصيله نظرا للتقدير الرمزي الكبير الذي يحظى به هذا الأخير في قلبي رغم كل ما جدّ بيننا… ثمّ التحقت بولاية سليانة لتعترضني أول عملية إرهابية مسلحة في 18 ماي 2011 في قلب مدينة الروحية واستشهاد الملازم الطاهر العياري والعريف أول وليد الحاجي رحمهما الله.

لماذا أعود إلى هذه التجربة ؟

أعود إليها لأتناولها لأول مرة ومن زاوية ما تجلّى منها من حقائق ودروس قد تتوفر على بقايا صلوحية استعمال لفائدة البلد والقائمين على حظوظ تعزيز مناعته وتحسين شروط إمكان السعادة فيه.

أولا :

بالرغم من موقعها المركزي جغرافيا واقتصاديا وتاريخيا، ظلت ولاية سليانة تحبس أنفاسها بعد “جلاء آخر جندي فرنسي”، منتظرة حلول أول مشروع وطني تونسي يُقلّم أظافر الفقر ويُثمّن تراثا عالميا نادرا ويُوظّف العصور الجيولوجية السحيقة التي توفرت عليها عين الذهب بجبل السرج …فما راعهم إلا والوافد الوحيد والأوحد كان مشروعا ألمانيّا تمثل في معمل لصناعة الكابل “دراكسماير” يُشغّل حوالي 3000 عاملة وعامل… وما عدا ذلك لا أثر للاستقلال والدولة الوطنية ولا لدولة الثورة المباركة.

قلت رغم ذلك المنسوب الخُرافي من اللاّ وطن و اللا إستقلال و اللا رفاه… وجدت أناسا طيّبين وهادئين ويُعوّلون على أنفسهم و على ما تزخر به أراضيهم من عذب مياه و تفاح و فاكهة سريز و رخام و زيتون و قوت… لكنه هدوء كان يُخيفني أحيانا لأنه يليق أكثر ببعض الجهات المترفهة التي لا تخترقها أسباب العواصف والأعاصير.

ثانيا :

في تلك الفترة ورغم حضور البدلات العسكرية داخل أروقة المؤسسات السيادية تشعر بأنك أعزل تماما من شرطين أساسيين للحكم وهما الإمكانيات التنموية الحقيقية الموضوعة على ذمّة السلطة الجهوية (أي إجابات ملموسة ومباشرة على مختلف المشاكل التي اصبحت معلومة لدى أجهزة الدولة منذ عقود) من ناحية، وشيئا من “القدرة الإقناعية للدولة” على معنى ترميم الصورة المُهشّمة لدولة الاستقلال التي سقطت كل أوراق التوت عن عورتها وعلى جميع ممثّليها وحاملي ألويتها من ناحية أخرى.

فهذا نظام سقط ولكن يعسر جدا في ذات الوقت أن يولد نظام جديد على أنقاضه الآن بصفة مباشرة ويكون مؤسّسا على قيم العدل والحرية وكرامة العيش والوطن.

لذلك بالذات كان لأداء الأفراد (باعتبارهم ذواتا أكثر منهم ممثلين رسميين لسلطة مركزية) دور مركزي في إدارة الأزمات والتعامل مع الانفجارات الاجتماعية التي تحدث هنا وهناك والتصرف مع حشود المواطنين الذين يتوجب عليك مقابلتهم يوميا.

ثالثا :

وفي علاقة بملمح الأفراد، أقرّ بأن الأصل ليس في إسكات أصوات الغضب أو تأجيل انفجارها بل هو في تلبية انتظارات الناس وإيجاد حلول حقيقية لمشاكلهم. ولكن في غياب ذلك، قدرُك أن تبني علاقات ثقة متينة بالقليل المُتاح وتُثبت أنه لا وجود فعلي لــ “صندوق أسود” يتحوّز عليه والي الجهة وليست الإجراءات الإدارية الثقيلة هي ما يحول دون تنفيذ مشاريع لفائدة المواطنين، بل غياب المشاريع ذاتها … وعليك أن تتسلّح بكل ما أوتيت من حنكة و فطنة لتفلت من عُقال الابتزاز بأنواعه ما لان منه وما تصلّب … وعليك خاصة أن تكون “يسير المنال” يمكن الاتصال بك والتحدث إليك هاتفيا أو بصفة مباشرة في كل آن وحين.

فعلى سبيل الطرفة، كان عديدهم لا يصدق أنك تطلب أرقاما بعد التوقيت الإداري تركها أصحابها لدى الكتابة (لأنك لم تكن بمكتبك بعد الظهر) للاستفسار عن موضوع زيارتهم … فيردون عليك باستعلاء تونسي أصيل “برّة يعيش ولدي ضيّع وقتك في حاجة أخرى، فمّا والي هو يطلب مواطنين العاشرة ليلا ؟” فأجيبه “هاو عندك رقم مباشر، غدوة ثبّتو  في عقلك وتصبح على خير”.

هي بعض الجوانب الاتصالية الحافّة لكنها تساهم في تأسيس مناخ من الثقة الذي يسهّل التواصل مع الناس وامتصاص نسبة هامة من غضبهم وحنقهم على سلطة احتقرتهم على امتداد نصف قرن … و لم تواجه توقهم إلى بعض الكرامة إلا بالمراوغة و التسويف وبعض الجرعات الأمنية نافذة المفعول.

رابعا :

من الظواهر التي تلمسها بشكل جلي وأنت تستقبل مئات المواطنين يوميا، أن بعضهم يأتي فقط ليسجّل في سيرته الذاتية أنه التقى بوالي الجهة  و قال له بصوت عال إن الأمر لم يعد يطاق وأن اتصاله يعتبر تحذيرا أول قبل اتخاذ خطوات تصعيدية أخرى… و البعض الآخر (بصفة موازية تماما لحاملي الشهائد الجامعية العليا المعطلين عن العمل)، يجلس أمامك بكل ثقة في النفس ويدفع إليك بشهادة سراح من السجن بنية التأثير عليك وإقناعك بأن 2011 أسّس بشكل من الأشكال نوعا من “الشرعية السجنيّة” القابلة للاستثمار … و بعض آخر من الذين فاجأتهم الثورة و لم يتمثّلوا أنها حاملة لقيم جديدة تقطع مع ما كان سائدا قبلها فراحوا يطالبون بإعادة إنتاج نفس السلوكات غير السويّة من قبيل “خدّمت أولادي الكل، مازال كان وحيّد برك” … أو “ثمة قطعة أرض هي تابعة الدولة لا محالة، ما ثماش زعمة طريقة كيفاش نتوسع فيها؟ العايلة كبرت، ونزيد نصونها ونحفظها” …  أو كذلك “ياخي اعلاش عملنا ثورة كان ولدي ما ينجحش بـــ 8 على عشرين ؟” … وأختم هذا الركن بظاهرة شدّت انتباهي خلال تلك الفترة وتتمثل في عقلية “محاضر الجلسات” كدليل إدانة للمسؤول المعني، حيث كان عديد المواطنين يعتبرون أن مجرّد عقد جلسة حوارية وتدوين محضر جلسة يلخّص ما تمّ التداول بشأنه (حتى وإن لم تحصل اتفاقات صريحة)، هو حجّة كافية لإثبات الحق وإقرار الموافقة على المطالب المطروحة.

خامسا وأخيرا :

لو كان لي أن أعطي هذه النقطة الخامسة عنوانا لأسميتها “كاموريات”. ..لأنها متعلقة بكيفية مواجهة التجاوزات القصوى التي ترافق أحيانا بعض الاحتجاجات الشعبية المشروعة … و التي عادة ما يحدث -عندما يطول أمدها- أن يتم اختراقها فيتسرب لها المنحرفون والنهّابون وقطاع الطرق وأصحاب المشاريع المشبوهة.

ظاهرة قطع الطرقات على سبيل المثال استفحلت بعد 2011 في كل الجهات بدون استثناء … و هي شكل احتجاجي يمكن تفهّمه لأن المواطن يدرك جيدا أنه في ظل الانفجار المجتمعي العام، لا يتيسّر لسلطة مرتبكة مازالت تبحث عن توازنها أن تنتبه لمشكل تزود بالماء الصالح للشراب في قرية نائية لا يعرف مسالكها المتشعبة إلا الشيخ غوغل والحرس الوطني.

لكن عندما يكون الاحتجاج مشروعا و للسلطة الجهوية بعض المصداقية، كنت شخصيا أرفض التحول إلى موقع الاحتجاج طالما ظلت الطريق مغلقة … و غالبا ما نجحت في إقناع المحتجين بإخلاء الطريق العام و الابتعاد بعض الأمتار فقط فينطلق حوار بيننا يدوم بعض الدقائق أو بعض الساعات قبل التوصل إلى حلول ترضي الناس و تقدر السلطة على تنفيذها.

وثمة في العادة 3 أنواع من الحلول بحضور المسؤولين الجهويين عن كل مرفق (حسب طبيعة المشكل المتسبب في اندلاع الاحتجاج) :

1) مشاكل تستطيع السلطة حلّها في اليوم نفسه بشيء من الإرادة و التعسف غير الضار على الإجراءات الاعتيادية

2) مشاكل يتطلب حلها بعض الوقت  (لكن تتعهد السلطة بالرجوع الى نفس الموقع ومعاينة تقدم الأشغال في الآجال المتفق عليها).

3) مشاكل غير قابلة للحل في الإبان لكونها تتطلب إمكانيات ضخمة وتخطيطا مركزيا لكن على السلطة الجهوية أن “تضغط وتستبسل” في اقتلاع الموافقات الضرورية من الوزارات المعنية على تنفيذ بعض المشاريع ذات الطابع الاستعجالي.

مُقاربة ناجعة في اعتقادي لما يقتنع بها المواطن والمسؤول على حد السواء قد تشكل أرضية تعامل تقي مستعملي الطريق العام وجميع المستفيدين من ماكينة الإنتاج الوطني ومن مرافق الخدمات العامة… تقيهم ما ينجر عن الاحتجاجات السالبة للحرية والسيادة من إزعاجات وإرباكات مختلفة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* إطار تربوي، و وال بعد الثورة و قبل أحداث الرشّ (توضيح لا بدّ منه).

أكمل القراءة
تعليق واحد

1 Comment

  1. نجاح

    22 أكتوبر 2020 في 14:02

    ممتع هو أسلوبك وأنا أقرأ ما جادت به قريحتك أتألّم لحال هذه البلاد فالكفاءات غير مستثمرة وها أنّنا في معاناة دائمة بسبب الزّداءة المبثوثة في كلّ الدّواليب

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

منبـ ... نار

ما يحدث في مجالس الأقسام والتوجيه

انطباعات مستشارة في الإعلام والتوجيه

نشرت

في

“المعلّم السّيّئ يتكلّم. المعلّم الجيّد يشرح. المعلّم المتميّز يبرهن. المعلّم العظيم جدّا يُلهم” (الفنّان والكاتب وليام أرثر وارد 1922 – 1994)

نجاح الحمداني

كم صدعت رؤوسنا تلك التّحاليل والانطباعات والآراء حول التّلاميذ ومستوياتهم الّتي ما فتئت تتدنّى يدعمها أصحابها بنتائج اختبارات تقييم بيزا العالمي وغيره. (ولو أنّي لست ممّن يثقون بتلك الاختبارات العالميّة الّتي تُصاغ وتُصنع في مجرّات أخرى ويُؤتى بها إلينا دون تبيئتها وتطويعها لواقع ناشئتنا). فما إن يحلّ موعد إعلان نّتائج مختلف الامتحانات حتّى تنهال علينا التّحاليل من هنا وهناك مُدينة لمستوى التّلاميذ ناعتة إيّاهم بكل ألوان الصفات التي تزدريهم وتزدري أولياءهم وصولا إلى إدانة السلطة والنظام العالمي والرأسمالية المتوحّشة.

الآخرون هم دائما وحدهم المسؤولون عن تدنّي النّتائج وتدهور المستوى. وأوّل سؤال يقفز إلى السّطح هو هل أن تلك الأحكام مبنيّة على نتائج دراسات علميّة قام بها مختصّون اعتمدوا وسائل قيس وتحليل لربط الأسباب بالنّتائج؟ أم هي أحكام وانطباعات إطلاقية تُوزّع جِزافا لتبرئة الذمّة وتعليق الفشل على حِبال الآخرين؟

وباعتبار أن الخيط رفيع جدا بين الحُكْمِ الانفعالي والتّقييم المتبصّر، كان على الفاعلين التّربويّين التحلّي بالحذر والقدرة على التّنسيب إزاء هذه الأحكام، لأنها كثيرا ما تتحول إلى وصم للمتعلّم يظل يلاحقه على مدى طويل بل قد يكون مدى حياته. فإلى أي مدى يمكن اعتبار هذه الأحكام ذات وجاهة وعقلانيّة تُتيح إمكانية اعتمادها والاستئناس بها ؟

يلجأ المعلّمون (مصطلح “معلّم” شامل هنا) باستمرار إلى إصدار أحكام باتّة حول المتعلّمين و خاصّة حول مستواهم الذهني وإمكانية استمرارهم في الدراسة والتحصيل من دونه، مُقتنعين تماما بأن انطباعاتهم هي بمثابة قراءة تشخيصية أنزلت تنزيلا لا تقبل التشكيك أو التأويل، وهنا تحديدا تكمن خطورتها وآثارها المدمّرة على شخصية متعلّم غضّ مازالت قيد التشكّل والبناء.

إنّ التّساؤل عمّا إذا كان الحُكم الّذي يصدره المعلّمون بشأن مستوى تلاميذهم مبنيّا بصفة عقلانية ومؤسّسا على مقاييس مُثبتة علميا وقواعد موضوعية صارمة، يظلّ قائما وبإلحاح لأن من يستخفّ باستصدارها لا يدرك بالمرّة ثِقل تبعاتها النفسية والدراسية على المتعلّمين.

قد يكون هذا الحكم عفويّا وصادرا عن “حسن نيّة” لكن عندما يتعلق الأمر بمستقبل أجيال (أو حتى بمستقبل طفل أو شاب واحد) يتحتّم على المربّين الحذر والتيقّظ بل الاجتهاد المُضني من أجل فتح الآفاق بدلا من إقفالها وبعث الأمل في النفوس المُتعبة عوضا عن مزيد تأزيمها والإيمان العميق بأنه “ثمّة دائما طريق للنجاة ” على حدّ قول الأديب الراحل الشهيد غسان كنفاني في روايته الرمزية رجال في الشمس.

تقول جميع أدبيّات وزارة التربية منذ عقود إنّ ” التّلميذ هو محور العمليّة التّربويّة، وهو عِمادُها وقِوامُها”، لكن هل يعني هذا أنّنا اهتممنا به حقيقة كذات وكظروف اجتماعية أنتجته ومناويل مدرسية نحتته؟ هل انتبهت المدرسة إلى أحلامه وتصوّراته التي تعتبر نافذته على العالم المحيط به وعلى تعلّمه… وحينما نتجاهل كل هذا كفاعلين تربويّين نسمح لأنفسنا بتصنيف هؤلاء المتعلّمين إلى “جيّدين” و”سيّئين”، إلى “ناجحين” و “فاشلين”.

والتّلاميذ أنفسهم للأسف ـ تحت وقع هذه القوالب النمطيّة ـ يستبطنون هذه الأفكار ويتأثّرون بتلك التّصنيفات لتنعكس في أدائهم المدرسي وتخلق صورة مشوّهة حول ذواتهم.

إن الذي يزيد الأمر تعقيدا هو اعتماد هذه “الصّندقة الاعتباطية والمبكّرة” على النّتائج المدرسيّة الّتي يحصدها المتعلّمون، وغالبا ما يكون هامش الريبة في صدقيّتها وموضوعيتها متغيّرا كثيرا حسب المصحّحين ونمط المواضيع وحالة المتعلمين يوم الامتحان … وطبعا يتجاوز هذا التّصنيف المتعلّمين ليطال الموادّ والشعب والاختصاصات قبل الوصول إلى المهن والوظائف !  أولم يصنّف أحد وزراء التّعليم العالي (أحتفظ باسمه) الشّعب إلى “نبيلة” و “غير نبيلة”؟ والموادّ العلميّة لها العلويّة المطلقة مقارنة ببقيّة الموادّ ليتحدّد تصنيف “الأذكياء” و”الأغبياء” من التّلاميذ حسب “تفوّقهم” أو “فشلهم” في هذه الموادّ صاحبة السيادة المدرسية التي بموجبها تتمّ مختلف عمليات التوجيه في جزء كبير منها.

تصنيف الموادّ الدّراسيّة نجد له أثرا في ضبط الموازنات حيث تُعطى الأولوية لمدرّسي العلوم الذين يتمتّعون عادة بحظوة خاصة في التوزيع الأسبوعي (يُجمع المربّون وحتى أساتذة “المواد غير المثمّنة” بأن المواد العلمية يجب أن تدرّس صباحا لأنها تتطلب أدمغة مازالت متوثّبة) وفي المجالس لهم أولويّة التّصويت إذا تعلّق الأمر بإسعاف أو موقف لم يحسمه القانون ويتطلب تقديرا من المجلس.

ومثل هذه الممارسات أصبحت تمرّ مرور الكرام ويكاد يقبل بها الجميع. ويبدو أنّ الأمر يزداد حدّة حينما نصل إلى توجيه التّلاميذ نحو المسالك والشّعب، فترى العديدين يتعجّبون ويستغربون حينما يختار تلميذ “متميّز” مسلكا غير مسلك العلوم (وهو ما تكرّسه سياسة الدّولة في المعاهد النّموذجيّة) بل إن بعض المعلّمين يستميت في “توجيه” التّلميذ إلى تلك الشّعب الّتي تعتبر مسارات تميّز مزدريا في المقابل بقيّة المسالك الإنسانية والأدبية والاقتصادية … أما رغبة التلميذ وطموحه واستعداده لتجاوز بعض الهِنات التي بيّنتها النتائج وتداعيات أن يتواجد المتعلّمون ضمن مسارات لا تُشبههم ولا تستهويهم…  فتلك إنشائيات تصغي إليها مجالس الأقسام والتوجيه ولكن لا تأخذ بها في القرار النهائي. 

أمّا عن التّلاميذ “السّيّئين” فيشكّلون غالبا حقلا خصبا للتفكّه  وما يشبه النميمة، فتسمع التّدخّلات المسهبة في التّذكير بوضع التّلميذ العائلي، فهذا أمّه مطلّقة وذاك والده يبحث عن التّزوّج مرّة أخرى وثالث له شكل حلاقة غريب لا تليق بالفضاء المدرسي وتلك كلّ همّها التجمّل واستعمال المساحيق ومن الأفضل حسب رأي العديدين أن تغادر فورا وتتزوّج “فتهنأ هيّ ونرتاح نحن”… طبعا كلّ هذا ليس للبحث في حالة المتعلّمين النّفسيّة بل لتوجيههم نحو الشّعب “غير النّبيلة” وإبعادهم عن الشّعب المتمتّعة بالعلويّة والمخصصة للصّفوة.

وبالرغم من أن عمليات التّوجيه تقوم على نصوص قانونيّة (على هِناتها) ورغبات التّلاميذ وإمكاناتهم (يمكن تحديدها باختبارات إذا أردنا أن تكون ممارستنا علميّة دقيقة)، لكنّ أغلب المعنيّين بالمجالس لا يحضرون وإن حضروا فلا تخرج انطباعاتهم عن مربّع التصنيفات سالفة الذكر أو “واللّه لا نعرف، أعطيه الّلي يجي عادي” حينما يُسألون عن المسلك الأنسب والتوجيه الأسلم،. لا مبالاة تقابلها استماتة في استمالة التّلاميذ “المتفوّقين” …

لذلك نرى سنويا عددا هائلا من التلاميذ يطلب إعادة التّوجيه في خطوة إرادية للتمرّد على ما قرره لهم بعض الأساتذه والأولياء..

أكمل القراءة

منبـ ... نار

تكفير التفكير

نشرت

في

رغم ان هاتين الكلمتين تحملان نفس الحروف الأبجدية من اللغة العربية، فإن معنييهما يحملان بين طياتهما افظع التضارب و العدوانية ولا يبشران بأي لقاء في محطات التصالح.

سرور عبد اللاوي

ان الاحداث التي مرت ببلادنا خلال السنوات العشر قد ازالت الغبار عن فداحة الكلمة الاولى التي شهدت اوج نفاذها لدى كتلة سياسية معينة … لقد عشنا التكفير عبر خطب المساجد والخيام الدعوية و المقاهي و التظاهرات الدينية والاعلام المأجور متمثلا في بعض القنوات و الصحف الورقية أو الاعلام الافتراضي … ووصل الامر الى اغتيال الفكر لا لشىء إلا لأنه مختلف مع نظرية صانعي التكفير ….

ان الإنسانية يحكمها الاختلاف غير ان هذا “الاختلاف” يتحول عندنا الى “خلاف” لأن “التخلف” اصبح السائد … ذلك أنه من لا يؤمن بالاختلاف ينزلق بسرعة لرفع راية التخلف بادق معانيه: اختلاف اللون، اختلافالجنس، اختلاف العقيدة وعديد الاختلافات الأخرى التي يعيشها الإنسان منذ بداية التاريخ …

واذا طرحنا الاختلاف في الفكر والهجوم الضاري الذي تشنه جهات بعينها ندرك انه ينم عن اقبح مظاهر التخلف و الانحلال الفكري الإنساني المدني الاجتماعي بطبعه … و لعل اخطر سلاح يتم تداوله (هروبا من مقارعة الحجة بالحجة و احترام المنطق العلمي)هو اتهام المختلف عنا بالكفر … تكفير. شخص أو مجموعة لا لشيء إلا لأنه استخدم فكره في مناقشة فكر الخصم المتبني للايديولوجيا الدينية المتطرفة مسيحية كانت أو اسلامية أو يهودية او بوذية أو غيرها.

لقد انشغلت الجهات المذكورة في المجتمعات وخاصة منها العربية عن المشاكل الحقيقية التي تمس متطلبات الانسان الحياتية والاخلاقية والحضارية و مقومات تقدمه … انشغلت هذه الأطراف بترويج الخرافة و الفتاوى العجيبة و رفض كل طرح عقلي لمشكلات الحياة و منع الناس من حرية الرأي و التعبير …

و قد سجل التاريخ بعيده و قريبه حوادث التنكيل بالعلماء و قتل و “وأد” أصحاب الفكر و العلوم في عالمنا العربي المسلم عبر التاريخ، لا لشيء ألا لأن معيار التقييم الوحيد لم يتجاوز “خنجر”الدين أو “سيف داموقليس” … هذا السيف الذي يخدم مصالح فئة دأبها تقويض الافكار التنويرية، و محاربة العلم بركوب الواعز الديني الحساس وتزييف الحقائق لتعويضها بـ”فقه” البدع … و ذلك لاطفاء شموع تنوير قد يهدد مصالحهم التي ترعاها الظلمة الحالكة…

أكمل القراءة

منبـ ... نار

مفارقات تونسية (2)

في الجدل المتجدد حول التعليم النموذجي في تونس [1]

نشرت

في

         “كل ما تفعله من أجلي بدوني، أنت تفعله ضدي” ـ غاندي

صدر خلال الأسبوع الماضي بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية، قرار من وزير التربية مؤرخ في 19 أفريل 2022 ، يتعلق بضبط طاقة الاستيعاب بالمعاهد النموذجية للسنة الدراسية 2022/2023.

د. مصطفى الشيخ الزوالي

لاحظنا بهذه المناسبة، وعبر صفحات الويب  ووسائل التواصل الاجتماعي، تجدد الجدل السائد في تونس منذ سنوات حول التعليم النموذجي. في هذا الجدل، عادة ما تستميت فئة أولى في الدفاع عن المؤسسات التربوية النموذجية ومناظرتي “السيزيام” و” النوفيام”، وتدعو إلى “عدم المس بالمعاهد النموذجية”، تتحدث عن “المدرسة العمومية التونسية والتميز”[2] ،  وترفض ما تعتبره ’’المقترحات السخيفة“ الداعية إلى إلغاء الإعداديات والمعاهد النموذجية، أي مقترحات الفئة الثانية في الجدل المذكور.  وذلك تحت شعار ’’الجدية والصرامة في مقاومة الرداءة”. و”الدفاع عن الجدارة والجودة”.. [3]

من ناحية أولى، رأينا في العبارات الساخرة المستخدمة من الفئة الأولى، موقفا “استبداديا”، لا يعترف بوجهة نظر الفئة الثانية المخالفة لموقفها. وهذا ما يعكس، في تقديرنا، نزعة نخبوية متعالية، ميزت ولا تزال، قطاعات هامة من النخب التونسية في علاقتها بمجتمعها منذ نشأة الدولة الوطنية. كما يعكس أيضا استمرارا لمنطق الوصاية الذي تعودت على ممارسته تلك النخب “المتعالمة” لعقود طويلة، رسالتها الضمنية أو الخفية تقول: “انتم قاصرون، ونحن فقط المسؤولون على سعادتكم رغم أنوفكم’’.

من ناحية أخرى، وعبر الاطلاع على ما يتم تداوله إعلاميا، وكذلك انطلاقا من معايشتنا للنظام التربوي لسنوات طويلة، مدرسا ثم مستشارا في الاعلام والتوجيه المدرسي والجامعي، وباحثا في علم اجتماع التربية، يمكننا القول إن الفئة الأولى أقل عددا مقارنة بالفئة الثانية.  فغالبية التلاميذ والمربين والاولياء والمهتمين بالشأن التربوي، يجمعون على ضرورة ” إيقاف نزيف إفراغ المعاهد من التلامذة المتميزين”، والذين يمكن أن يلعبوا  دور”المحركات” الدافعة بالأقسام نحو تحقيق أفضل النتائج الدراسية. كما يجمعون على أن المعاهد النموذجية “ليست نموذجية في شيء”، إذ هي تعتمد نفس البرامج والطرق البيداغوجية وملامح المدرسين وعدد التلاميذ بالفصل الواحد والموازنات الأسبوعية ونظام الامتحانات….” وحسب عباراتالمهدي الشريف في كتابه: ’’تأملات تلميذ غير خاضع: مساهمتي في الإصلاح التربوي’’: “هنالك فقط زيادة في عبء العمل المطلوب من تلاميذ النموذجي. حيث لا يتم اعداد نخب فكرية، تحتاج الى مهارات خاصة للتفكير والتحليل، بل إعداد بهائم العمل والتخزين في الذاكرة” [4]

وفي دراسة أخرى منشورة بموقع نواة في 30 أوت 2021 ، تحت عنوان ’’الوجه الخفي للمعاهد النموذجية’’ لفريال تراس، وهي طالبة ومن قدماء المعهد النموذجي بأريانة . وشملت الدراسة 800 تلميذ من تلاميذ المعاهد النموذجية خلال الثلاثين سنة الماضية، بحثت في أصلهم الاجتماعي واتجاهاتهم إزاء تجربتهم الشخصية بالمعاهد النموذجية، وجدت أولا أن غالبية الملتحقين بهذه المعاهد ينحدرون من عائلات مرفهة وذات دخل مرتفع. وهو ما يؤكد أن سر التفوق الدراسي وضمان الالتحاق بالمؤسسات التربوية النموذجية والنجاح فيها، يعتمد أساسا على حجم الدروس الخصوصية ونوعيتها.  وبالتالي فإن المعاهد النموذجية نفسها كمنظومة فرعية داخل المنظومة التربوية إنما هي فقط، أداة لتكريس اللامساواة وعدم تكافؤ الفرص بين التونسيين. .

النتيجة الثانية التي خلُصت إليها الدراسة تأكيد غالبية التلاميذ المستجوبين على سلبية تجربتهم الشخصية بالمعاهد النموذجية من نواح مختلفة، حيث تحدث التلاميذ عن مناخ علائقي غير ملائم لنمو شخصية متوازنة، سواء تعلق الامر بعلاقة تلاميذ النموذجي فيما بينهم أو في علاقتهم بزملائهم من المعاهد ’’العادية’’ او في علاقتهم بالمدرسين أو الإداريين أو بالمجتمع عموما. تحدث المستجوبون عن ’’التوتر النفسي الدائم  و’’ العمل تحت الضغط’’، و’’المنافسة المرضية’’ والضيق العاطفي’’ والإحباط ومعاملة التلميذ ’ كـ “روبوت’’ وعن ’’مصنع النخبة الذي يؤذي من التحق به، كما يؤذي من لم يلتحق به’’. [5]

من جهتها تساءلت التلميذة سناء السلايمي، في مقال بعنوان ’’المعاهد النموذجية في تونس: بناءات حديثة ولكن غير نموذجية’’: ’’ كيف نأمل في تكوين نخبة نموذجية من دون توفير المحيط النموذجي الذي سيحتضنها؟’’، مبرزة مسألة ’’إهمال التكوين الثقافي في المعاهد النموذجية’’ والحاجة إلى: ’’ أن يكون التعليم النموذجي تعليما يصنع الإنسان وينمي الانتماء وهذا ما ينقصنا ويجب أن يتطور وأن ننشط في المسرح المدرسي وأن تكون لنا قاعة موسيقى نحتاج أن نكون في معاهد نموذجية في الثقافة والعلم’’. [6]

استنادا إلى ما سبق ذكره من شهادات حية ونتائج دراسات ميدانية مختلفة، نتساءل:

  •  أليس من المفارقات أن يتواصل العمل بمنظومة التعليم النموذجي في تونس، مع التذكير بأنها غير موجودة أصلا في أية دولة أخرى في العالم؟،
  •   أليس من المفارقات أيضا، أن  يواصل بعض التونسيين دفاعهم المستميت عنها؟  

يبدو أن هؤلاء يشكلون نخبة وازنة في تونس، وأن أصواتهم مسموعة أكثر من غيرهم.  لعل مقالاتهم، المكتوبة في الغالب باللغة الفرنسية، مع شيء من التنميق اللفظي والتشدق بالعبارات والمفاهيم الصعبة غير المتداولة عادة، لعلها أكثر جاذبية في المشهد الإعلامي، وقد تكون أكثر  استمالة للرأي العام، وربما هي أكثر الهاما لأصحاب القرار  في تونس.  لذلك، نضم صوتنا إلى عديد التونسيين المطالبين بضرورة إلغاء التعليم النموذجي، ونقترح المرور العاجل بمرحلة انتقالية، نتدرج بها نحو هذا الإلغاء التام: بأن يُبعث في كل معهد فصل واحد أو فصلان للنوابغ والمجتهدين، يكونون مثالا لتلاميذ الفصول الأخرى الذين يستحقون مجهودا إضافيا للحاق بالمتفوقين. نعتبر هذا المقترح، حلا وسطا بين طرفي الجدل المتجدد سنويا، بين المدافعين عن التعليم النموذجي والمطالبين بإلغائه.


هوامش:

[1] سبق أن تناولنا في جلنار بتاريخ 17 نوفمبر 2021، مفارقة تونسية أولى تحت عنوان “تساؤلات حول دور النقابات في تونس زمن الانتقال الديمقراطي’’ ونعتقد أن السياق التونسي زاخر بالمفارقات التي تم كشفها في بعض البحوث والدراسات الأكاديمية،  لكنها تظل محدودة الانتشار وتحتاج الى اختصارها وتقديمها للجمهور الواسع . لمزيد التفاصيل حول رأينا في التعليم النموذجي يمكن الرجوع إلى دراستنا المنشورة بالعدد 323 من مجلة الحياة الثقافية، سبتمبر 2021 تحت عنوان  “حول جدل مناظرتي ’’السيزيام والنوفيام’’ والتعليم النموذجي في تونس”.

[2]  ورد  هذان العنوانان بالمجلة الالكترونية ليدرز باللغة الفرنسية. ويمكن الرجوع إليهما، الأول Tunisie: Ne touchez pas à nos lycées pilotes’’

أما الثاني  : Ecole publique Tunisienne et excellence

كان ذلك في صيف 2018 عندما احتد الجدل مباشرة بعد صدور نتائج دورتي السيزيام والنوفيام 2018

[3]  استخدمت هذه العبارات وغيرها في سياق جدل صيف 2018. ومن العناوين الإضافية التي يمكن الرجوع اليها على الويب :

 Collèges et lycéesUne proposition vraiment saugrenue

QUI CHERCHE A CONSACRER LA MÉDIOCRITÉ               .


[4] CHERIF Mehdi(2017).  Réflexions d’un élève insoumis : Ma contribution à la réforme de l’Éducation

[5]  يمكن الاطلاع على أكثر تفاصيل حول هذه الدراسة، بالرجوع إلى المقال بموقع نواة بتاريخ 30 /08/2021

La face cachée des lycées pilotes en Tunisie

[6]  المقال منشور بتاريخ 9 جانفي 2019 بموقع منظمة ’’المفكرة القانونية’’ الذي فتح النقاش حول المعاهد النموذجية في تونس ومنح هذه الفرصة للتلميذة سناء السلايمي عندما كانت مرسمة بالسنة ثالثة ثانوي بالمعهد النموذجي بحمام الأنف.


أكمل القراءة

صن نار