تابعنا على

منبـ ... نار

من تجربة والٍ بعد الثورة

الأصل ليس إسكات أصوات الغضب، بل تلبية انتظارات الناس … و عند تعذّر ذلك، بناء ثقة متينة معهم … بالقليل المُتاح

نشرت

في

احتجاج أمام مقر ولاية

لم أكن متهيّئا مُطلقا لأن تقع دعوتي يوما إلى شغل هذه المناصب السياسية وأمثالها، لا فقط لأنني انتميت طوال حياتي إلى طيف سياسي تجنّد وناضل من أجل احتلال مواقع احتجاجية متقدمة بدلا من المواقع السلطوية المتهدّمة … بل وأيضا لأنني مازلت أعتبر أن كل خطة إدارية لا بدّ لها من ملمح خاص يستدعي تكوينا معيّنا وأدوات معلومة في التسيير و الحوكمة.

لكن حدث ما حدث في 2011 وتمّ الدفع بمجموعة من الأشخاص غير المحسوبين على النظام السابق، ويتوفرون افتراضيا على حدّ أدنى من المقبولية لدى عموم الناس، وخاصة لدى شارع مازالت حرارته مرتفعة وواقع آنذاك تحت سيطرة “قوى الاحتجاج التاريخية” (التي ستُسكت أصواتها الصادعة فيما بعد نتائج الصناديق المفخّخة) من نقابيين وحقوقيين ومناضلين من شتى أصقاع عالم الأنوار والأفكار.

منصف الخميري *

كنت من بين هؤلاء وقبلت التحدّي بعد استشارة عدد كبير من أصدقائي الذين أجمعوا على ضرورة خوض غمار التجربة رغم إكراهاتها  و حساسية الظرف المهيمن مباشرة بعد جانفي 2011.

لم أعمّر أكثر من أسبوع في قابس على خلفية سوء تفاهم مع وزير سابق رحمه الله لن أخوض هنا في تفاصيله نظرا للتقدير الرمزي الكبير الذي يحظى به هذا الأخير في قلبي رغم كل ما جدّ بيننا… ثمّ التحقت بولاية سليانة لتعترضني أول عملية إرهابية مسلحة في 18 ماي 2011 في قلب مدينة الروحية واستشهاد الملازم الطاهر العياري والعريف أول وليد الحاجي رحمهما الله.

لماذا أعود إلى هذه التجربة ؟

أعود إليها لأتناولها لأول مرة ومن زاوية ما تجلّى منها من حقائق ودروس قد تتوفر على بقايا صلوحية استعمال لفائدة البلد والقائمين على حظوظ تعزيز مناعته وتحسين شروط إمكان السعادة فيه.

أولا :

بالرغم من موقعها المركزي جغرافيا واقتصاديا وتاريخيا، ظلت ولاية سليانة تحبس أنفاسها بعد “جلاء آخر جندي فرنسي”، منتظرة حلول أول مشروع وطني تونسي يُقلّم أظافر الفقر ويُثمّن تراثا عالميا نادرا ويُوظّف العصور الجيولوجية السحيقة التي توفرت عليها عين الذهب بجبل السرج …فما راعهم إلا والوافد الوحيد والأوحد كان مشروعا ألمانيّا تمثل في معمل لصناعة الكابل “دراكسماير” يُشغّل حوالي 3000 عاملة وعامل… وما عدا ذلك لا أثر للاستقلال والدولة الوطنية ولا لدولة الثورة المباركة.

قلت رغم ذلك المنسوب الخُرافي من اللاّ وطن و اللا إستقلال و اللا رفاه… وجدت أناسا طيّبين وهادئين ويُعوّلون على أنفسهم و على ما تزخر به أراضيهم من عذب مياه و تفاح و فاكهة سريز و رخام و زيتون و قوت… لكنه هدوء كان يُخيفني أحيانا لأنه يليق أكثر ببعض الجهات المترفهة التي لا تخترقها أسباب العواصف والأعاصير.

ثانيا :

في تلك الفترة ورغم حضور البدلات العسكرية داخل أروقة المؤسسات السيادية تشعر بأنك أعزل تماما من شرطين أساسيين للحكم وهما الإمكانيات التنموية الحقيقية الموضوعة على ذمّة السلطة الجهوية (أي إجابات ملموسة ومباشرة على مختلف المشاكل التي اصبحت معلومة لدى أجهزة الدولة منذ عقود) من ناحية، وشيئا من “القدرة الإقناعية للدولة” على معنى ترميم الصورة المُهشّمة لدولة الاستقلال التي سقطت كل أوراق التوت عن عورتها وعلى جميع ممثّليها وحاملي ألويتها من ناحية أخرى.

فهذا نظام سقط ولكن يعسر جدا في ذات الوقت أن يولد نظام جديد على أنقاضه الآن بصفة مباشرة ويكون مؤسّسا على قيم العدل والحرية وكرامة العيش والوطن.

لذلك بالذات كان لأداء الأفراد (باعتبارهم ذواتا أكثر منهم ممثلين رسميين لسلطة مركزية) دور مركزي في إدارة الأزمات والتعامل مع الانفجارات الاجتماعية التي تحدث هنا وهناك والتصرف مع حشود المواطنين الذين يتوجب عليك مقابلتهم يوميا.

ثالثا :

وفي علاقة بملمح الأفراد، أقرّ بأن الأصل ليس في إسكات أصوات الغضب أو تأجيل انفجارها بل هو في تلبية انتظارات الناس وإيجاد حلول حقيقية لمشاكلهم. ولكن في غياب ذلك، قدرُك أن تبني علاقات ثقة متينة بالقليل المُتاح وتُثبت أنه لا وجود فعلي لــ “صندوق أسود” يتحوّز عليه والي الجهة وليست الإجراءات الإدارية الثقيلة هي ما يحول دون تنفيذ مشاريع لفائدة المواطنين، بل غياب المشاريع ذاتها … وعليك أن تتسلّح بكل ما أوتيت من حنكة و فطنة لتفلت من عُقال الابتزاز بأنواعه ما لان منه وما تصلّب … وعليك خاصة أن تكون “يسير المنال” يمكن الاتصال بك والتحدث إليك هاتفيا أو بصفة مباشرة في كل آن وحين.

فعلى سبيل الطرفة، كان عديدهم لا يصدق أنك تطلب أرقاما بعد التوقيت الإداري تركها أصحابها لدى الكتابة (لأنك لم تكن بمكتبك بعد الظهر) للاستفسار عن موضوع زيارتهم … فيردون عليك باستعلاء تونسي أصيل “برّة يعيش ولدي ضيّع وقتك في حاجة أخرى، فمّا والي هو يطلب مواطنين العاشرة ليلا ؟” فأجيبه “هاو عندك رقم مباشر، غدوة ثبّتو  في عقلك وتصبح على خير”.

هي بعض الجوانب الاتصالية الحافّة لكنها تساهم في تأسيس مناخ من الثقة الذي يسهّل التواصل مع الناس وامتصاص نسبة هامة من غضبهم وحنقهم على سلطة احتقرتهم على امتداد نصف قرن … و لم تواجه توقهم إلى بعض الكرامة إلا بالمراوغة و التسويف وبعض الجرعات الأمنية نافذة المفعول.

رابعا :

من الظواهر التي تلمسها بشكل جلي وأنت تستقبل مئات المواطنين يوميا، أن بعضهم يأتي فقط ليسجّل في سيرته الذاتية أنه التقى بوالي الجهة  و قال له بصوت عال إن الأمر لم يعد يطاق وأن اتصاله يعتبر تحذيرا أول قبل اتخاذ خطوات تصعيدية أخرى… و البعض الآخر (بصفة موازية تماما لحاملي الشهائد الجامعية العليا المعطلين عن العمل)، يجلس أمامك بكل ثقة في النفس ويدفع إليك بشهادة سراح من السجن بنية التأثير عليك وإقناعك بأن 2011 أسّس بشكل من الأشكال نوعا من “الشرعية السجنيّة” القابلة للاستثمار … و بعض آخر من الذين فاجأتهم الثورة و لم يتمثّلوا أنها حاملة لقيم جديدة تقطع مع ما كان سائدا قبلها فراحوا يطالبون بإعادة إنتاج نفس السلوكات غير السويّة من قبيل “خدّمت أولادي الكل، مازال كان وحيّد برك” … أو “ثمة قطعة أرض هي تابعة الدولة لا محالة، ما ثماش زعمة طريقة كيفاش نتوسع فيها؟ العايلة كبرت، ونزيد نصونها ونحفظها” …  أو كذلك “ياخي اعلاش عملنا ثورة كان ولدي ما ينجحش بـــ 8 على عشرين ؟” … وأختم هذا الركن بظاهرة شدّت انتباهي خلال تلك الفترة وتتمثل في عقلية “محاضر الجلسات” كدليل إدانة للمسؤول المعني، حيث كان عديد المواطنين يعتبرون أن مجرّد عقد جلسة حوارية وتدوين محضر جلسة يلخّص ما تمّ التداول بشأنه (حتى وإن لم تحصل اتفاقات صريحة)، هو حجّة كافية لإثبات الحق وإقرار الموافقة على المطالب المطروحة.

خامسا وأخيرا :

لو كان لي أن أعطي هذه النقطة الخامسة عنوانا لأسميتها “كاموريات”. ..لأنها متعلقة بكيفية مواجهة التجاوزات القصوى التي ترافق أحيانا بعض الاحتجاجات الشعبية المشروعة … و التي عادة ما يحدث -عندما يطول أمدها- أن يتم اختراقها فيتسرب لها المنحرفون والنهّابون وقطاع الطرق وأصحاب المشاريع المشبوهة.

ظاهرة قطع الطرقات على سبيل المثال استفحلت بعد 2011 في كل الجهات بدون استثناء … و هي شكل احتجاجي يمكن تفهّمه لأن المواطن يدرك جيدا أنه في ظل الانفجار المجتمعي العام، لا يتيسّر لسلطة مرتبكة مازالت تبحث عن توازنها أن تنتبه لمشكل تزود بالماء الصالح للشراب في قرية نائية لا يعرف مسالكها المتشعبة إلا الشيخ غوغل والحرس الوطني.

لكن عندما يكون الاحتجاج مشروعا و للسلطة الجهوية بعض المصداقية، كنت شخصيا أرفض التحول إلى موقع الاحتجاج طالما ظلت الطريق مغلقة … و غالبا ما نجحت في إقناع المحتجين بإخلاء الطريق العام و الابتعاد بعض الأمتار فقط فينطلق حوار بيننا يدوم بعض الدقائق أو بعض الساعات قبل التوصل إلى حلول ترضي الناس و تقدر السلطة على تنفيذها.

وثمة في العادة 3 أنواع من الحلول بحضور المسؤولين الجهويين عن كل مرفق (حسب طبيعة المشكل المتسبب في اندلاع الاحتجاج) :

1) مشاكل تستطيع السلطة حلّها في اليوم نفسه بشيء من الإرادة و التعسف غير الضار على الإجراءات الاعتيادية

2) مشاكل يتطلب حلها بعض الوقت  (لكن تتعهد السلطة بالرجوع الى نفس الموقع ومعاينة تقدم الأشغال في الآجال المتفق عليها).

3) مشاكل غير قابلة للحل في الإبان لكونها تتطلب إمكانيات ضخمة وتخطيطا مركزيا لكن على السلطة الجهوية أن “تضغط وتستبسل” في اقتلاع الموافقات الضرورية من الوزارات المعنية على تنفيذ بعض المشاريع ذات الطابع الاستعجالي.

مُقاربة ناجعة في اعتقادي لما يقتنع بها المواطن والمسؤول على حد السواء قد تشكل أرضية تعامل تقي مستعملي الطريق العام وجميع المستفيدين من ماكينة الإنتاج الوطني ومن مرافق الخدمات العامة… تقيهم ما ينجر عن الاحتجاجات السالبة للحرية والسيادة من إزعاجات وإرباكات مختلفة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* إطار تربوي، و وال بعد الثورة و قبل أحداث الرشّ (توضيح لا بدّ منه).

أكمل القراءة
تعليق واحد

1 Comment

  1. نجاح

    22 أكتوبر 2020 في 14:02

    ممتع هو أسلوبك وأنا أقرأ ما جادت به قريحتك أتألّم لحال هذه البلاد فالكفاءات غير مستثمرة وها أنّنا في معاناة دائمة بسبب الزّداءة المبثوثة في كلّ الدّواليب

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

منبـ ... نار

غسّان كنفاني في فضاء غزّة

نشرت

في

8تموز1972) الذكرى السنوية لاغتيال غسان كنفاني: اختزال الشخصية وتشييئها -  الملتقى الفلسطيني

إن تفاقم الجريمة الصهيونية في غزة خاصّة منذ 7  أكتوبر  المنقضي وإنّ هول الدّمار وأشكال الموت التي تحمله إلينا الصورة بكل أصنافها قد يخلّف فينا – بالإضافة إلى التعاطف الإنساني اللامشروط – مشاعر أخرى متضاربة غريبة.

فتحي بوغرارة

 وأزعم أنّ بعض هذه المشاعر على الأقل غير مسبوق منها الخجل من أغلب ما وضعناه سابقا في خانة الصعوبات والمشاكل، ومنها الإحساس بما يمكن تسميته “بالفخر الهش” ونحن نتابع إصابات يوميّة تحققها المقاومة الفلسطينية الباسلة في صفوف العدو الصهيوني المرتعب، ولكنها إصابات لا تُنسي ما بقي فينا من عقل تباعد موازين القوى الحربية والمالية في هذه المعركة ولا تُنسينا تجدّد خذلان حكومات العرب لشعوبها، فتتجاور بوارق الفخر فينا مع ما أدمنّا عليه من عميق الحزن والخسران العربيين …

حين فكّرت مرارا في كتابة بعض الكلمات تصدمني الصور مجددا لتحمل أهوالا صباحية وليلية جديدة، فتكتئب الكلمات وتنكمش ثم تذوي، فما الكلام الذي يمكن أن يكون في مستوى هذه المأساة/ الملحمة الفلسطينية؟ ما الذي يمكن أن تقدمه كلمات تائهة متردّدة إلى هذه المقاومة الجبارة وهي تعاند الموت كل يوم ؟…

إلى أن شاهدت يوما في إحدى القنوات شيخا يجلس على تلّ صغير من الحجارة هو ما بقي من منزله المدمّر ضمن حيّ سكني سُحق بالكامل في مشهد جحيمي، حمد الصحافي الله على سلامة الشيخ ثم سأله : “وين بدك تروح يا عمّ؟” فأجابه “وين بدّي روح، أنا قاعد هون على حجارة بيتي”، وهنا لمع في ذاكرتي  غسّان كنفاني لأنه – في تقديري في تلك اللحظة- أقدر الناس على فهم الدلالة العميقة لعبارة “حجارة بيتي”، فليس الحجر عند هذا المسنّ الأبيّ مجرّد حجر، وليست أرض غزّة وبحرها عند الغزّاويين مجرد أرض وبحر وليست أسواق القدس وأنهجها عند المقدسيّين مجرّد أسواق وأنهج، ليست مجرّد أمكنة أو أشياء. إنّها “فضاءات حميمة” مؤثثة بقطع الرّوح مكتنزة بجواهر الذات، كيف لهذا الرجل أن يعتبر بيتا شيّدته يداه ووضع بين جدرانه عمره وعمر زوجته  وأبنائه ثم ارتوت الأرض المقام عليها من دماء شهيدين من أبنائه كيف له أن يراه حجرا …مجرد حجر،  تذكّرت كنفاني الذي أعطى ما أعطاه للسرديّة الفلسطينية من جمالية كونيّة في رواياته الأربع المكتملة [1] ، فتراءى لي وقد مثّل بحياته وموته صورة لا تضاهى تجمع في اتّساق عجيب بين المقاومة المسلّحة بخلفيتها السياسية من جهة والمغامرة الجمالية الأدبية من جهة ثانية، كان  من أهمّ قيادات الجبهة الشعبية مقاوما للمحتلّ وللرجعية العربية وللمرض [2] ومع ذلك وجد القدرة ليعطي بعضه خالصا للأدب وخاصة للرواية من حيث هي مُنجز فني يطلب الكونيّة وإن كان ذا محمول سياسي.

غسّان كنفاني هو بالتّأكيد من أقدر الروائيين العرب على “تفضية الأمكنة”  في سرده الروائي [3](La spatialisation des lieux)  فيخلّصها من بعدها الجغرافي المرجعي ويحلّق بها في عالم المعاني والقيم الكونيّة، “فالمكان – عنده- هو المادة التي يتشكل منها الفضاء  الذي يتخذ عبر مسار الحكاية جوهره الذهني الاستعاري “.

كان غسّان كنفاني مثالا فريدا [4] للجمع بين الالتزام السياسي والحرّية الجماليّة، فبعض رواياته فيها تجريب وانفتاح على آخر أساليب السرد الروائي في زمنه (استفادته من تيار الوعي في روايته “ما تبقى لكم” مثلا)، وقد يكون هذا الجمع هو أخطر ما لاحظه العدو الصهيوني ليعجّل باغتياله، فأعطى بموته الدليل على جدوى الكلمة وفعلها.

وليس من الصدفة في شيء أن تكون الأرض موضوعا مركزيا في روايات كنفاني خاصة وفي الرواية الفلسطينية والعربية عامة، فلقد كان الفلسطينيون الشاهد الأبرز على فقدان الأرض والبيت و”العش الأليف” على حد عبارة غاستون باشلار، على فقدان الأرض زمن الاحتلال المغتصب قاتل الأطفال ومُهجّرهم.

 الفلسطيني منذ صغره متمسّك بالكلمة لأن أرضه وبيته مهددان باستمرار، ليست الكلمة والذاكرة والحلم عنده ترفا ولا مجرد لعبة مجازية إنما هما عماد للبيت الفلسطيني الأكثر أمانا منذ بدأ التهجير، لذلك يجب أن نتوقف عن بلاهة الاندهاش من فصاحة الأطفال الفلسطينيين أمام أعين الكاميرا وخاصة حين ينظرون في أعين جنود العدوّ.

الشعب الفلسطيني محكوم بالشعر والشعريّة لأن الشعر عنده ليس مجرّد كلمات منظومة موقّعة، إنه أسلوب حياة ومسألة بقاء، فأمام تهاوي العالم واندحار القيم كلّها لا خيمة تؤويه وتقيه غير خيمة الكلمة.

ربما لهذا كلّه ولغيره لم يفلت كنفاني طيلة حياته الغنيّة الشجاعة الحزينة عنان الكلمة، لذلك علينا أن نحتفي به في هذه الأيام الصعبة الموجعة، فيكون التذكير برواياته وقصصه ومسرحياته وإعادة نشرها وتوزيعها شكلا من أشكال مساندة القضية الفلسطينية عبر تجذيرها في فضاء الذاكرة الإنسانية بالكلمة الكونية الخالدة.  

إني أرى غسّان يستيقظ صباح السّابع من أكتوبر، فيقول مبتسما بعد سماع أول الأخبار: “ها نحن ندقّ على جدران الخزّان بقوّة هذه المرّة”.


هوامش:

[1]نشر غسّان كنفاني أربع روايات مكتملة هي: رجال في الشمس، ما تبقى لكم، أم سعد، عائد إلى حيفا، ثم نشرت بعد موته روايات أخرى لم يتسن لغسّان إنهاؤها وهي : برقوق نيسان، الأعمى والأطرش، من قتل ليلى الحائك؟

[2] كان مصابا بمرض السكري

[3]  اهتممت بهذا الموضوع في نطاق رسالة ماجستير في الأدب الحديث نافشتها سنة 2006 بكلية سوسة للآداب، لجنة متكونة من الأساتذة الأفاضل: أحمد حيزم رئيسا، محمد رشاد ثابت مؤطرا وعبد الله تاج مقررا، وقد أنجزتها تحت عنوان “إنشائيّة الفضاء في قصص غسّان كنفاني الروائي”

[4]  يقول يوسف إدريس في مقدمة الأعمال الكاملة لغسّان: “أحسست لأول مرة بفخر أني كاتب من كتاب القصة العربية حين استشهد غسان كنفاني”.

أكمل القراءة

منبـ ... نار

البـرابـرة يعــودون … إنهم يقتلـــون (المـلائـكة) !!!

لأن الجريمة متواصلة .. و حتى لا ننسى .. أعيد نشر المقال* الذي تكفلت الأحداث بتحيينه

نشرت

في

ليلة تحت القصف الإسرائيلي ترويها مراسلة الشرق: أشلاء أطفال غزة في كل مكان |  الشرق

و الآن ، لقد عادوا ..

لم تعد إيطاليا لوحدها بل ضمن حلف شرّير صهيو / صليبي / رجعي يجمع حوالي 30 دولة منها أمريكا و فرنسا و بريطانيا .. و قطر … لقـد عادوا باسم حماية المدنيين ..

مصطفى بوعزيزي
مصطفى بوعزيزي

و منذ 19 مارس و الغارات الجوية و القصف بالليل خاصة و على مدار الساعة لا ينقطع ، جوا و بحرا على المدن و القرى و الواحات الليبية التي نعمت بالأمان طيلة 42 سنة ، فلم تجهـّز المدن لا بالملاجئ و لا حتى بصفارات الإنذار .. أصبحت المجازر يومية و ضحاياها يوميا بالعشرات: طرابلس ، البريقة ، سبها ، سوق الجمعة ، صرمان ، الخمس ، تاورغاء … وعبر مواقع الجرائم الأطلسية ، تعرّفنا كعرب في مختلف أقطارنا و اكتشف العالم ، جغرافية لـيبيـا – تماما في نفس الظروف و بنفس البيداغوجيا التي تعلمنا عبرها جغرافية العراق و لبنان و فلسطين و السودان … و اكتشف البعض أن الكفرة ليست ميناء بحريا شرق مصراطة و أن النهر الصناعي العظيم لا يحمل مياه البحر الأبيض المتوسط بعد تحليتها في محطات ضخمة و لا يجري من الشمال إلى الجنوب بل من الجنوب نحو الشمال …

و على مسارح الجريمة كانت الطفولة حاضرة في مشاهد الدم و الأشلاء و الأجساد المتفحمة و الممزقة والأطراف المبتورة … الضحية الأولى للقصف الجوي هم الأطفال . لأول مرة في التاريخ البشري تشنّ حرب إبادة على الأطفال تحديدا و مع سابقية الإصرار و الترصد.

تقول السفاحة “غولدا مائير” رئيسة وزراء الكيان الصهيوني 1969 / 1974 “كل صباح أتمنى أن أصحو و لا أجد طفلا فلسطينيّا واحدا على قيد الحياة ” و هي قاتلة الشهداء الثلاثة: كمال عدوان و كمال ناصر و يوسف النجار . و هي أيضا من أمرت باغتيال الأديب الفلسطيني غسان كنفاني بتفخيخ سيارته وهو الذي كتب كثيرا للأطفال ، و استشهدت معه ابنة أخته “لميس”. –

في عهد الرئيس بيل كلينتون عام 1996 وعندما سألت الصحفية “ليسلي ستول” في برنامج “ستون دقيقة” وزيرة الخارجية الأمريكية “مادلين اولبرايت” عما إذا كان حصار العراق يستحق وفيات بين الأطفال العراقيين تصل الى نصف مليون طفل، ردت و دون أن يرف لها جفن: “نعم، يستحق! “… و قد تواصل الحصار البربري الإبادي طيلة 13 سنة مخلفا 1 مليون ضحية من أطفال العراق .

و لأنهم يعرفون مكانة الطفل عند العربي استهدفوه بالترويع و الحصار و التجويع والقتل و الإبادة . استهدفوه طفلا و جنينا و إرثا بيولوجيا لآلاف السنين ..

يقول حطان بن المعلى : “و إنما أولادنا بيننا أكبادنا تمشي على الأرض”

و يقول الأحنف بن قيس : ” الأطفال ثمار القلوب و عماد الظهور ، نحن لهم أرض ذليلة و سماء ظليلة” لذلك أتوهم من السماء بالقصف الجوي ، بالصدمة والترويع : بالقنابل الفسفورية و العنقودية و المشبعة باليورانيوم المنضّب … يقتلون الحاضر و يقتلون المستقبل .. بما يعنيه ذلك من زيادة كبيرة في نسب الاصابة بالاورام الخبيثة، واللوكيميا، والتشوهات الخلقية بين الأطفال و الأجنة في المدن و المناطق الملوثة بالإشعاعات النووية مثل الفلوجة، حيث أصبح الأئمة يطالبون السكان بتجنّب الإنجاب نظرا للارتفاع المهول في الولادات المشوّهة ..

إنهم يحصدون الرياحين و يقتلون “الملائكة” في فلسطين والعراق و الآن في لـيبيـا ..

يستهدفون المناطق السكنية المدنية و الأسواق و المدارس و يلاحقون الأطفال في الملاجئ وفي أحضان أمهاتهم.. و الشواهد كثيرة ، نذكرها و نذكـّر ببعضها حتى لا ننسى و لن ننسى :

– سطيف ، الجزائر . 1945 / فرنسا

– دير ياسين ، فلسطين . 1948 / العصابات الصهيونية

– كفر قاسم ، فلسطين . 1956 / الكيان الصهيوني

– ساقية سيدي يوسف ، تونس 1958 / فرنسا

– مدرسة بحر البقر . مصر 1970 / الكيان الصهيوني

– صبرا وشاتيلا ، لبنان . 1982 / الكيان الصهيوني و المليشيات العميلة

– مدرسة بلاط الشهداء . العراق. 1986 / إيران

– طرابلس . 1986 / أمريكا

– ملجأ العامرية . العراق 1991 / أمريكا

– قانا . لبنان 2006 / الكيان الصهيوني

– غـزّة . 2009 / الكيان الصهيوني

– طرابلس . 2011 / حلف الناتو

– صرمان .2011 / حلف الناتو

لقد أصبحت القيادة والشعب حالة واحدة تحت ضربات الناتو وامتزجت دماء الشهداء الطاهرة لآلاف الضحايا من الشعب المسلح و النساء و الشيوخ و الأطفال بدماء الشهداء من عوائل القيادة الليبية خاصة ابن العقيد معمر القذافي سيف العرب وأحفاده الثلاثة و عائلة و أحفاد الخويلدي الحميدي نخص بالذكر منهم خالد و خالدة الحميدي ، تقبلهم الله في فسيح جنانه .

حاولوا ، كعادتهم ، شيطنة القيادة و فصلها عن الشعب بالقصف الهمجي البربري الحاقد و بالقصف الإعلامي الأشد إيذاء و حقدا عبر “الجزيرة” و “العربية” و غيرهما من آلة الدعاية الجهنمية المربكة و المخبّلة وبفتاوى شيوخ قاعدة السيلية الأمريكية وبأن طائرات الناتو و الصواريخ المدمرة ليست إلاّ “الطير الأبابيل” التي تستهدف “الطاغية و أبناءه” … فكان أن التحمت الجماهير الشعبية بقيادتها الوطنية في مسيرات مليونية سفهت كل دعاياتهم و كشفت عن أصالة معدنها و وعيها و استعدادها للتضحية و التحمّل والعطاء

.- المجد للشهداء الأكرم منّا جميعا

– الرحمة و عليين للأطفال الشهداء طيور الجنة

– الهزيمة و العار للاستعمار و عملائه الأراذل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*تعود كتابة هذا المقال إلى 16 ـ 07 ـ 2011

أكمل القراءة

منبـ ... نار

أطفال الحروب …

نشرت

في

حرب” كلمة تلخّص معنى التعذيب و التشرّد و العراء و الجوع و الجهل و الموت القاهر ضاعت فيها طفولة الأطفال ، ضاع فيها جريهم و لعبهم دون قيود … هذا ما يعيشه أطفالنا في فلسطين وسوريا والسودان و اليمن وغيرها من البلاد الشقيقة .. ماهذا السكوت … ما هذا التغاضي!!

رتيبة سليم

قد لا تكفينا الكلمات للتعبير عن أحوال هؤلاء الضحايا الذين انتشروا في كلّ أنحاء العالم مشرّدين بين بلدان و مخيّمات ويعيشون حياة كلّها قهر و وحشة و معاناة … ولا عين تنظر إليهم !! طفولة تخلو من الحياة لم تنل سوى ركام الحرب وأشلاء الضحايا … طفولة ممزوجة بالموت والدم والتهجير والعنصرية والقسوة . الآلاف بل مئات الآلاف من هؤلاء الأطفال يذرفون دموع الحُرقة وفي لحظات تأمّل لهذه المشاهد الموجعة يبدأ الضجيج بداخل من يحملون الضمير في صراع بين الإنسانية والتجاهل لهذه الطفولة البائسة . صمت .. وصمت يخيّم عليكم يا عرب … صمت عربي شديد القسوة…لنقل اللعنة على من وأد البراءة …

طفولة تتلظّى على نار الأسى والجوع والفقر حرمت من الحرّية و استكثر فيهم العالم قليلا من الأمان… تزداد بنا الحيرة يا عالمنا العربي الذي تستّر خلف الصمت عن كلّ شيء ليخيّم الظلام على وقع القصف والتّهجير من دنيا السلام إلى متاهات لا نعرف منها مخرجا … ألا يزلزل دواخلكم صراخ طفولة تصيح خوفا و فزعا و ألما، طفولة قدمت للدنيا بحبّ وفرح و أمل ولكن لعنة الحرب أخذت منها الحياة وأفرطت عقد العائلات و نثرت حبّاته في ارض السراب و الزيف لتجري كلّ حبّة في إتّجاه …

يبحثون عن استقرار لن يتمتعوا به ما لم يعودوا إلى استنشاق وطن كان آمنا قبل أن يدهمه الخراب … هربوا بحثا عن النّجاة ولكنّه لم يكن سوى هرب من الموت و إليه … وصرخة الإنسانيّة و إستغاثة الطّفولة التي تدوّي في هذا العالم المليء بالصخب الصامت لم تصل لآذانكم أو ربّما أنتم عمي صمّ بكم لا تفقهون … و كأنّ اصحاب الأمر يقولون تعدّدت الأسباب والموت واحد.

لتنظروا يا عرب لأجيال من بلدان الدمار ضاعت أحلامها و صار يطلق عليها اسم “لاجئين” و “مشرّدين” دون هويّة … مسح القصف ذكرياتهم مسح كلّ أثر للجمال من أوقاتهم … خمدت أصوات اهازيجهم تحت أصوات المدافع وهدير الطائرات و مات حلمهم البسيط …. هم لا يطلبون منّا سوى طوق نجاة من الموت المحتّم بلقمة تسد وطأة جوعهم الكاسر و وطن يحضنهم و مدارس تنقذهم من براثن الجهل والرعب و تنقي أنفاسهم من رائحة الدم …

أليس في مدار اهتماماتكم هذه الطفولة بدلا من التكالب على السلطة …اطفالنا مازالوا يموتون و ويواجهون أخطارًا و نحن نتفرّج بعيون لا ترى وألسنة لا تنطق و نصمت عن أحزانهم و آلام في عيونهم تديننا…

أكمل القراءة

صن نار