تابعنا على

جلـ ... منار

من وطن الخالدين … إلى بلد “الشاب خالد”

نشرت

في

وصلتُ إلى بيروت في بداية التسعينات، في توقيت وصول الشاب الجزائري( خالد ) إلى النجوميّة العالميّة.أُغنية واحدة قذفت به إلى المجد كانت أغنية “دي دي واه” شاغلة الناس ليلاً و نهاراً.على موسيقاها تُقام الأعراس، و تُقدَّم عروض الأزياء، و على إيقاعها ترقص بيروت ليلاً، و تذهب إلى مشاغلها صباحاً.كنت قادمة لتوِّي من باريس، و في حوزتي كتاب “الجسد”، أربعمائة صفحة، قضيت أربع سنوات من عمري في كتابته جملة جملة، محاوِلة ما استطعت تضمينه نصف قرن من التاريخ النضالي للجزائر، إنقاذاً لماضينا، و رغبة في تعريف العالم العربي إلى أمجادنا و أوجاعنا.

أحلام مستغانمي

لكنني ما كنت أُعلن عن هويتي إلاّ و يُجاملني أحدهم قائلاً: “آه.. أنتِ من بلاد الشاب خالد!”،هذا الرجل الذي يضع قرطاً في أذنه، و يظهر في التلفزيون الفرنسي برفقة كلبه، و لا جواب له عن أي سؤال سوى الضحك الغبيّ؟ أصبح هو رمزا للجزائر … العجيب أن كل من يقابلني و يعرف أنني من بلد الشاب خالد فوراً يصبح السؤال، ما معنى عِبَارة “دي دي واه” ؟ ، و عندما أعترف بعدم فهمي أنا أيضاً معناها، يتحسَّر سائلي على قَدَر الجزائر، التي بسبب الاستعمار، لا تفهم اللغة العربية!

و بعد أن أتعبني الجواب عن “فزّورة” (دي دي واه)، و قضيت زمناً طويلاً أعتذر للأصدقاء و الغرباء و سائقي التاكسي، و عامل محطة البنزين المصري، عن جهلي و أُميتي، قررت ألاّ أفصح عن هويتي الجزائرية، كي أرتاح… الحقيقة أنني لم أحزن أن مطرباً بكلمتين، أو بأغنية من حرفين، حقق مجداً و مكاسب، لا يحققها أي كاتب عربي نذر عمره للكلمات، بقدر ما أحزنني أنني جئت المشرق في الزمن الخطأ… ففي الخمسينات، كان الجزائري يُنسبُ إلى بلد الأمير عبد القادر، و في الستينات إلى بلد أحمد بن بلّة و جميلة بو حيرد، و ابن باديس، و في السبعينات إلى بلد هواري بومدين و المليون شهيد …

و اليوم يُنسب العربي إلى مطربيه، إلى الْمُغنِّي الذي يمثله في “ستار أكاديمي”.و قلت لنفسي مازحة، لو عاودت إسرائيل اليوم اجتياح لبنان أو غزو مصر، لَمَا وجدنا أمامنا من سبيل لتعبئة الشباب و استنفار مشاعرهم الوطنية، سوى بث نداءات و رسائل على الفضائيات الغنائية، أن دافعوا عن وطن هيفاء وهبي و إليسا و نانسي عجرم أو مروى و روبي وأخواتهن …. فلا أرى أسماء غير هذه لشحذ الهمم ولمّ الحشود.

و ليس واللّه في الأمر نكتة. فمنذ أربع سنوات خرج الأسير المصري محمود السواركة من المعتقلات الإسرائيلية، التي قضى فيها اثنتين و عشرين سنة، حتى استحق لقب أقدم أسير مصري، و لم يجد الرجل أحداً في انتظاره من “الجماهير” التي ناضل من أجلها، و لا استحق خبر إطلاق سراحه أكثر من مربّع في جريدة، بينما اضطر مسؤولو الأمن في مطار القاهرة إلى تهريب نجم “ستار أكاديمي” محمد عطيّة بعد وقوع جرحى جرّاء تَدَافُع مئات الشبّان و الشابّات، الذين ظلُّوا يترددون على المطار مع كل موعد لوصول طائرة من بيروت…

في أوطان كانت تُنسب إلى الأبطال، و غَدَت تُنسب إلى الصبيان، قرأنا أنّ محمد خلاوي، الطالب السابق في “ستار أكاديمي”، ظلَّ لأسابيع لا يمشي إلاّ محاطاً بخمسة حراس لا يفارقونه أبداً .. ربما أخذ الولد مأخذ الجد لقب “الزعيم” الذي أطلقه زملاؤه عليه! و لقد تعرّفت إلى الغالية المناضلة الكبيرة جميلة بوحيرد في رحلة بين الجزائر و فرنسا، و كانت تسافر على الدرجة الاقتصادية، مُحمَّلة بما تحمله أُمٌّ من مؤونة غذائية لابنها الوحيد،.. و شعرت بالخجل، لأن مثلها لا يسافر على الدرجة الأُولى، بينما يفاخر فرخ وُلد لتوّه على بلاتوهات “ستار أكاديمي”، بأنه لا يتنقّل إلاّ بطائرة حكوميّة خاصة، وُضِعَت تحت تصرّفه، لأنه رفع اسم بلده عالياً!

هنيئا للأمة العربية … هنيئا لأمة رسول الله …إنا لله و إنا إليه راجعون …

“.فهمت الآن يا ولدي

لماذا قلت لا تكبر؟!

فمصرٌ لم تعٌد مصراَ

و تونس لم تعد خضرا

و بغدادٌ هي الأٌخرى

تذوق خيانة العسكر.

و إن تسأل عن الأقصى

فإن جراحهم أقسى

بنو صهيون تقتلهم

و مصرٌ تغلق المعبر..

و حتى الشام يا ولدي

تموت بحسرةٍ أكبر

هنالك لو ترى حلبا

فحق الطفل قد سٌلِبا

و عرِض فتاةُ يٌغتصبا

و نصف الشعب في المهجر

.صغيري إنني أرجوك

نعم أرجوك لاتكبر” …

إقرؤوها و تأملوا …لا حول و لا قوة إلا بالله

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جلـ ... منار

أتوسّل إليك أيتها الشمس، أن تعودي غدا عند الفجر !

نشرت

في

لا مخرج لنا من هذه الورطة إلا عندما يصبح أهل الفن بيننا رجال ديننا…وأهل الفن هم كل من يستطيع أن ينفخ فينا روح الله إلى الحد الذي لم نعد عنده نميّز بين أنفسنا وبين الله….

وفاء سلطان

.الله ليس فقط تلك القوة الخارقة التي تتربع في الأعالي وتحكمنا، بل هو الروح التي ينفخها الكون فينا، والتي تسربلنا بإحساس غارق في لغزيته، إحساس بأنك جزء من الكون والكون جزء منك.لو حاولت أن تفسّر هذا الإحساس أو تشرحه ستقتل الله فيك…ذلك الإحساس يعتريك عندما تسترق السمع لمقطع موسيقي تحبه…أو عندما تقرأ مقطوعة شعرية أو نثرية يعبر فيها الآخر عن ذاتك…أو عندما تمعن النظر في لوحة فنية تراها أكبر من قدرتك على استيعاب حدود الإبداع فيها..أو عندما تشم عبير زهرة لامست وريقاتها أنفك…أو ربما ذلك الإحساس الذي تشعر به وانت تقرأ هذا المقال.

………

لا أستطيع أن أميّز بين أنامل فريد الأطرش عندما يلاعب أوتار عوده وبين جناحي عصفور يطفقان كي ينفضا عنهما الماء بعد مغطس في مياه البركة الممتدة أمامي.

الطاقة التي تصدرها أنغام فريد هي نفسها الطاقة التي يصدرها جناحا العصفور عندما يرفرفان..هي تلك الطاقة التي تبثها روح الكون فيك..لا فرق بين النغم والماء….كلاهما من نفس المنشأ، ولهما نفس الخصائص الروحانية، تلك الخصائص التي تمكنهما من أن يعبرا الحاجز الذييفصلك عن كونك ليحلقا بك.

………

الـ “أنا” هي الحاجز الذي يفصلك عن كونك فيفقدك روحانيتك..كلما ألقيت سيوفك التي تزعم أنك ترفعها لتحمي بها “أناك”، كلما تسمح للدفق الكوني أن يعبرك سواء من خلال الاستمتاع بأنغام فريد أو ماشابه ذلك.

………

في أواخر القرن الماضي عندما كنت أتحدث مع جدتي (والدة أمي)، كان صوتها التسعيني الواهن ينخز كل خلية من خلاياي وينقر على أعصابي..

مات جدتي فارتاحت خلاياي وأعصابي..لم يعد صوتها الواهن يؤلمني، بل صارت روحها امتدادا لروحي…وبدأت استحضر تلك الروح كلما وقعت في مأزق كي تنقذني منه…

كان البعد المادي الذي يفصلني عن جدتي يؤلمني..أما اليوم وبعد موتها تلاشي ذلك البعد لتصبح روح جدتي اقرب إليّ من قلبي إلى شغافه…

في كثير من الأحيان لا نتوحد بالآخر حتى نفقده !

………

أيتها الشمس التي تشرف على المغيب…أتوسل إليك أن تعودي غدا فجرا…

فشروقك رغم أنه لم يتخلف عن ميعاده منذ ملايين السنين، لكنه ليس روتينا …بل هو كل يوم معجزة تستحق شهقتنا!

أنت لا تسطعين إلاّ على الذين يتوسلون إليك أن تعودي، وعلى الذين يشهقون من هول المعجزة!

………

يقول انشتاين: الناس نوعان:نوع لا يؤمن بوجود أية معجزة، ونوع يؤمن أن كل شيء في الكون معجزة،

وأنا من هذا النوع الأخير!

لذلك، أتوسل إليك أيتها الشمس أن تعودي غدا فجرا…كي تفاجئيني فأشهق من هول المعجزة!!!

أكمل القراءة

جلـ ... منار

عرين الأسود … انكشاف أمن الاحتلال مجددا

نشرت

في

بإيحاء الأسماء والأوصاف نحن أمام نقلة نوعية في الضفة الغربية المحتلة تعبر عن أحدث أجيال الكفاح المسلح الفلسطيني.

عبد الله السنّاوي

لم تنتسب جماعة “عرين الأسود”، التى أنشئت أخيرا، إلى طلب تحرير الأرض المحتلة بقوة السلاح، كأغلب التنظيمات المسلحة التي أنشئت بعد نكسة (1967) مثل “فتح” و”الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين”، أو التى ولدت تاليا في مجرى الصراع مثل “حماس” و”الجهاد”.

أهدافها محدودة ومحددة بالقياس على ما طلبته المنظمات السابقة من تحرير كامل الأراضي المحتلة، لكنها تكتسب شرعيتها وشعبيتها من أوضاع الفلسطينيين تحت الاحتلال من قمع وإذلال وقتل بدم بارد دون رادع.
“العرين” هنا: مدن الضفة الغربية المنتهكة.. و”الأسود” هم: شبابها الذين نذروا حياتهم للحياة بكرامة ورد الصاع صاعين.
تضم بنيتها التنظيمية عناصر من تنظيمات مختلفة تنتمي لأيديولوجيات متباينة.
هذا يوحي بما قد يحدث مستقبلا في بنية وتوجهات العمل الفلسطيني.
نشأت في مواجهات الشوارع مع قوات الاحتلال لا في الغرف المغلقة، باحتياجات اللحظة الحالية لا باعتبارات الإيديولوجيا.

كانت المقاومة الشعبية، التي تصدر مشاهدها الشباب الفلسطيني في باحات وحول المسجد الأقصى، لاقتحامات جماعات المستوطنين نقطة تبلور الفكرة.
في تجربة جنين تأكدت ملحمية المقاومة والاستعداد لمواجهة آلة الحرب الإسرائيلية بأبسط الإمكانات.
كانت صور استشهاد “عدي التميمى”، وهو يقاتل حتى النفس الأخير، تعبيرا عن الروح الجديدة التى تعتري أجيال الشباب.
وفي تجربة نابلس، حيث أعلنت جماعة “عرين الأسود” تأكدت الروح نفسها والمعاني عرضت على العالم أن هناك شعبا يطلب حقه في الحرية والاستقلال ومستعد أن يدفع الثمن مضاعفا.
هناك شيء جديد يولد في الضفة الغربية المحتلة، أن القضية فوق الفصائل.
الانقسام استنزف الفلسطينيين، ونال من سمعة القضية، كأننا في صراع على سلطة لا أمام قضية تحرر وطني.
الفكرة الرئيسية لـ”عرين الأسود” نبذ الفرز الفصائلي وتغليب القضية على ما عداها.
هذه هي الرسالة الرئيسية.

بصورة أو أخرى أعادت جماعة عرين الأسود إنتاج ما يعرف بغرفة التنسيق بين الفصائل المتناحرة على ما يجمع ويوحد دون أن يستبين حتى الآن مدى التداخل التنظيمي.
تنسيق جديد داخل الأطر والهياكل المعتادة أم بناء مختلف يحاول تجاوز أوضاع الانقسام الحالية؟
فيما هو جديد ومختلف ويؤشر على اهتزاز عميق في معادلات التعاون الأمني بين السلطة والاحتلال، أن الأمن الفلسطيني هو الذى بادر بالاشتباك مع المفرزة الإسرائيلية لاقتحام نابلس عندما اكتشف وجودها.
كان ذلك تطورا جوهريا يناقض الدور الذي صمم وفق “اتفاقية أوسلو” للأمن الفلسطيني، أن يتولى بالنيابة حماية الأمن الإسرائيلي، يعتقل بالنيابة نشطاء ومقاومين، ويبلغ بما يتوافر لديه من معلومات حتى يمكن تصفيتهم.
هذه المرة هو الذي تصدى واشتبك قبل أن تنتبه قيادات “عرين الأسود” المتمركزة في البلدة القديمة إلى عملية التصفية التي توشك أن تبدأ.

أفضى ذلك التطور الجوهري إلى انزعاج بالغ في دوائر الأجهزة الأمنية الإسرائيلية دعت رئيس الوزراء “يائير لابيد” إلى إنذار رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس.. إما أن يضبط أدوار الأمن الفلسطيني على مسارها السابق أو تتهدد سلطته فى وجودها.
لم يكن هناك أمام رئيس السلطة سوى طلب التدخل الدولي العاجل لوقف التصعيد الإسرائيلي.
وكان أقصى ما فعلته الإدارة الأمريكية أن تصدر تصريحا باهتا ومعتادا على لسان المتحدث باسم خارجيتها يدعو إلى عدم التصعيد.
لم تكن معركة نابلس حدثا عابرا في وقائعه ورسائله وتداعياته.
استخدمت قوات الاحتلال قذائف تخترق الدروع ومسيرات صغيرة لكنها بالغة التقدم تقنيا قادرة على اختراق الأبنية والغرف قبل إطلاق الرصاص.

في اليوم التالي تأكدت إرادة المقاومة بجنازة حاشدة اخترقت شوارع نابلس تودع الشهداء بالسلاح.
شاعت عبارة وردت في بيان المجموعة المسلحة الجديدة: “جاء وقت خروج الأسود من عرينها”.
هناك ما يؤكد أن الضفة الغربية على وشك إعلان انتفاضة شعبية جديدة.
وهناك ما يوحي باحتمال انفجار آخر يشمل الأراضي الفلسطينية التاريخية كلها، الضفة وغزة وخلف الجدار.
إذا ما تفاقمت الأمور فليس من المستبعد أن تدخل غزة فى عمل عسكري لإسناد المقاومة في الضفة الغربية.
هكذا بدا الأمن الإسرائيلي مجددا فى أحوال انكشاف.
الأرض المحتلة تهتز من تحت أقدامه والمقاومة المسلحة تنبئ بتصعيد يصعب تحمله.
في الانتخابات الأمريكية والإسرائيلية، اللتين على وشك البدء، الميل العام يتجه يمينا، مزيدا من التنكيل بالقضية الفلسطينية رغم ما يبديه شبابها من مقاومة باسلة بظروف شبه مستحيلة.

قد تتقوض قوة الرئيس الحالي “جو بايدن” إذا ما خسر حزبه الديمقراطي انتخابات التجديد النصفي لمجلسى الكونغرس.
وقد يزاح التشكيل الوزاري الإسرائيلي الحالي لصالح الليكود وأقصى اليمين مجددا.
أقوى ما يمتلكه الفلسطينيون في ظروف معاكسة: القوة الأخلاقية والعادلة لقضيتهم، التي دعت استراليا إلى التراجع عن الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل استعدادا لنقل سفارتها إليها.
التراجع الأسترالي يعود الفضل الأول فيه إلى بطولة الشعب الفلسطيني فى الدفاع عن المسجد الأقصى، وعن حقه الأصيل أن تكون القدس عاصمة له.

في جنازة الصحفية الفلسطينية “شيرين أبو عاقلة” تبددت الدعايات الإسرائيلية عن أن القدس عاصمتهم الأبدية، الاعلام الفلسطينية التي رفعت والمسيرة التي جرت في البلدة القديمة أكدت فلسطينيتها رغم ما تعرضت له من قمع.
المفارقة الكبرى في كل ما يحدث حولنا أن إسرائيل المأزومة في أمنها التي تعاني من تراجع صورتها في العالم ولا توجد لديها أية تصورات لمستقبلها غير ضم الأراضي بالقوة وممارسة الفصل العنصري ضد كل ما هو فلسطيني تستشعر القدرة على الضغط والتداخل في ملفات عديدة استثمارا في العجز العربي الفادح.
من غير المتوقع أن تسند القمة العربية المقبلة القضية الفلسطينية على أي نحو مؤثر، باستثناء عبارات عامة لا تعنى شيئا ولا توقف شيئا من التدهور الحادث والتنازلات المجانية.

إذا ما أردنا أن نتصارح بالحقائق فإن مصير القضية الفلسطينية بيد الفلسطينيين وحدهم دون إسناد عربي له قيمة وأثر حتى يأتي يوم يدركون فيه من جديد أنها قضيتهم بقدر ما هي قضية الفلسطينيين وأنهم يدافعون أولا وقبل كل شيء عن أمنهم نفسه.

أكمل القراءة

جلـ ... منار

الخيار شمشون في عالم فوضوي!

نشرت

في

يكاد زمام الأزمة الأوكرانية المتفاقمة يفلت عن أي قيد.
من تصعيد إلى آخر في ميادين القتال والسياسة والاقتصاد يجد العالم نفسه مشدودا إلى مواضع النار، كأنه طرف مباشر فيها.

عبد الله السنّاوي

نفي “الطابع العالمي” للأزمة تجهيل بها من حيث هي صراع مفتوح على مستقبل النظام الدولي، أو اختبار ميداني لموازين القوى المستجدة، أو التي قد تستجد، في عالم متغير.
هناك عالم قديم يغرب لكنه لا يريد أن يخلي مواقعه، وعالم جديد يولد دون أن تتضح معالمه.
في الهوة بين
القديم والجديد تتبدى فوضى دولية ضاربة.
لا نحن في حرب باردة جديدة؛ حيث تغيب أية قواعد اشتباك كالتي حكمت العالم أغلب سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية.
ولا الحرب النووية قدر مكتوب، فإذا ما انزلقت إليها السياسات بحماقات القوة فإنها كلمة النهاية للحضارة الإنسانية كلها، ولا أي شيء بعدها.

كان مستلفتا تراجع الكرملين عن التلويح بالخيار النووي بعبارات أقرب إلى التنصل مما تورط فيه عندما بدأت قواته تتراجع بفداحة في ميادين المواجهة العسكرية.
التلويح بدا تعبيرا عن نوع من اليأس والتراجع عكس بدرجة أخرى نوعا من الثقة في ترميم الأوضاع الميدانية وكسب الحرب بالنقاط في نهاية المطاف.
المعضلة الحقيقية أن أحدا من أطراف المواجهة العسكرية في أوكرانيا ليس بوارد أن يراجع مواقفه أو أن يتراجع عن مطالبه، كأن ما هو مطروح عليه “الخيار شمشون” أن يكسب كل شيء، أو أن يهدم المعبد فوق رأس الجميع!
نحن أمام معادلات مضطربة في عالم فوضوي لا تحترم فيه أية قوانين دولية، ويفتقر بفداحة إلى أية قواعد أو أصول تضبط صراعاته ونزاعاته.
في مشهد دولي متناقض أدانت الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية (143) صوتا ما أطلق عليها “الاستفتاءات غير القانونية والصورية”، التي ضمت بمقتضاها أربع مناطق أوكرانية للاتحاد الروسي فيما كان رجله القوي فلاديمير بوتين، يشارك بفاعلية في قمة “آستانا” الآسيوية.

الإدانة الأممية تنطوي نظريا على عزلة روسية دبلوماسية مفترضة، فيما المشاركة بالقمة الآسيوية تعكس واقعيا حضورا فاعلا في المعادلات الدولية.
لا كل الذين صوتوا ضد موسكو يناهضونها ويطلبون عزلتها، ولا كل الذين امتنعوا عن التصويت محايدون ــ الصين والهند كمثالين!
جرت إدانة روسيا استنادا إلى القوانين الدولية، التي تجرم ضم أراضي دولة أخرى بقوة السلاح، أو باستفتاءات مشكوك في نزاهتها، فيما لا تحظى نفس هذه القوانين لأي اعتبار فى حالات أخرى مماثلة، كضم الدولة العبرية لهضبة الجولان السورية المحتلة.
ازدواجية المعايير إحدى مناطق الخلل في بنية النظام الدولي المتهالك، الذي تغيب عنه أية قدرة على استبيان الحقائق، فكل شيء يخضع للمصالح المتغيرة، أو لمنطق القوة القاهرة.
شيء من ذلك حدث فى التفجيرات التى نالت من خطى أنابيب الغاز “نورد ستريم1″ و”نورد ستريم2”.
الأطراف المتنازعة أجمعت على وصفها بـ”العمل الإرهابي”.

كل طرف حمَّل الآخر مسؤوليته دون أن تتبدى أدنى فرصة لإجراء تحقيق مستقل وشفاف.
بحكم المصالح الاقتصادية المباشرة لا تصب التفجيرات في صالح روسيا ولا في صالح أوروبا.
بعض الفرضيات الرئيسية ذهبت إلى أن الولايات المتحدة ربما تكون تورطت فيها لقطع أية صلة استراتيجية اقتصادية مستقبلية بين روسيا وألمانيا دون أن تضع في اعتبارها أزمة الغاز المستحكمة التي تنذر بشتاء أوروبي قارس، خاصة في ألمانيا وفرنسا.
هذا العمل التخريبي لا تقدر عليه سوى دولة كبرى ــ حسب تقدير الشرطة الألمانية.
كل شيء محتمل ووارد في مثل هذا النوع من الحروب بغض النظر عن القوانين الدولية، حتى لو تضررت البيئة فى بحر البلطيق واهتز الأمن في دول أوروبية عديدة وتفاقمت أزمة الغاز في أوروبا كلها.
ثم كانت المفارقة الكبرى في الفوضى الدولية الراهنة أن الولايات المتحدة، التي تحوطها شبهات قوية في تفجيرات أنابيب الغاز، أبدت معارضة بالغة العصبية للقرار، الذي أصدرته بالإجماع دول “أوبك بلوس” بتخفيض إنتاج النفط مليوني برميل يوميا، متواعدة بإنزال العقوبات وفق تشريع أمريكي مقترح بالدول التي أصدرته.

بتوصيف الرئيس الأمريكي جو بايدن فإنه: “قرار قصير النظر يصب فى صالح روسيا”.
كان ذلك التوصيف توظيفا سياسيا لأزمة الطاقة في الانتخابات النصفية لمجلسى الكونغرس الشهر المقبل.
أراد أن يقول للجمهور الأمريكي إنه حريص على ألا تؤثر الأزمة على ضرورات حياته ومستويات معيشته وأنه معنيّ باتخاذ كل ما يلزم من إجراءات عقابية ضد حلفاء مفترضين دفاعا عن مصالحه.
إنها الانتخابات النصفية التي يخشى أن يخسرها الحزب الديمقراطى قبل روسيا والحرب الأوكرانية!
لم يكن بايدن مستعدا أن يتفهم أسباب تخفيض إنتاج النفط بالإجماع، إنه الاقتصاد أولا وأخيرا.
ولا كان مستعدا أن يحمل بلاده أدنى مسؤولية في التربّح من ارتفاع أسعار الغاز في الدول الأوروبية الحليفة بذريعة أن “أوبك بلوس” تعبير عن مصالح دول فيما شركات الغاز الأمريكية ليست له ولاية عليها بحكم أن ملكيتها خاصة.
كانت تلك حجة مستهلكة، فالسياسات الأمريكية تعمل طوال الوقت على خدمة كبريات شركاتها بما في ذلك التدخل العسكري المباشر والإطاحة بحكومات ونظم، كما حدث بانقلاب تشيلي واغتيال الرئيس سلفادور اللينيدي سبعينيات يالقرن الماضى.

في أحوال الفوضى الدولية الراهنة لم يكن ممكنا أيضا إجراء أي تحقيق في مسؤولية انفجار جسر القرم.
أوكرانيا اعترفت بمسؤوليتها قبل أن تتراجع وتنسب الحادث “الإرهابى” إلى صراعات الأجهزة الأمنية في موسكو.
جرى احتفاء غربى واسع بما جرى فوق الجسر وإدانة رد الفعل الروسي العنيف بقصف البنية العسكرية والمدنية في العاصمة كييف.
انتهكت المعايير مرة أخرى دون أي اعتبار ــ كما هي العادة ــ للقوانين الدولية.
ارتفعت مجددا دون مقتضى أحاديث الخيار النووى بلغة تحذير من الجانب الغربي هذه المرة أن تقدم عليه موسكو، فالعواقب سوف تكون وخيمة.
إنه التصعيد ثم التصعيد ثم المزيد من التصعيد دون أن يكون هناك أي مؤشر في الأفق المنظور لوقف “الخيار شمشون”.

أكمل القراءة

صن نار