تابعنا على

وهْجُ نار

موسم الهروب من وطن … يموت العاطل فيه جوعا

نشرت

في

لنعترف اليوم أن الدولة فشلت في توفير أبسط مستلزمات الحياة لهذا الشعب المغلوب على أمره، لنعترف أن هذه الدولة فشلت في إيجاد البدائل الموعودة لضمان عيش كريم للمواطن…

محمد الأطرش Mohamed Alatrash
محمد الأطرش

لنعترف أيضا أن كل ما قيل عن المنظومة السابقة، وجب قوله بأكثر حدّة عن المنظومة التي حكمت البلاد منذ 2011 إلى يومنا هذا من حكم قيس سعيد، فهو الوحيد الذي سيتحمّل تبعات كل الفشل الذي عاشته البلاد منذ 2011 إذ هو من أختار أن ينقلب على شركائه وينقذهم من تحمّل تبعات ما عاشته البلاد…فالأوضاع تدهورت إلى حدّ يصعب معه إخراجها مما وقعت فيه وأصبحت أسوا مما كانت عليه سنة 2010 بمئات المرّات وأصبح الهروب من جحيم المأساة اليومية التي يعيشها المواطن التونسي الحلّ الوحيد للنجاة وضمان مستقبل أكثر أمنا واستقرارا لكل من فقدوا الثقة في حكام هذا البلد… وفي عودة البلاد إلى سالف استقرارها أمنيا واجتماعيا واقتصاديا…

تعيش البلاد اليوم أو لنقل يعيش جنوب البلاد موجة هجرة غير مسبوقة، لا حديث عنها في أروقة الحكم ولا مكاتب “دار الباي” التي تقطنها “العمّة نجلاء” وكأن الجنوب غير مُدرج في اهتمامات حكومة القصبة ولا في اهتمامات ساكن قرطاج…فما تعيشه بعض ولايات الجنوب لا يمكن أبدا تسميته بالــ”حرقة” بل اصبح شبيها بموجة نزوح أو تهجير “إرادي” أو ربما لجوء مسكوت عنه…فــ”الحارق” اليوم أصبح اقرب إلى اللاجئ في تسميته…فصمت الدولة عن الهجرة الجماعية أصبح مثيرا للريبة والشكّ وكأني بهذه الدولة قبلت بأن تفرّط في أبنائها ليرتموا في أحضان شوارع وانهج مدن شمال ضفّة المتوسط…فأن يهجر البلاد عشرات الآلاف في فترة وجيزة فهذا يصبح في مفهوم الهجرة غير المنظّمة لجوءا وهروبا من وضع غير انساني إلى وضع غير مضمون وغير مستقرّ… وكأني بالدولة تريد أن تتخلّص من “حمل ثقيل” خوفا من أن يخرج عليها غدا ليقول لها ولمكوناتها “ارحلوا”…

هؤلاء الذين أعتبرهم شخصيا “فارين” من جحيم أوطانهم…من ديارهم…من ارضهم…تاركين أهلهم وما بنوه…وهاربين إلى أوطان أخرى…ووجوه أخرى…ومدن أخرى يأملون في أن تعوّضهم الهجرة الوجع الذي عانوه، والمأساة التي عاشوها في أرض كانوا يسعدون بالهتاف باسمها قبل أن تدوسها اقدام التتار والمغول والوندال ويتربّع على عرشها من لا يعون مفهوم الدولة ولا يدركون قيمة ما عاناه بناة الوطن، ومن لا يعترفون بمن ضحوا من اجل هذه الأرض، وقبل أن يصبح “الحقد” من مكوّنات الهواء الذي يتنفسون…والماء الذي يشربون…والحديث الذي يتحدثون…هؤلاء الذين فقدوا كل أمل في أن تستقيم أحوالهم…ويسعدوا بأبنائهم…قرروا الهرب بجلدهم…بحثا عن حضن أكثر دفئا يحميهم…ويمنح مستقبلا افضل لأبنائهم…هؤلاء هربوا “لاجئين” بعد أن باع اغلبهم ما يملك ليوفّر تكلفة اللجوء والهروب… فإن عادوا يوما فلن يجدوا سكنا يأويهم…وسقفا يحميهم…وحضنا يواسيهم…فهم غرباء هنا…وغرباء هناك…وهم موتى هنا…ونصف أحياء هناك…

نحن اليوم أمام وضع غريب…غير طبيعي…مأساوي…موجة من الهجرة الجماعية من بلد لا يشهد حربا بسلاح تقليدي…بل حربا بسلاح لا تراه العين، سلاح أخطر من كل أسلحة الدمار الشامل سلاح اسمه “الحقد” في بلد يشهد وضعا اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا متدهورا…عائلات بأكملها…نساء…شيوخ…عجزت الدولة عن ضمان أمنهم الاجتماعي…فخيّروا الهروب بأطفالهم…وأمانيهم…ومأساتهم…وجراحهم…وأمراضهم…ومعاناتهم…وعذاباتهم …قرروا أن يعانوا ألم الهروب ووجع السكن بعيدا عن الديار، فقط لتوفير وضمان مستقبل افضل لأبنائهم الذين يموتون هنا في أوطانهم بالتقسيط المؤلم أمام أعينهم إحباطا ويأسا من دولة كذبت في كل ما وعدت…

نعم، نحن أمام مأساة حقيقية، عائلات بأكملها هربت من وطن أوجعها…إلى وجهة لا أحد يعلم إن كانوا سيسعدون بها أم سيرون فيها العذاب ألوانا…لا أحد سيضمن لهم قوت يومهم…ولا أحد سيوفر لأطفالهم سقفا يمنع عنهم برد ومطر دول شمال ضفّة المتوسط…هؤلاء تركوا وباعوا جدران بيوتهم…ودفء أغطيتهم…من أجل انقاذ أبنائهم من مستقبل غامض…مستقبل تنكرت دولتهم في ضمانه…وغدرت بهم من أجل عيون صندوق النكد الدولي بعد أن أفرغت الحكومات المتعاقبة خزائن الدولة، بتواطؤ من اتحاد شغل باع ذمته وتنكّر لرسالته وحاد عن أهدافه وكان السبب الأول في الوضع الذي تعيشه البلاد، فهو الذي أوصل كتلة الأجور إلى ذلك الحجم…وهو الذي تنكّر لكل الشعارات المرفوعة أيام حراك ديسمبر وجانفي من سنتي 2010 و2011…واكتفى فقط بالنفخ في أجور العمال والموظفين والإطارات وحملات تسوية الوضعيات التي أثقلت كاهل خزينة الدولة، وجعلتها تئن تحت وطأة كتلة الأجور في ظلّ شلل تام بأغلب القطاعات المنتجة بسبب ما يحاك في مكاتب بناية ساحة محمد علي…

جميعهم تآمروا على هذه الأرض… وتكالبوا للقضاء على هذه الدولة…جميعهم لم يأبهوا للإنسان…لأوجاعه…لمأساته…لمصيره…لمستقبل أبنائه…لا يزال بعض شبابنا يموت غرقا في المتوسط ويلفظ كل يوم انفاسه يأسا واحباطا من وضع اجتماعي نخر جسده وقتله دون أن يدري أنه ميت حيّ… ولا يزال الاخرون يصرون على صمتهم المخزي عن وضع اجتماعي يسوء كل يوم، يبحثون فقط عن كراسي السلطة والجاه، ولا يأبهون لمن هرب…ومن مات غرقا… ويبقى والد كل مهاجر هارب من وجع وطن خذله، يعمل ليلا نهارا ويتسول من هذا ومن ذاك ثمن هروب ابنه عنه وعن الوطن…وعن حضن أمه المسكينة…وعيون إخوته الباكية …خوفا من أن يشتعل لهيب التمرّد في عيون أبنائه فيخرجوا على الحاكم…فيموتوا بشظيّة لا أحد يعرف مصدرها أو بسجن يحرمهم حضن أم عانت من أجلهم الكثير…ووالد مات دون أن يسعد بأبنائه…ففقدان الأبناء غرقا أصبح أهون عند البعض من فقدانهم أمام أعينهم…أحياء…وما هم بأحياء…يتوجعون…يصرخون من ظلم دولة ووطن أجبرهم على تركه والرحيل…وطن أصبح غير صالح للحياة…وللموت أيضا…وطن يموتون فيه أمام أعين أمهاتهم…

وطن أصبح فيه الكرسي مقدّسا…والشعب فيه مدنسا…وطن أصبح يحنّ للأصنام…يموت العاطل فيه…ويجوع الفقير فيه…وطن لا يزال الفقير مسحوقا فيه…وموجوعا منه… يركض وراء لقمة عيش تكاد تسد رمق أطفاله وأم أطفاله…وطن تغتال فيه الديمقراطية كل يوم وكل ساعة… ديمقراطية أصبح الشعب فيها… بين عاطل ومعوق… ومتشرّد ومتسكع …وممنوع من السفر… وقابع في الإقامة الجبرية…

هكذا نحن اليوم…فكيف سنكون غدا…؟؟

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

وهْجُ نار

ماذا لو أصبحنا…إخوة الحمير في الرضاعة؟!

نشرت

في

كنت جالسا قبالة التلفاز حين فاجأني قطّ من قططي التي تعيش معنا بالمنزل صارخا باكيا شاهرا لسانه…قلت ما حكايتك؟ فأجاب ألم تسمع؟ ألم يخبروك بما قاله رئيسكم ورئيس البلاد؟ قلت وما دخلكم أنتم الحيوانات في ما يقوله مولانا؟ قال السنا من سكان تونس ألسنا منكم وإن اختلفنا؟ فأنتم من جنس البشر ونحن من جنس الحيوان والمسؤول عنّا وعن كل من يعيش على هذه القطعة من الارض واحد فإن أتى أمرا يسعدكم فسنسعد معكم وإن اتى أمرا يسيئكم فالأكيد انه سيسيئنا مثلكم…ألم يقل عمر الفاروق “لو أن جملا أو شاة أو حملا، هلك بشط الفرات، لخشيت أن يسألني الله عنه “، ألا يكفي هذا الدليل والإثبات ليؤكّد أن رئيسكم هو رئيس الجميع والمسؤول عن حياتنا وما تعنيه…وعن قوتنا…ألسنا جزءا من التوازن البيئي والطبيعي لهذه البلاد؟

محمد الأطرش Mohamed Alatrash
محمد الأطرش

ألا تسعدون أنتم بنزول الأمطار…نحن مثلكم نسعد بالأمر…ألا تسعدون حين تنخفض أسعار اللحوم وغيرها من المواد الغذائية؟ نحن نسعد معكم… ألا يأكل أغلبنا ما تتركون وما تضعون في مزابلكم؟ نحن من هذا الشعب وإن لم ننتخب رغم ان القانون الانتخابي لم يستثن الحيوانات من الولوج إلى خلوات مكاتب الاقتراع، فلو كنّا ضمن قائمة المسجلين بقائمات الناخبين لفعلنا…ألم تعلم أن الرئيس أعطى تعليماته بضرورة الضغط على استيراد المواد الكمالية وذكر من جملة ما ذكر من تلك المواد الأكلات الخاصة باللحيوانات الأهلية فهل أصبح أكلنا من المواد الكمالية السنا جزءا من هذا الشعب؟

 نظرت إليه وهو يحاول إخفاء دموعه وقلت لم أسمع صراحة بالأمر، لكن لا تهتمّ فلن نترككم دون أكل ولن تموتون جوعا وأنتم معنا…ابتسم وكأنه ولد من جديد…قال نحن على بينة مما تعانون ومن الوضع الاقتصادي للبلاد لكن ما ذنبنا نحن حتى نحرم من بعض الأكل …ألسنا منكم…ألسنا من هذا الشعب…ألم تقرؤوا يوما مقولة “ويل لشعب تموت قططه جوعا” وقد قالها عالمنا الاجتماعي الشهيد “قطوسينهو غيفارا مياو”…وقد عاش في زمن ابن خلدونكم…الذي به تفاخرون…

قلت لقطّي العزيز اجلس لنتحدّث قليلا عن حالكم وكيف تعيشون في ظلّ هذه الأوضاع التي يعيشها كل العالم وخاصة بلادنا …قال نحن نقتات مما تتركون ونأكل مما في مزابلكم ترمون فإن أكلتم أكلنا…وإن جعتم جعنا…قلت لن تجوعوا وإن جعنا فأنتم من أهلنا ولا تنس نحن شعب واحد رغم الاختلاف في اللغة والطباع وطول الذيل ومكانه…جلس محركا ذيله يمنة ويسرة وكأنه يقول لي شكرا صديقي…ليس لي ذيل لأحرّكه ولا أتقن لغة الاذيال والذيول حتى يدرك ما اريد قوله لكن رَبَتُّ على رقبته ورأسه وابتسمت ففهم ما أريد قوله بتحريك ذيله مرّة أخرى…

قلت أين كنت وأنت مرهق بهذا الشكل؟ قال كنّا في جنازة خالتي التي ماتت مسمومة من أحد سكان الحي وقد أبنتها اختها واعتبرناها شهيدة، خاصة ونحن نتعرّض منذ أكثر من سنة إلى حملات تسميم وشيطنة وتهديد ووعيد وإبادة من أحد سكان حيّنا…وأعترف ان بعضكم لا يريد بنا خيرا…ولا إنسانية له، فنحن الحيوانات أكثر إنسانية منكم…قلت رحمها الله ورزق أهلها وذويها واصهارها ورفاقها من القطط والحمير والبقر والدجاج والكلاب جميل الصبر والسلوان واسكنها فراديس الجنان قرب مسكن جزار وبائع دجاج… سنفتقدها حتما وسنثأر لها من السفاح الذي دسّ لها السمّ في الدسم…

قلت لصديقي القطّ وكنت حاضرا حين ولد، ألم تسمعوا بالانتخابات القادمة؟ قال نعم…وقد قررنا الاجتماع يوميا في جميع الاحياء للنظر في إمكانية المشاركة معكم ترسيخا للديمقراطية التشاركية بين الانسان والحيوان فلا فرق بيننا غير الأرجل والذيل… وقد يكون حالنا أيسر من حالكم فنحن لسنا في حاجة للتعريف بالإمضاء في مقرّات البلدية…يكفي أن نجمع دعم مائة حمار فيقبل ترشحنا…فقانوننا الانتخابي يختلف بعض الشيء عن قانونكم…ومجلسنا النيابي سيكون مكوّنا من الحمير والبغال والكلاب والثعابين ونسبة صغيرة من القطط…وقد اعتمدنا نفس تقسيمكم للدوائر الانتخابية، وقد تكون نتائج هذه السنة مغايرة لما كانت عليه قبل 25 جويلية …

فمجلسنا قبل ذلك التاريخ كان خليطا من الأفاعي والثعابين والبغال وبعض الدجاجات وكتلتين من الثعالب وكتلة من الحمير…وعدد الحمير الذين يرغبون في الترشح هذه السنة كبير وكبير جدا خاصة أن الاقتراع سيكون على الأفراد والحمير تعرف بعضها البعض…وقد لا نستغرب إن أصبح لنا مجلس كل نوابه من الحمير وربما أتان أو أكثر فلا أظنّ أن مبدأ التناصف سيقع اعتماده اختياريا بعد أن حذف من القانون الانتخابي وقد يقع الاختيار على كبير الحمير أو البغال رئيسا للمجلس النيابي القادم على أن يكون مساعده الأول جحش أسود اللون ومساعده الثاني جحش يميل اكثر إلى البياض…وجميل أن تكون لنا اتان بين هذا العدد الهائل من الحمير النواب…لإبعاد الحسد…والعين…

ضحكت وقلت وكيف حال أوضاعكم الاقتصادية؟ قال نحن مثلكم نعاني…فغلاء الأسعار أتعبنا كما أتعبكم وأرهقنا أكثر منكم…فبعضنا يتنقّل من حي لآخر كل يوم بحثا عن قمامة مليئة بالأكل المفيد والجديد…وقد يعود خالي الوفاض في أغلب الأحيان…فسعر الدجاج اصبح مرتفعا شاهقا كناطحات السحاب…فإن لم يقدر عليه سكان الحي فإننا لن نتذوق طعمه لأشهر…كذلك لحم البطّ وكذلك “الصلامي” فارتباطنا وثيق بالإنسان …إن ارتفعت الأسعار نعيش رعب الجوع والخصاصة…وإن تمتّع البشر بزيادة في الأجور فتلك الفرحة الكبرى…فترانا من حي لآخر نأكل ونتمتّع بحياتنا…ونضاجع بعضنا البعض دون ملل ولا كلل لنملأ الأرض نسلا…فنحن القطّط نفكّر كثيرا في مستقبل أجيالنا القادمة مع ارتباطنا الوثيق بتاريخنا ومكتسباتنا التي لا نريد التفريط فيها…فنحن لسنا في قطيعة مع ماضينا…وإن اختلف عن حاضرنا…

أعجبني حديث صديقي القطّ فسألته هل علمتم بمن نجح في الانتخابات التشريعية في إيطاليا؟ قال ضاحكا ومحركا ذيله في كل الاتجاهات…نعم …طبعا علمنا بفوز جورجيا ميلوني زعيمة حزب “إخوة إيطاليا” بالأغلبية …واجتمعنا على عجل للنظر في ما قد سيتغيّر إقليميا في المنطقة خاصة وجاليتنا هناك كبيرة العدد وقد تتأثر بهذا التغيير السياسي المفاجئ…ضحكت ملء شدقي فقطّي متابع جيّد للأحداث ربما أكثر حتى من بعض البشر…واضاف صديقي أتدري أخي الكريم (ضحكت من أخي الكريم، فنحن في الأخير وفي واقع الحال إخوة في الخلق فخالقنا واحد …) أقول وأضاف قائلا أتدري أخي الكريم أن ميلوني هذه جعلت إيطاليا تأخذ منعطفا حادا نحو اليمين وهو ما قد يفتح الباب لعودة الفاشية فميلوني أبدت في الماضي إعجابها بموسوليني علما بأنها أول امرأة رئيسة للوزراء في تاريخ إيطاليا…

والخوف كل الخوف أن تأمر بحملة لطرد العرب وغيرهم من المهاجرين…وقد تكون بلادنا أكبر ضحايا فاشية ميلوني فإن عاد إلينا العشرات من الآلاف الذين يعيشون هناك فإننا لن ننجح في الخروج مما نحن فيه…وقد نتأثر نحن القطط وإخوتنا من الحيوانات الأليفة وغير الاليفة من فاشية ميلوني…فالأسعار سترتفع إلى ما لا نهاية له…وستكثر السرقة …والتوحّش …وقد يكثر عدد المسيئين للحيوانات وقد نصبح عرضة للقتل والطهي على موائد بعضكم إن انتشر الجوع…وقد نضطرّ لدفن بعض إخوتنا يوميا…أعرفت الآن أن حالنا من حالكم فما تعيشونه نعيشه مع فارق بسيط في الأحداث…لكن نفس الأسباب ترهقكم ونفسها تقتلنا…والأمل كبير في الحمير التي ستفوز بمقاعد في مجلس نوابنا الموقّر لتقرر ما قد تراه صالحا لنا وللبلاد وإخوتنا من العباد…

بكى صديقي القطّ تأثرا بما حكيناه وخوفا من مستقبل نسيناه ونظر إلي قائلا…أملنا كبير في من سيمثلنا في المجلس من الحمير، وبمناسبة ذكري للحمير ألا تخجلون من أنفسكم يا معشر البشر وما تفعلونه وما تقولونه وما تنعتون به الحمير وهم نوابنا في الأشهر القادمة…فالحمير وقبل كل شيء سيصبحون نواب مجلسنا الحيواني نحن إخوتكم وحيواناتكم الأليفة وشبه الاليفة ونصف الاليفة… وهم إخوتنا وإن اختلفوا معنا في الشكل…وهم نخبتنا وإن اختلفوا معنا في العقل…وهم أسوتنا وإن قلتم فيهم ما لم يقله مالك في الحمير والبغال وبعض البعير…أليست هي التي حملت ظهورها كل بضائعكم…كل مؤونتكم…كل زرعكم وحصادكم…أليست هي التي “درست” حصادكم من القمح والشعير…لم كل هذا الحقد على الحمير…؟أليس الحمار هو صديق الفقراء والمحرومين…

أليس هو من كان يوصلكم في زمن مضى على ظهره حيث تريدون…ألم يكن يحمل صغاركم وهم رضع…ثم حملهم وهم شيوخ …لماذا تظلمون الحمير وآل الحمير وأبناء الحمير ومن صاهروا الحمير ومن جاوروا الحمير ومن تعلموا على الحمير …حتى البغال لم تسلم من اذيتكم ومن أحقادكم…لماذا أنتم هكذا يا معشر البشر…هل يصحّ عليكم ما قيل ان ثلثيكم شر إن حذفنا حرف الباء…لعلمكم بعض البشر اغبى بكثير من الحمير…وصبركم أنتم البشر لا يصل إلى صبر الحمير…هل سمعتم يوما بحمار قتل صديقه…أو انتحر…أو حرق نفسه…هل سمعتم بحمار التقى بسفير أجنبي…هل سمعتم بحمار عمل مخبرا سريا لدى سفارة اجنبية…هل سمعتم بحمار خان الحمير…هل سمعتم بحمار غدر بشركائه…هل سمعتم بحمار تورّط في تسفير الإرهابيين إلى بؤر التوتّر…هل سمعتم بحمار ظلم بعض الحمير…هل سمعتم بحمار احتكر العلف فجاع رفاقه…وهل سمعتم بحمار نهق سوءا بجاره…لم ولن تسمعوا…فالحمير هم نخبتنا نحن الحيوانات الأليفة وغير الاليفة…وسيكون مجلسنا النيابي الحيواني أغلبه من الحمير وسيكون كبير الحمير على رأسه…

ستحتاجون الحمير ما حييتم…فسيحملونكم على ظهورهم يوم ينتهي مخزونكم من المحروقات…ويوم لا تقدرون على شرائها…وستشربون حليب الحمير يوم تغلق مصانعكم…وتموت أبقاركم من الجوع…وستصبحون إخوة للحمير من الرضاعة…دامت أخوتكم…

أكمل القراءة

وهْجُ نار

غدا سنركب ظهور الحمير…لكن ماذا لو ارتفع سعر العلف؟!

نشرت

في

montée à dos d'ane (mont dictee) - Photo de Elounda, Lasithi Prefecture -  Tripadvisor

علينا أن نعي اليوم جميعا أننا في خلاصة الأمر شعب واحد، يطمح الى بناء دولة قوية مستقلة ذات سيادة، دولة عادلة ويحكمها عادل لا يستبد بالرأي ولا بالقرار ولا بالخيار…دولة يتساوى فيها الجميع من العالم للأجير، ومن المواطن إلى الوزير… دولة ديمقراطية تحقق وتلبي طموحات كل الشعب في أن ينعم بحياة آمنة كريمة لا فساد فيها ولا عمالة ولا خيانة ولا استبداد حاكم أو مسؤول…أين نحن اليوم من كل هذا؟

محمد الأطرش Mohamed Alatrash
محمد الأطرش

 هل حققنا شيئا من طموحات الشعب وما يريده ويتمناه؟ لا شيء مما كان يتمناه الشعب حققه … ولا شيء حققه له حاكمه الجديد ولا من سبقه أو تحقّق له…لا شيء…فأكبر معضلاتنا اليوم وأكبر مشكلاتنا هي من أين نأكل وماذا نأكل وهل لنا من الأكل ما يكفي كل هذا الشعب ليبقى على قيد الحياة…؟

هذا الشعب لم يعد يهتمّ لإنجاز أو لبعث مشروع رائد يشغّل الآلاف، أو لنجاح علمي يهزّ الدنيا من أحد أبناء هذا الوطن المنكوب، أو شراكة اقتصادية تملأ خزائن البلاد وتغنيه عن التسوّل من المنظمات والدول والمؤسسات المانحة، أو لبطولة في كرة القدم أو لزواج فمن يتزوجون صيفا يتركون زوجاتهم شتاء ولا نهتمّ لشوط في كرة المضرب أبدعت فيه أنس جابر…هذا الشعب أصبح عاجزا عن العمل فالكسل أصبح شعار الشعب منذ 14 جانفي…منذ أصبح “العزري أقوى من سيدو” ومنذ أصبح الاتحاد شريكا في الحكم بالثلثين…

أعظم همّوم هذا الشعب اليوم هو كيف يهرب بعضه من جحيم البلاد وبطش ظروفها… وللبعض الآخر ممن لم يعد يهمهم أمر مستقبلهم بعد أن عجزوا عن توفير مستقبل أفضل لأبنائهم…أقول أعظم هموم هؤلاء كيف يبقون على قيد الحياة، وليبقوا كذلك عليهم أن يأكلوا فمن أين سيأكلون وكم سيدفعون مقابل أكلهم وكيف سيحصلون على بعض السكر والزيت ورغيف من الخبز فقد وزنه الحقيقي بسبب سوء التغذية، فحتى رغيفنا يعاني من هبوط حاد في الوزن وانسداد في الشرايين وسوء تغذية في مكوناته…

دولتنا أبقاها الله لا تبحث اليوم عن استثمارات ولا كيف تصنع الثروة لأجيالنا القادمة…ولا كيف توفرّ مواطن شغل للهاربين من “حرقة” البطالة إلى “حرقة” الموت غرقا في المتوسط…همّها الوحيد، كيف تسدّ رمق هذا الشعب الذي بدأ بعضه يشعر بوجع في بطنه من الجوع…حتى لا يخرج عليها ماسكا بطنه بيد وحجر باليد الأخرى مطالبا بحقّه في الأكل والماء…فالجوع هو سبب أكثر من ستين بالمائة من الثورات والانقلابات التي وقعت خلال القرن الماضي… مشكلتنا اليوم هي أن بطوننا أصبحت شغلنا الشاغل فنسينا فلذات أكبادنا التي هربت من جحيم بطالة واحباط ويأس نحن اشعلنا ناره بأحقادنا…وكراهيتنا التي زرعناها يمنة ويسرة وشمالا وجنوبا…وكأني بحكامنا تعمّدوا أن يجعلوا من بطون الشعب أكبر همّه عوض أن يبحث عن أمور قد تنغّص على الحكام حياتهم…فالشعب اليوم عوّض الديمقراطية بالرغيف ونسي أن توفير الرغيف للشعب هو مكوّن من مكونات الديمقراطية…وكأني بشعار الشعب اليوم أصبح “أحكم واعمل اللي تحب …فقط اعطيني ناكل”…

هذه البلاد هي اليوم ضحية حقدنا وكراهيتنا لبعضنا البعض…وضحية الفتنة التي جاء بها “التتار والوندال” و”جنكيز خان” من اليسار واليمين وحتى من سكان الدار الذين لم يضعوا حجرا واحدا في هذا البناء الذي بدأ يتآكل من ثقل الأحقاد… المشكلة هنا، والكارثة التي بدأت تحوم حول هذه البلاد هي أن نسبة كبيرة من هذا الشعب وكأني بهم قبلوا بما يجري فأصبح عندهم تفكيك الدولة ومؤسساتها أمرا واقعا يتعاملون معه بكل عقل انتقامي ووعي ثأري وتفكير حقدي… وهنا يكمن الخطر فمن الطبيعي أن يؤدي وعيهم، وما يقومون به فرديا وجماعيا الى تحقيق أهداف التفكيك…فلا غرابة إذن إن ازداد الأمر سوءا رغم تعنتنا وتمسكنا بأننا أتينا ما يجب اتيانه…ولا غرابة إن غابت العديد من المواد الحياتية الأساسية والضرورية…ولا غرابة إن أغلقت نصف المؤسسات الصناعية ومعامل البلاد أبوابها فكل هذا الخراب لا يضيرهم في شيء…ولا غرابة أيضا ان يغلق اتحاد الشغل في وجه الشعب المسحوق والمغلوب على أمره خيمته التي كثيرا ما تفاخرت قياداته الحالية والسابقة بأنها خيمة الوطن، فقيادات الاتحاد باعت الخيمة إلى من قايضها ثمنا ينقذها من تبعات الخراب الذي كانت شريكا بأكثر من النصف فيه، خلال عشرية كان فيها الاتحاد حاكما بأمره يعلم حتى متى يدخل بعض الوزراء بيوت راحتهم ومتى يداعبون زوجاتهم قبل الولوج إلى غرف نومهم…

لا تستغربوا إن ازداد الوضع سوءا وإن تسارعت وتيرة تمزيق هذه البلاد وشعبها…فعوض أن يختار الجميع النهج الإصلاحي العقلاني بعيدا عن الانتقام وتصفية الحسابات خوفا على كراسيهم، وعوض ان ينخرط الجميع في محاولات الإصلاح  بنبذ الأحقاد وتغليب المصلحة العليا للوطن والشعب، اختاروا القبول بالأمر الواقع لأنه يُرضي أحقادهم ورغبتهم الجامحة في الانتقام والثأر… وعلينا أن نعي قبل فوات الأوان وقبل أن نشعر جميعنا بوجع في بطوننا من الجوع القادم كرصاصة خارجة لتوّها من كاتم صوت مجهول الهويّة…أقول علينا ولا خيار أمامنا إلا الوقوف في وجه السياسات الخاطئة التي تهدف إلى تفكيك الدولة ومؤسساتها، وليس أمامنا غير خطاب وطني جديد جامع يوحد الجميع نحو هدف واحد …الوطن ولا غير الوطن…وطن يتعايش فيه الجميع ويتصالح ماضيه مع حاضره لضمان مستقبل أجمل وأفضل لأجياله القادمة…فتوريث الحقد وتغليب الفتنة سيفكّك أوصال هذه البلاد التي مات بُناتها من أجل أن تكون أفضل وأجمل لأبنائها وبناتها…

أظنّ أنه من العقل ان يقول المواطن اليوم كلمته حماية لهذا البلد وهذه الدولة من التفكّك حتى لا يقع اتهامه مستقبلا بالصمت السلبي المدمّر…على المواطن الواعي بمصلحة هذه البلاد أن يفكّر بعقل واع ومنطقي وليس بعقل الجاهل المتملّق المتسوّل للمناصب والكراسي والحاقد على كل خصومه، فسكوت المواطن اليوم لن يفيد البلاد في شيء بل سنحصد بسببه اللعنة من ولأبنائنا وأجيال المستقبل…وليعلم الجميع أن الوضع البائس الذي تمر به البلاد اليوم هو نتاج ثقافة الأوهام وعقلية الإلهاء التي تعيشها الطبقة الحاكمة، ومن يحيطون بها…وعلى حكامنا اليوم أن يدركوا جيدا أن تعاطي شؤون الحكم لا يكون بالتقاتل السياسي والحقد والتخوين…ولا بالاستماع إلى من يكيدون لهذه البلاد ويضمرون لها شرا…والحال أنهم اغرقوا مسامعنا بخطاب التسامح والتعايش والمحبة ودولة القانون وحكم الضمير وعدل عمر…

أرأيتم إلى اين أوصلتنا احقادنا…إلى اين أوصلنا غرورنا وتعنتنا وخوفنا من الجلوس حول طاولة واحدة… طاولة الوطن…نحن اليوم في مفترق طرق خطير…فمع كل صباح نفتقد مادة من المواد الحياتية المعيشية الأساسية…وكل مساء نسمع بفقدان مادّة أخرى…فما رأيكم حين تلتقون بأكثر من متسولة تطلب ثمن كراس أو ثمن كتاب لابنها …هذا ما نعيشه اليوم في أغلب جهات البلاد…أصبح التسوّل مناسباتيا … ما رأيكم في من يتسوّل لشراء بعض الدواء…ما رأيكم في من باع سيارته لأنه لم يعد قادرا على تحمّل مصاريفها …ما رأيكم في من باع منزله لينقذ ابنه من البقاء في وطن أصبح يؤلمه…يقتله…يدمّره؟ ما رأيكم؟ هل سيضطروننا إلى الاقتصاد والتقشّف في كل شيء حتى يسعدوا هم بالحكم ويهنأ بالهم…حتى لا ننغّص عليهم حياتهم في قصور الحكم بالمطالب…

لا غرابة غدا إن خرجوا علينا بومضات اشهارية تدعو إلى الترشيد في استهلاك الماء الصالح للشراب حسب زعمهم لأسباب صحيّة …ولا غرابة إن جاؤوا بطبيب مختصّ في امراض الكلى ينصحنا بالترشيد في استهلاك الماء خوفا على ما تبقى من كلانا…كما لا غرابة في أن يخرج علينا أحدهم ليروي لنا قصصا طويلة عن خطورة السكر وكل المواد الأساسية المفقودة على الصحة وينصحنا ليس بترشيد استهلاكها بل بالاستغناء عنها وتعويضها بمواد أخرى متوفرة…ماذا لو حذف الدعم كاملا عن المحروقات…هل سنعود لنركب الدواب؟ هل سنضطرّ إلى تحسين علاقاتنا بالحمير ونحن الذين أهنّاها طويلا وارهقناها بما حملناه على ظهورها من متاع ومن أثقال… وما قُلناه عنها… ومن شبهناهم بها؟ ماذا لو أصبحت الحمير هي وسائل نقلنا لعملنا وقضاء شؤوننا…ماذا لو أصبح الحمار هو الناقل الرسمي الوحيد للموظفين والعملة إلى مقرّات عملهم…ماذا لو وصلت متأخرا عن موعد خروج الحمار رقم 28 من محطتنا…هل سأطلب من أحد الركاب أن يتحرّك قليلا إلى الوراء حتى أجد مكانا معهم على ظهر الحمار…فماذا لو قال لي “وخّر وخّر ظهر البهيم وفى…شوف البهيم اللي بعدو…”…فهل ستُصبح تونس البلاد التي نصف سكانها من الحمير…والنصف الثاني أصدقاء وأصحاب الحمير… خلاصة قولي… فماذا لو ارتفع سعر العلف…؟؟؟ “وخّر وخّر ظهر البهيم وفى…”…

أكمل القراءة

وهْجُ نار

الفاروق جاء ليزرع الأرض عدلا …ولم يأت ليزرع الأرض حقدا

نشرت

في

منذ ثلاث سنوات وهذا الشعب ينتظر إنجازا واحدا لوعد واحد…ومع كل حدث يخرج علينا أنصار ساكن قرطاج يفاخرون بما سيأتيه غدا سيدهم…ننتظر ما يأتيه…فيأتي الغد ولا شيء مما وعدوا به فيه …منذ ثلاث سنوات وهذا الشعب ينتظر حلا لمشاكله…طال الأجل… ولم يأت الحل… وضاع الأمل في زحام هذه الفوضى التي نعيش منذ وصول ساكن قرطاج إلى كرسي قرطاج…

محمد الأطرش Mohamed Alatrash
محمد الأطرش

منذ ثلاث سنوات ونحن نستمع إلى نفس الخطاب…نفس الأغنية…نفس المقام…نفس النشاز…نفس التهديدات…نفس الاتهامات…نفس المعنيين بالاتهامات…ونفس الوعيد… منذ ثلاث سنوات ونحن نشاهد نفس الملامح …نفس الغضب …نفس التشنّج … منذ ثلاث سنوات …والابحاث تجري هنا وهناك…اتهامات لهذا…ومنع سفر لذاك…وإقامة جبرية للآخر…ولا شيء تغيّر في حياة هذا الشعب… منذ ثلاث سنوات وساكن قرطاج يتحدث عن الاحتكار…ولم نر شيئا من الاحتكار…

منذ ثلاث سنوات وساكن قرطاج يتحدث عن الفساد ولم نر فسادا… منذ ثلاث سنوات وساكن قرطاج يتحدث عن خروج من الأزمة … ولم نخرج مما نحن فيه… منذ ثلاث سنوات…وساكن قرطاج يتّهم خصومه بكل جرائم العالم…ولا شيء ثبت عن جرائمهم…ولم نر دليلا واحدا يورطهم في ما قيل عنهم وما اتهموا به… منذ ثلاث سنوات ونحن ننتظر حلا للعاطلين…فزاد عددهم ومات المئات منهم بحرا…وهرب الآلاف منهم جوا وبرا …ولا أحد من العاطلين وجد شغلا…قال بعضهم أن الفاروق جاء ليزرع الأرض عدلا…فلم نر عدلا…ولا زرعا…فقط رأينا من يزرع الأرض حقدا…ولم نر الفاروق أصلا…

منذ ثلاث سنوات وأنصاره يفاخرون بوطن سيصبح حقلا من الورود…فلم نر حقلا ولم نر ورودا …فالورود ذبلت…وملأت رائحة النفايات الأرض وخنقت من عليها…منذ ثلاث سنوات وأنصار ساكن قرطاج يعدوننا بمستقبل أفضل…لنا…ولأبنائنا…وأجيالنا القادمة…فلم يتقدّم بنا الزمان…ولم يمض خطوة واحدة إلى الأمام…وكأن ساكن قرطاج وجمعه يشدّونه إلى خلف…فلم نر مستقبلا…ولم نعش حاضرا…فقط رأينا ماضينا جاثما على ركبتيه يبكي حاضرنا…ويتألم لمستقبلنا…فساكن قرطاج لم يلتفت يوما لحاضرنا…ولم يفكّر لحظة في مستقبلنا…فقط كان همّه الوحيد، ولا يزال محاكمة ماضينا الذي لم يكن فيه، رغم أنه منه…

منذ ثلاث سنوات وأنصار الرئيس في كل مكان يدافعون عن عدم الكفاءة…يبررون فشل سيدهم وحكمه بأنه ليس مسؤولا عما يجري، فالرئيس حسب زعمهم ورث دولة مثقلة بالفساد والخراب…ويتهمون كل ناقدي الرئيس وحكمه بالحقد والتآمر والحسد…منذ ثلاث سنوات وساكن قرطاج لم يدرك أن الكفاءة الحقيقية تعنى النجاح في إدارة الأزمات والقدرة على تقديم مبادرات…وإدارة الأزمات لا يكون بالانتقام والثأر وتصفية الحسابات بل يكون باليد الممدودة…للجميع…

منذ ثلاث سنوات والشعب ينتظر أن يقدّم له الساكن الجديد لقصر قرطاج ساسة يسعون إلى بناء مؤسسات حديثة… ويبدعون في إعمار وإدارة شؤون البلاد أكثر من إبداعهم في فنون الكلام والهراء والخطب الجوفاء…والتصرفات الرعناء…والكثير من الغباء…منذ ثلاث سنوات ونحن ننتظر حلاّ لهذا الفشل المخجل والمعيب لوطن بدأ يهرب من جحيمه خيرة شبابه…ووقود مستقبله…

منذ ثلاث سنوات وأنا أمرّ أمام دكّان عمّ صالح “الفحّام” ومنذ ثلاث سنوات وأنا استمع إلى نفس الأغنية في نفس التوقيت…اليوم مات “عم صالح”…ونفس الأغنية تنبعث من مذياع بحانوته…”سلمتك بيد الله…”…

أكمل القراءة

صن نار