تابعنا على

جور نار

مُلتويات تواصليّة يُتقنها التونسيّون

نشرت

في

منصف الخميري:

وأنا أقرأ كتاب “البُعد الخفيّ” لإدوارد تي هول، تمنّيت لو كان الكاتب مطّلعا على الثقافة الشعبية التونسية ليُدعّم فكرته المتصلة بالثقافات ذات السياق العالي، بأمثلة ملموسة من معيشنا اليومي في المقاهي وشبابيك الإدارة وعربات النقل العمومي وما يتمّ تبادله عبر الهواتف ومساحات التراسل والتواصل.

منصف الخميري Moncef Khemiri

وقبل استعراض البعض من هذه الأمثلة المؤيّدة لفكرة أننا كتونسيين منتمون إلى سياق ثقافي هلامي وعال وعائم جدا، قد يكون من المُفيد قول بعض الشيء عن صاحب مقولة “الزمن ناطق، ويصدح بالحقيقة أحيانا عندما تكذب الكلمات”.

إدوارد تي هول (1914-2009) عالم أنتروبولوجي أمريكي عُرف خاصة بإشاعته لمفهوم المثاقفة أو تواصل الثقافات واهتم بالأبعاد الخفية التي تحكم سلوكاتنا بصفة لاواعية في مجالات التواصل والزمن والفضاء.

بالنسبة إليه، كل ثقافة تتوفر على نموذجها الخاص في التواصل الذي لا يتحدد بموجب مضمون الرسائل فحسب. بل إن شكل الرسالة وصيغتها هما في أغلب الأحيان أهم من محتواها، الشيء الذي سيدفع به إلى التفريق بين سياقين للتواصل : سياق عالٍ وسياق منخفض.

في الثقافات ذات السياق العالي (مثل شعوب آسيا والشرق عامة وإفريقيا)، يكون للكلام قيمة أقل بالنسبة إلى السياق والمناخ الذي يتحقق فيه التبادل. يكون الفرد في غير حاجة إلى معلومة صريحة ومصوغة وفق قواعد محددة من أجل أن يتواصل ويتفاعل مع محيطه. ويعتمد التواصل هنا على روابط بين شخصية قوية، بحيث يكون التواصل ذاتيا وغير رسمي وعادة غامضا وغير لفظي ويستدعي أشكالا أخرى من التعبير  التي تتجاوز المعاني المباشرة للكلام.

في هذا النوع من الثقافات يكون الانتماء إلى مجموعة مهم جدا ويُولى اهتمام أكثر من قبل الأفراد إلى معاني “المعايشة” وجودة التفاعلات. هو سياق لا يثق فيه الفاعلون بالوثائق المكتوبة ويُخيّرون الإجراءات المرنة والسّائلة.

ويتضمّن هذا النسق ثراءً علائقيا وتواصليا كبيرا (الإيحاء والتضمين والدلالات الحافة واللايُقال ولحظات الصمت الصائت وغير المباشر والمضمر والكامن …) وعادة ما يتسبب في سوء تفاهم وتشنجات مع أشخاص منتمين إلى ثقافات سياقها منخفض.

أما في النوع الثقافي المقابل (ألمانيا وكندا وأمريكا مثلا) فتكون المعلومة موضوعية ورسمية وتُصاغ عبر قواعد تواصلية دقيقة ومكتوبة وتكون المعلومات واضحة ومحددة خاصة عند بلورة الأهداف. التواصل في هذا النموذج صريح ومباشر (الأولوية للتحليل وتعقّل المواقف) يتبادل ضمنه الأفراد كمًّا كبيرا من المعلومات على حساب ثراء السياق وخصوبته، فلا مكان لغموض الرسائل أو ضبابية معانيها (منطق استنتاجي وفق قواعد صريحة ومُتعارف عليها على نطاق واسع).

ومن المهم الإشارة كذلك إلى أن التواصل في هذا المنوال يكون باردا وعقلانيا ومحسوب النتائج منذ البداية ويتأسّس على الوضوح والاختصار مقابل المُبهم وغير الدقيق.

هنالك طُرفة متداولة تُجسّد تماما حدود التعارض بين السياقين الثقافيين العالي والمنخفض، وهي قصة مواطن تونسي له صديق ألماني تهاتفا صباحا للاتفاق على موعد مسائي يلتقيان خلاله في مكان ما ليحتسيا القهوة سويّا ويتحدّثان فيما يهمّهما.

فبادر التونسي بالقول : “مالة نتقابلو العشيّة كان عشنا مع الأربعة هكاكة، الأربعة ونصف… في المكان الفلاني”، فأجابه صديقه الألماني “من رأيي مرة واحدة تكفي، لِمَ نلتقي مرتين ؟”

ملتويات تواصلية لا يُحكم نسج خيوطها جيدا إلا التونسيون

التونسي لا يمنحك ثقة ولا يرتاح إليك وإلى ما تقوله إذا أنت لم تُمعن النظر مباشرة في عينيه والاقتراب منه (أكثر مما هو مسموح به اعتياديا إذا لزم الأمر) ومسكه من يده للتأكيد على حميمية العلاقة بينكما … ومناداته باسمه الصغير (عكس ما هو مُتعارف عليه في الثقافات الأخرى من ضرورة مناداة الأفراد الذين لا تربطنا بهم علاقات خاصة بألقابهم، كأن نقول السيد بيفو بدلا من السيد برنار) لمزيد شحنه عاطفيا، ولِم لا تذكُّرَ والدته خالتي مْنى للترحّم عليها واستحضار كرمِها ووقارها وسخاء مطبخها العامر دوما.

والتونسي يحفظ جيدا المثل الشعبي “كلمة لا ما تجيب بلاء” لكنه يزدريه ويتحاشاه لأن قُدسيّة العلاقات العائلية والقوة الرمزية لعلاقات الصداقة (بغثّها وسمينها) وكذلك نزعة التّوقير المهيمنة على العلاقات العامة إلى حدود زمن غير بعيد، كل هذا يمنع الأفراد من التعبير عن رفض حادّ لطلب ما أو ممانعة جافة وفظّة لقبول مضمون التماس معيّن عبّر عنه أحدهم… فإما أن يقبل على مضض ما طُلب منه ويكون متأكدا بنسبة عالية أن ما أعاره لن يعود أو ما قدّمه من خدمة (سيتعب في نيلها لفائدة غيره) لن يستتبعها اعتراف بالجميل… أو أن يلتجئ إلى ملتويات تواصلية تحفظ ماء الوجه وتضمن نصف اقتناع الشخص المقابل، مثل “والله نشالله يبقى بعدي لا نكسابها” كما كانت تقول والدتي رحمها الله، أو “والله طلْبتك عزيزة وإلّي بيناتنا أكبر وأثمن مالفلوس يعطيها ربْيَة وبوك راهو صاحبي برشة كالاخوة آنا واياه، آما والله جيتني في لحظة ماهيش هيا جملة ماك تعرف مصروف رمضان والعيد ودبش الصغار وفلوس الإيتيد، الخ…” بدلا من القول “لا أستطيع” ببساطة.  

والتونسي يجب أن تحذر ردود فعله عندما ينزل ضيفا عليك لأن حياءه الفطري يمنعه من التعبير بوضوح عن رغباته وما يفضّله من أكل وما لا يفضّله. فعلى سبيل المثال عندما يكون الجميع على طاولة الغداء أو العشاء، يجب أن تنتبه أنه اكتفى بأدنى ما يمكن وضعه في صحنه وبالتالي عليك أن تُصرّ وتُلحّ وتُقسم بأغلظ الأيمان حتى يقتنع ضيفك في النهاية (وهو الذي يتضوّر جوعا بعد كل المسافة التي قطعها) بإشباع الصحن في البداية وإكرامه في النهاية.

والتونسي لا يُسمّي أبدا الأشياء بأسمائها مُستحسنا الذهاب إلى المعاني من نوافذها الخلفية لأن التعرّي أو “الكِشفة” من الآثام التي يصعب تحمّل وِزرها ذهنيا وأخلاقيا ودينيا… كأن يمتنع عن قول “نحن نعيش حبّنا بكل معانيه” بل “الحمد لله هانا عايشين ومستورين” أو أن يعترض على ما أتاه شاعرنا الكبير الراحل مؤخرا محمد الغزي الذي قال بشكل مباشر “على الأرض خمور لم أذق أطيبها وذنوب جمّة لم أقترف أجملها” … مفضّلا إطلاق تسميات ملتوية من قبيل “الشادلية” أو “المعصية” أو “المحنة” أو “التڨديرة” (بالقاف المُثلّثة) نسبة إلى القِدر الذي تُعدُّ داخله بعض الأكلات البسيطة المُؤثّثة لمجالس الأنس بين الأصدقاء.

والتونسي ينزع إلى استعمال صيغ التصغير وكأنه يعتبر في لاشعوره عدم جدارته بتلك الأشياء في كمالها ومطلق بهائها، فالدار التي يبنيها “دويرة” والسيارة التي يشتريها “كريهبة” والعشاء الذي يتناوله مساءً “عْشَيْ”… إلا إذا كان ذلك في مطعم فاخر حينئذ يصبح “عشاء وعليه الكلام”.

والتونسي يُطيل بشكل غير طبيعي بروتوكول التسليم والتوديع. فبدلا من صباح الخير ويعود إلى السطر، يقول “السلام عليكم فينك يا معلم صباح الخير آش تعمل هاك قايم بكري اليوم آما عينيك منفوخين لازم سهرت البارح شفت الطقس اليوم متاع تبحيرة بصراحة آما هاك تشوف…” وعندما تودّعه مساءً لا يكتفي بـ “تصبح على خير” فهي جرعة غير كافية للتعبير عن كل الودّ (الواهم في أغلب الأحيان) الذي يكنّه لك فينطلق في جُمل مسهبة لا تنتهي إلا بالاطمئنان على فرصة اللقاء مجددا في الغد صباحا.

والتونسي يُبدع في تلغيزه للخطاب ويُطالبك بأن تفهمه “عالرّمش” شاهرا في وجهك “آنا نقلك وانت ما يخفاك” والا “لازم نقلك هنا بير باش تفهم ؟” وخير المتكلّمين عنده هو من يُتقن التلميح بدلا من التصريح ومن يقول من الكلام أقلّه وألطفه.

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

النكسة وما بعدها … إذا كان هناك “ما بعدها” !

نشرت

في

عبد القادر المقري:

للمرة لا تدري عددها يصاب منتخب كرتنا بالخيبة، بل يصيبنا في مقتل … وللمرة لا تدري عددها، يعود ممثلونا تحت وايل من الشتائم أرفقها نزع صفة “نسور قرطاج” عنهم ليوسموا بـ”الفلالس” والفرارج والبزاوش وكافة أسماء العصافير … وللمرة لا تدري عددها تدخل شتائمنا من أذنهم هذه إلى أذنهم هذه و لايعتذرون حتى … وإن اعتذر بعضهم فبشكل خفيف لطيف ومن أطراف الشفاه كما يقال …

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

ولنقل أيضا: للمرة الألف يتم مسح كل الذنوب في شخص أو شخصين … في مدرب أو لاعب أو أكثر وهذه المرة أضيف إليهم رئيس اتحاد الكرة القابع في حبس المرناقية … ويتم التخلص من أحد هؤلاء وهو الناخب الوطني غالبا ويقع التنفيس على صدور الجميع بانتداب بديل يناسب المزاج العام … فإذا كان المدرب المغضوب عليه أجنبيا، تقوم قائمة المنادين بابن بلد أي مدرب تونسي تحت شعار عندنا كفاءات هاهي تضرب تصرع في الخليج وليبيا وجيبوتي العظمى … وإذا كان الناخب المنكوب تونسيا (كحالنا اليوم) تتعالى الأصوات في شبه إجماع بضرورة جلب مدرب أجنبي … وتتكرر عندنا الاسطوانة ختام كل موعد دولي نفشل فيه ذريعا …

قليلون من عقلائنا من أرادونا أن نتجاوز مسألة الأشخاص ولعبة الكراسي الموسيقية إلى ما هو أعمق … ولكن للأسف كانت أصواتهم تضيع دائما وسط الغوغاء وصراخات ذوي المصالح ومصفي الحسابات وأصحاب هذا الواقف في صالون الانتظار أو ذاك … وتختلط الأوراق على نحو عجيب والجماعة يلعبون على قصر ذاكرة العامة وسرعة انفعالها، وكل همّهم كسب أكثر ما يمكن من وقت ومن منافع قبل أن يستفيق الغافلون … حدث لنا ذلك في أول الثمانينات (نكسة ما بعد الأرجنتين) والكل يذكر سباعية ماجر وبلومي ومناد … وحدث لنا ذلك في 94 وفضيحة ماتش مالي وكوليبالي… وحدث بعد ذلك وأثناءه ولم يتغير تقريبا شيء … يمكن في 94 خرج كلام عن ضرورة “إصلاح رياضي” وتبنته الدولة كشعار … ولكن عند التنفيذ سقط كل شيء في الماء ولم يتم إصلاح ولا يصلحون …

الدولة … وصلنا الآن إلى الكلمة المفتاح التي من المفروض أن يبدأ بها كل سؤال جواب … في السابق كان الشأن الرياضي كغيره من الشؤون العامة، موضع تخطيط علوي واستراتيجيات ورصد أموال ومراقبة لصرف تلك الأموال … وكانت القاعدة مع الأشخاص والمناصب هي التعيين، إلى درجة أننا كنا نظن رئيس الجمعية نظيرا لوالي الجهة، ورئيس الجامعة وزيرا من الوزراء … وللحقيقة كان ذلك نتيجة متشابهات عدة: الهندام، اللغة الموزونة، قلة الظهور في وسائل الإعلام، العمل المنضيط ضمن سياسة الدولة … والحزب الحاكم أيضا …

قل في تلك المنظومة ما تريد، قل عنها متسلطة، قل هي فوقية بلا انتخاب، قل إنها تخلط الرياضة بالسياسة، قل جلساتها العامة هادئة ولا عراك فيها ولا صدام أفكار ولا قرارات تنبع من القاعدة إلخ … ولكن الحاصل أنها نجحت في أمور كثيرة صرنا اليوم بعيدين عنها بالسنوات الضوئية … كان اسم تونس يرعب أجوارنا وبني قارتنا كلما شارك ممثلونا في محفل هناك … وكان زوارنا ينبهرون ببُنانا التحتية الجيدة والمصونة والتي كانت في مقدمة إنشاءات القارة … ومن ذلك مثال طريف عن إعجاب أم كلثوم بقصر الرياضة بالمنزه الذي غنت فيه وعبرت عن إعجابها بهذا الإنجاز الجميل الجديد وقتها (1968) … وقد جعل قادة العرب والأفارقة من تونس مثالا ساروا على نحوه في تجهيز بلدانهم بمرافق رياضية لم تكن موجودة لديهم قبلا …

لن نطيل في إنجازات الرياضة االتونسية لتلك السنوات (بل العشريات) البعيدة سواء من حيث الملاعب والقاعات والمسابح، او من حيث حوكمة التسيير أندية وجامعات، أو من حيث ديناميكية الممارسة الرياضية ودمقرطتها … كانت عندنا الأندية المدنية، والأندية العسكرية، والرياضة المدرسية والجامعية، والرياضة النسائية، والرياضة وشغل … كانت كل نهاية أسبوع رياضية بامتياز، سواء في الملاعب أو المعاهد الثانوية، أو ملاعب الأحياء أو أية أرض خالية في مدننا وقرانا … خلايا نحل بعشرات آلاف الممارسين ومئات آلاف المتابعين … والنتائج جاوبت سريعا، والدليل هذه الألقاب والميداليات الدولية الكثيرة التي تملأ خزائن جامعاتنا، وتلك الصور الرائقة لأبطال صُنعوا في تونس وصنعوا اسم تونس …

غير أن رياح الخوصصة حين هبّت على ربوعنا جرفت في طريقها كل شيء … صناعتنا، تجارتنا، فلاحتنا، ثقافتنا، إعلامنا، تعليمنا، بيئتنا، مجتمعنا، قيمنا … و إذا كانت الخوصصة في البلاد المتقدمة تعني تفويض بعض الأنشطة إلى قطاع خاص مسؤول وناجع، يحتكم إلى قواعد سوق عادلة ودولة تلعب بجدية دورها الرقابي … فإن في تونس (كغيرها من البلاد المنكوبة) جاءت الخوصصة بمعنى استقالة الدولة كليا من جميع أدوارها، وترك الأفراد على هواهم ينتظمون في لوبيات مافيوزية ويهجمون على كل القطاعات هجوم الجراد … يستفيدون ولايفيدون، يستهلكون ولا ينتجون، يقلعون ولا يغرسون … وكلما وجدوا قطاعا قلّ ربحه هجروه، فإذا هو أثر بعد عين … والدليل رياضيا، اختفاء عديد الرياضات التي لم تعد تدر اموالا سهلة على مموليها … وصرنا نتحسر في كل ألعاب أولمبية ونحن نرى بلدانا تحتل جدول الميداليات بفضل تلك الرياضات التي ماتت في تونس … وصارت طاقة شبابنا الفائضة تجد طريقها إلى مسالك أقل براءة وأكثر سوادا …

بعد هذا ودون لف ولا دوران … من يريد أن يُصلح من شأن كرتنا لا يمكن له إغفال نقطتين … الأولى أن ذلك يجب أن يكون ضمن إعادة نظر الدولة في سياستها الرياضية عامة … وثانيا أن يعود لمؤسساتنا الرسمية دورها المركزي في تنفيذ تلك السياسة … في الكرة أو غيرها، لنفهم أن الرياضة باستهدافها الفئات الشابة أساسا، هي نشاط تعليمي تربوي … ومن هنا، لا بد أن يتم التعامل معه تعاملنا مع التربية والتعليم … أي أن يخضع لبرامج وطنية يعدها مختصون أكفاء وتشرف على تنفيذها أو مراقبة تنفيذها وزارة الشباب والرياضة … بداية من الملاعب والقاعات، وصولا إلى نزاهة المسابقات الرياضية الوطنية، التي لا تقل مصداقيتها خطورة عن مصداقية الامتحانات الوطنية …

ويمر ذلك برقابة صارمة على برامج التكوين، وأهلية المكونين، ومقاييس استكشاف المواهب وإدماجها وصقلها والاستفادة منها في الأندية والمنتخبات … ينطبق هذا على تكوين اللاعب وأيضا المدرّبين والمسيّرين والمنظمين والحكّام … حتى الأشخاص والشركات المتخصصة في صيانة المرافق الرياضية يجب أن تخضع لنفس القوانين والتمشيات … وفي كل الأحوال، مطلوب أن يخضع كل نشاطنا الرياضي للبرمجة أولا والرقابة ثانيا والمحاسبة القاسية والفورية ثالثا… وأن تتذكر الوزارة أنها تمثل الدولة، أي إرادة المجموعة وجميع إمكانياتها، وأن تسميتها كوزارة “إشراف” تسمية مثقلة بالمعاني … وهي غير وزارة التشريفات …

يكفي أن يضع وزير الرياضة أمام عينيه هدفا واحدا: لن تُهان بلادنا بعد اليوم وفي أية مسابقة دولية كانت …

أكمل القراءة

جور نار

ورقات يتيم …الورقة رقم 4

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

قبل الدخول الى مرحلة التعليم الثانوي لابد ان اعود لمرحلة الطفولة لتدوين بعض لوحاتها المتبقية والتي كانت لها تأثيرات جلية على جل مراحل حياتي …

عبد الكريم قطاطة

ذكرت لكم في ورقات سابقة كلمة (الحوش) والتي لابد من الوقوف على تفاصيلها وخاصياتها …اولا هي لا تعني المنزل عموما ـ بمفهوم الاخوة اللبيين ـ بل الحوش عندنا في صفاقس منزل في الغابة يحتوي على عدة غرف ومرحاض وبئر وماجل ووسط دار عادة ما يكون رمليا على عكس البرج الذي يعتبر مقارنة بالحوش ـ معماريا ورفاهة ـ اضخم وارقى …حوشنا كانت تقطن به عائلات 3 اخوة رحمهم الله …عمي الاكبر وله ولد وثلاث بنات …عمي الاوسط وهو لم ينجب اطفالا …وابي وهو الاصغر وله ولدان وثلاث بنات …اذن كان عدد متساكني الحوش 15 فردا …كل رب بيت كانت له بيته الخاصة ومتران امام بيته هي بمثابة شاطئ بحره صيفا …ثم بيت رابعة مشتركة للعموم متعددة المواهب فهي احيانا مطبخ واحيانا اخرى بيت استحمام، مرة واحدة في الاسبوع وعادة ما تكون كل يوم احد نهارا رهيبا …

كنا نحن الاطفال نكره الاستحمام …البيت ظلام حالك …والماء يقع تسخينه على قشور اللوز …. ودخانها يعمي الاعين… وام تنهال على “حريفها” بالكاسة الحرشاء تفرك له لحمه وبالنسبة لي عظامي ….وهي لا تفتأ تردد … تقولشي خدام متاع مرادم … ملا سحاق ….ولكنها تعود الى حنيتها عندما تصل الى الكعبين اللذين عادة ما يكونا مدمدمتين بالجراح الناتجة اما عن اللعب او عن “عقاب صندال” ادماهما بقفلته الحديدية التي علاها الصدأ …لذلك كان كل يوم احد مساء يوما مسعورا في بيت الاستحمام الا انها تتحول الى جنة بالبقلاوة (وهذه قل ما نعرفها في اعيادنا) ..تتحول الى مسبح في الصيف حيث نملأ الجفان ماء ونسبح فيها في غياب البحر وتفاديا للهيب الصيف …

هذه هي المهمة الرئيسية للبيت المشتركة علاوة على تخزين بعض المواعين الكبرى كجفان الصابون ونحائس الطبخ (جمع نحاسة) وشكاير اللوز الجاف التي كان اصحاب مالكي اللوز يجلبونها لنا لتكسيره واستخراج بذوره بسعر 100 مليم الواحدة، وهو مايقابل مليما واحدا عن كل غرام ….علما بان افضلنا لا يتمكن من تكسير اكثر منشكارة واحدة خلال يومين، وجهد بوه وامو وكل عرشو طالع …من كنوز الحوش ايضا يتوسد في ركن من اركانه وكيل خدمات من نوع آخر …ابدا ان يستغني الواحد منا عن تلك الخدمات … نعم انه هو المرحاض الجماعي … انه مرحاض يعظم طابوره كل صباح وترى امي او خالتي (زوجة عمي الاكبر) تسيرا ن حركة المرور بين الاطفال منا والصبايا وكثيرا ما يطلب منا قبل الدخول لـ “لاباندا” وهي الكلمة الايطالية الاصل التي كانوا يطلقونها على جورة المياه، كثيرا ما يطلب منا نوعية “التأشيرة” (“عملة” كبيرة والا عملة صغيرة) حتى يقع تبجيل اصحاب العملة الصغيرة (التبول) وتمكينهم من اولوية الدخول لقضاء حوائجهم …

اما عن تفاصيل الحالة المزرية لواقع النظافة فيه فارجوكم رأفة بي وخاصة بكم اعفوني من تفاصيل لا اظنها تغيب عنكم …تذكروا فقط ان عسكان الحوش ـ اي زائريه ـ صباحا مساء ويوم الاحد عددهم 15 .. لا تسالوني مالونه المرحاض حبيبي اخشى عليكم ضوعة الدروب … في نفس جغرافيا المرحاض وعلى بعد متر ونصف منه يجلس صامدا رابضا حضرة البئر …كنا في غنى عن السوناد وعن انقطاع الماء وعن فواتيرها الباهظة التي يخيل لنا احيانا بأننا نسقي يوميا سانية الباي … فوق جرارة البئر تقبع ثلاثة حبال مربوطة في آخرها بسطل، وويحه من يستعمل سطل الآخر …__يشوم نهارو …. في ركن آخر من الحوش يجلس القرفصاء الماجل …وكالعادة ثلاثة حبال مرتبطة بركوة، وهي وعاء اسطواني لملء الماء الحلو (نتاج المطر) والذي نستغني به ايضا عن الفريجيدير والغلاسيير، لانه مبرد خلقي صيفا ودافئ الحرارة شتاء …

وسط الحوش وهو رملي كما ذكرت تقتسم فيه العائلات الثلاث يوميا كنس الجزء القريب من مملكتها، وطبعا آلة الكنس عرجون من عراجين النخل، اضافة الى رشه صيفا بماء البئر لتبريده . اما امام الحوش فتنتشر المطائر (جمع مطيرة)وهي قطعة صغيرة من حديقة الحوش، وما حاجتنا انذاك بالحدائق ؟؟؟؟ حتى النوار انذاك (نوار عشية) كان يهجم على ضفاف مجاري ييت الاغتسال ليغتصب المكان دون اذننا ولكن دون رعايتنا ايضا، منو فيه زيتو يقليه … اعود للمطاير التي هي ايضا مقسمة بعدالة على العائلات الثلاث لتجد فيها كل الخضروات دون استثناء، اكتفاء ذاتي ولا علاقة لنا بسوق الخضر …

قبل ان ارحل بكم الى الجنان، وهي قطعة ارض نصيب كل واحد من متسكانيه زهاء مرجع، لابد من تفاصيل معمارية عن بيت كل عائلة في الحوش وعن محتوياتها وكيفية استغلالها …البيت لدى كل عائلة هي عالمها الخاص … في البيت فقط يستطيع سكانه ممارسة اكلهم دون رقيب والحديث (همسا طبعا) عن مشاريع العائلة وعن الخصومات التي حدثت وعن الهمز واللمز …البيت لا تزيد مساحتها عن مترين ونصف مربع هي في نفس الوقت بيت استقبال وبيت اكل وبيت جلوس وبيت نوم ….الاب وزوجته لهما بيت سرير او سدة (جزء من البيت عال نسبيا عن البيت الكبير ومسجى بـ “قطاعة” أي جزء من القماش يغطي مدخله … وتحته بالضبط دهليز يسمى “تحت السرير” … انه بيت المونة من زيت و كسكسي ومحمص وملثوث وغيره من المواد الغذائية ومن الفلافل ومن ماعون الطبخ والاكل ولبعض المترفهين نسبيا (الخروب والشريح )…

ومن الاشياء التي اتذكرها جيدا اننا بعد عيد الاضحى كان من جملة كنوز الدهليز، القديد، لحم الخروف المجفف والمملح …وذات يوم راودني ابن عمي على سرقة بعض العصبانات وجلبها لنستمتع بها معا بعيدا عن الاعين …واطعته في الامر ، ولكن … قللو تعرفشي تسرق قللو نعرف قللو تعرفشي تخبي .؟؟؟؟ هذي فيها وعليها …غافلت الوالدة وهي عادة وعلى حد تعبير درويش عين تنام لتصحو عين …وحملت عصبانتين في جيب سروالي …وتسللت ـ تحت حس مس ـ لاذهب بالغنيمة الى طابية من طوابي الجنان حيث الدماغ المفكر (ابن عمي) ينتظر شطارتي ونجاحي في الاختبار و كجل الادمغة المفكرة التي عادة ما “تبيع القرد وتضحك على اللي شاريه”، لم يدر بخلدي انذاك ان اسأله لماذا لا تأتي انت بـ “عصيبنة” من عصبانكم ؟؟؟… لماذا تشجعني على السرقة من خيراتنا وتتجاهل خيراتكم ؟؟؟ تماما كاولائك الانتحاريين البلهاء الذين يذهبون لتدمير البشر وتدمير انفسهم طمعا في الجنة وحورالعين … ولم يسألوا يوما الادمغة المكفرة والمفكرة سؤالا واحدا كم هو بسيط ومُجد ويتمثل في …لماذا لا تشتركون معنا او لاترسلون ابناءكم ليشتركوا معنا في العمليات الانتحارية …؟؟؟ الا تريدون الجنة وحور العين ؟؟؟؟…

براف … ابن عمي هذا التهم العصبانة التهاما وكان في نيته ان نعيد الكرة متى سنحت الفرصة ….وكما يفعل القط وهو يمسح شلغومه بعد اتيانه على ما كتب له يومها من مأكل …(قلت قطا ولم اقل اسدا لان المقارنة جسديا وحتى لقبيا هي اقرب للقط منها للاسد) …. اذن مسحت ما علق بفمي من آثار الدهان ـ زيت القديد المجمد ـ ووضعت يدي في جيبي حتى اتمكن من غسلهما في الحوش خوفا من ان تتفطن امي لرائحتهما ….وما ان ولجت باب الحوش حتى لمحت امي جغرافيا “جزيرة” … انها بقايا زيت القديد على صفحة جيبي الخارجية ….وعينك ما ترى إلا النووووووووووور …

قداش توحشتك يا عيادة حتى وانت مزمجرة ترعدين وتزبدين …انا يتيم …

من خصائص الحوش ايضا ان وسائل الانارة فيه بدائية للغاية …ڨازة للمترفهين …كربيلة للمعوزين وفي افضل الحانات فنار، ذلك الذي يستعمله اصحاب العربات المجرورة بالحمير او البغال …اما البيرميس (وهو فنار بورجوازي) فكنا نراه احيانا فقط عندما نذهب الى سيدي منصور صيفا لقضاء بعض الايام على شاطئه ….احكِ توة مع الستاغ وفواتيرها …. ومن يدري قد تكون احتفالات صفاقس كعاصمة للثقافة العربية نجد بعض شظايا ستاغها في الفواتير القادمة ….ومن اثاث البيت: المارو والطاقة والمرفع … وهي اما مبنية داخل حائط البيت (المارو والطاقة) وهذه الاخيرة مارو دون ابواب …. اما المرفع فهو معلق على الجدران وكل واحد منها له خاصياته في الاحتفاظ بادوات منزلية للاستعمال اليومي او لادوات دراسية من كتب وكراسات واقلام …

في بيت كل واحد من العائلات يستقل الاب والام بسدتهما صيفا وشتاء بينما ينام البقية (اناثا وذكورا) وسط البيت …في الصيف تكون العملية ابسط… فبعد سهرة في وسط الحوش للعائلات الثلاث ونحن نتصيد العقارب التي كانت تؤنسنا وتتعسنا بشكل يكاد يكون يوميا، ينتحي كل واحد منا ركنا من اركان البيت ـ دون غطاء ـ ولا تسالوا عن البق والقمل والنمل بانواعه والصراصير والناموس . مع زيارات خاطفة للعقارب … تصوروا كان لي اخ يدعى محمد الاعمى هكذا يقولون عنه لانه اصيب بالعمى منذ اشهره الاولى ومات بعد سنة من ولادته .. اخي هذا كانت والدتي تجد تحت وسادته كل صباح من اسبوع ولادته عقربا سوداء …وكانت هي وخالتي يقتلونها بعد البسملة ويقولون لنا عنها (هذه عقرب مرسولة)… من هو المرسل ولماذا اخي هو المرسل اليه ؟؟؟؟ كنا نبتلع الاجابة دون ان نستوعب شيئا ودون ان نلح على تفسير يشفي دهشتنا …

هذا صيفا … اما شتاء فنتدفأ جميعا بـطرف جماعي يسدل عليه مرڨوم ثقيل حتى نشعر بالدفء … كنا في اصطفافنا وفي تراصنا وتلاحمنا تماما كجثمان الاموات في “المورغ”….. نعم كنا امواتا اشبه باحياء …وتحتنا بساط لكل واحد منا …وهو عبارة عن كيس محشو ببقايا بقايا الملابس البالية … نحن نمتلك جلود الخرفان نعم ولكنها هي تنعم بالسبات العميق حتى يأتي دورها … جلود الخرفان هي للضيوف وخاصة في المناسبات العيدية … الاعياد كانت بحق اعيادا ..ياااااااااااااااااااااااااه كم كانت جميلة اعيادنا …. وكم احس بيتم عميق تجاهها صدقا احس بتعب شديد وانا استحضرها …

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة

جور نار

اخجلوا من أنفسكم … و انظروا إلى وجوهكم في المرايا !

نشرت

في

محمد الزمزاري:

حرب غزة: جنوب أفريقيا في مواجهة إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية... ماذا  ننتظر في الجلسة الأولى؟ - BBC News عربي

منذ يومين طلبت بعض الدول الانضمام إلى مشروع جنوب إفريقيا المتمثل في تقديم شكوى إلى المحكمة الجنائية الدولية ضد الكيان الغاصب، في ارتكاب جرائم حرب على الشعب الفلسطيني …

محمد الزمزاري Mohamed Zemzari

وتقدمت حكومة هذه الدولة الإفريقية المتخرجة من مدرسة مانديلا في شخص وزير عدلها، بملف مقنع قد يؤدي حتما إلى اصدار حكم لن يعجب الدولة الصهيونية النازية ولن يروق أيضا للولايات المتحدة و حلفائها المتواطئين دوما وبصفة مطلقة عمياء مع الدولة المجرمة ، كإنكلترا والمانيا و بصورة مراوغة فرنسا أيضا… لان الخطة واحدة كما ذكرنا سابقا بجريدة جلنار والمصالح متشابكة وتواريخهم كلهم ملوثة بدماء الأبرياء …

الأكيد ان الامريكان و مجروراتهم من الدول المذكورة لن يقبلوا اي حكم قد يضعهم في حرج كبير أمام العالم و قد يساهم في كبح الدعم الامشروط للكيان الصهيوـ نازي .الذي ركزوه و سقوه بدماء الشعب الفلسطيني عبر المجازر المتعددة منذ ,الاحتلال سنة 1948 .. و كما أن الزمان يعيد نفسه فقد كانت مواقف الامريكان و الغرب طوال السنوات بين احتلال فلسطين و الاعتداء على غزة منذ شهرين، لم تحد عن مناصرة ارهاب الكيان الصهيوني… بل انهم كانوا شركاء في الخطط المتعلقة بالمجازر مثل دير ياسين وصبرا وشاتيلا و وغيرهما … وكذلك في توسيع الاحتلال عبر المستوطنات و تسليح المتطرفين لتقتيل الشعب الفلسطيني و تدنيس المسجد الاقصى أمام أعين من يعتبرون أنفسهم حماة الدين.

قلنا انه منذ يومين او ثلاثة. تقدم بعض الحكام العرب و المستعربة (حاشى اللي ما يستاهلش) إلى حكومة جنوب إفريقيا طالبين ودها و إمكانية انضمامهم إلى الشكوى التي تقدمت بها ..وهي لعمري مبادرة مضحكة ومخجلة ان لم نقل مشبوهة … وقد تذكرنا بحكاية التياس الذي كان البعض يدخلونه على زوجاتهم زوجا ليمضي معهن ليلة ثم يبادرون من الغد إلى اللحاق بالركب …مع فارق: فلسطين ليست طليقة أحد ولا زوجة لأحد، بل هي الأم الرؤوم لأبنائها الذين يذودون عن شرفها بأشرس مما يذود به حكام العرب على كراسيهم …

ورغم اني لا أعرف لحدود الساعة ما هي هذه الدول العربية التي تقدمت غير اني اعرف ان الأمر يفرض عديد الأسئلة : اولا لماذا لم تعبر هذه الدول عن رغبتها في معاضدة مشروع بريتوريا خلال يوم عرضه على المحكمة الدولية، عوض أن يحدث ذلك بعد اكثر من اسبوعين؟

ثانيا : تعرف هذه الدول ان الانضمام للشكوى سيؤدى حتما و قانونيا إلى تأجيل كبير قد يقود إلى تعويم القضية ..

ثالثا: هل ان مبادرة الانضمام هذه (التي رفضتها افريقيا الجنوبية) تؤكد للمرة الالف وضعية السياسات العربية الجبانة تجاه قضية الشعب الفلسطيني ؟ وهل كان سبب رفض حكومة بريتوريا يتجاوز التوجس من تأجيل وتعويم القضية، وإنما من القضاء عليها بأيدي العرب كالعادة، طبقا لاوامر أمريكية وصهيونية؟

ان مشكلة بعض العرب البائدة هي الخلط بين تكتيكاتهم السياسية و ثوابت المقاومة الفلسطينية ضد المحتل … هذه السياسات التي لو كانت صادقة لاستوجبت التغلب على كل الخلافات الايديولوجية و الانتهازية ..فمعاضدة المقاومة تتطلب وحدة صف وبُد نظر، والا غدا سنرى غدا اعتداءات مماثلة ضد اي من الفصائل بالضفة الغربية او لبنان … وذلك ابتداء من المقربين لإيران او الاخوان بغزة، وصولا إلى المقاومة بالجبهة الشعبية و غيرها من الفصائل المتعددة. …

وحتى إذا أخذنا في الاعتبار طبيعة حماس و أشباهها حين تورطت في دعم الدواعش المدفوعين من الغرب و الأتراك ودول خليجية قصد تدمير سوريا وازاحة السلطة القائمة لتركيز بديل على القياس، فإن أداء بعض الدول العربية في خصوص الحرب على غزة اليوم قد اتسم بخذلان هو توأم للخيانة و لاشيء سواها ..

أكمل القراءة

صن نار