تابعنا على

جور نار

هل أصبح زيتنا ممنوعا من السفر…؟؟

نشرت

في

جريدة الصباح نيوز - حصة تونس من صادرات زيت الزيتون للاتحاد الأوروبي محل  مراجعة

بابا ما تنساش خمسة ايترات زيت من زيت السنة ابعثهملي مع الترانسبور…” ” بابا كملتوا خرطتوا الزيتونات…كان كملتوا وعصرتوا ما تنسانيش بابا والله كمل زيت عمناول…” ياما بربي قولي لبابا راني قعدت من غير بسيسة السنة …الزيت وفا عليّ ما تنسونيش في بيدون بوخمسة على الأقل”، ” يا احمد ما تنساش تشريلي خمسة ايترات زيت من زيت السنة وكان لازمك فلوس نبعثلك…ابعثهملي مع ولد خالتك هاهو جاي”…

محمد الأطرش
محمد الأطرش

 كل هذا الذي سردته هو ما يقال بين مهاجرينا في شمال المتوسط وبين عائلاتهم هنا في تونس مع كل بداية ونهاية موسم جني الزيتون، فأغلب من هاجروا بحثا عن “الخبزة” يشتاقون لزيت من احدى زياتين “حوازتهم”، وإن لم يكن لهم “حوازة” وهنا أعني بها الغابة فإنهم يشتاقون لزيت تونسي جديد وإن لم يجدوا فإنهم يبحثون حتى عن زيت الموسم الماضي….هكذا هم أبناء هذا البلد خارج الحدود…لكن ما الذي وقع هذه السنة؟؟ أصبح من الصعب جدا إرسال بعض الزيت لأبنائنا هناك في باريس أو في بروكسيل او في أية مدينة شمال المتوسط … فأزمة الزيت والارتفاع الشاهق والجنوني لأسعار الزيت جعلا الدولة تمنع زيتنا من مغادرة الحدود نحو أبنائنا الذين اشتاقوا إليه ليكون رفيقهم في شهر رمضان وفي “بسيسة” من يد امهاتهم …

هذا ما يقع اليوم عند إرسال بعض الزيت إلى أبنائنا هناك…فهل سيحرم فلذات أكبادنا هذه السنة من زيت مجرد مذاقه ينسيهم تعب الغربة ووجع البعد؟ والسؤال هل سيضطرّ مهاجرونا إلى البحث عن زيت اسباني او إيطالي او من جنسية أخرى يشترونه بالعملة الصعبة عوض أن يصلهم زيت غاباتهم وغابات أجدادهم؟ فمن أولى بزيت هذه البلاد يا ترى؟؟ ألا تعلم عالية المقام دولتنا اننا حين نرسل زيتنا لأبنائنا في المهجر فإننا نزيد من شوقهم إلى هذا الوطن ليعودوا إليه كل صيف بمليارات من العملة الصعبة تعيننا على مجابهة هذه الأوقات الصعبة، وحتى لا يلوي صندوق النكد الدولي ذراعنا…

أليس من الأجدر أن نزيد ونُحيي شوق أبنائنا للعودة إلينا كل صيف عوض الذهاب إلى بلد آخر للسياحة من خلال الحفاظ على ما يشدّهم على هذه الأرض وخيراتها؟؟ من أولى بمال أبنائنا المهاجرين بحثا عن “الخبزة” بلادنا أم بلاد أخرى قد توسع الهوّة بيننا وبين فلذات أكبادنا؟؟

لتعلم الدولة أن ما يربط بيننا وبين مهاجرينا هي أمور بسيطة …حياتية…لن ترهق خزائننا ولن تذهب بمالنا…فلتر من الزيت وكيلوغرام من تمر دوز أو توزر يكفيان لإحياء شوق أبنائنا لوطنهم وأرض أجدادهم…

لماذا نحرمهم من منتوج أرض أجدادهم…كيف سنستميلهم للعودة صيفا إلى حضن بلادهم…أم هل أصبح زيتنا ممنوعا من السفر؟؟

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

ورقات يتيم … الورقة رقم 6

نشرت

في

Résultat de recherche d'images pour "dessin de charrette" | Espacio rural y  urbano, Libro de colores, Medios de transporte

ذاكرة الواحد منا علميا هي اشبه بزجاجة ..كلما تقدمنا في السن الا وكانت ذاكرتنا منتعشة للغاية مع قاع القارورة (اي فترة الطفولة والشباب) وعكس ذلك ذاكرتنا يصيبها الهزال مع بقايا القارورة وخاصة اعلاها وبالتالي آخر ما نعيشه لذلك نقول “تي الواحد نسى حتى عشاء البارح اشنوة”…

عبد الكريم قطاطة
عبد الكريم قطاطة

ومن نفس هذا المنطلق العلمي نفهم الان ذلك المثل الشعبي القائل (العزوزة خرفت قامت تحكي على ليلة دخولها) من هذه الزاوية وقبل البدء في علاقتي بالمذياع في السنة الخامسة ابتدائي (ساعود معكم الى ذكريات تلك السن في المناسبات الخاصة )…علاقتي بالبحر بدأت مثلا في تلك السن قبلها كنا نكتفي بالبيسين …وهي بيسين دياري (السباحة في جفنة) هذه الجفنة متعددة الاختصاصات فهي طوال السنة لغسل الادباش بالصابون العربي وهي في فصل الصيف للـ”فتلان” اي اعداد الكسكسي والمحمص والتشيش والملثوث اي العولة … وهنا لابد من الاشارة الى الام رحمها الله ودورها في معالجة الملفات الاقتصادية في مملكتها كانت حقيقة صيدا باتم معنى الكلمة لم تخضع يوما للمحاصصة ولشطحات الدهر … هي تلعب بلاد على اصبع ساقها الصغير عليسة زمانها كعديد الامهات …

فرغم الفاقة التي لازمتنا دهورا الا ان عولتنا لا تنقطع واعيادنا تكاد تكون في احتياجاتها الرئيسية كسائر الناس … رحماك يا عيادة يا للة النساء واحكمهن …..الجفنة هي ايضا تلك التي نملؤها ماء ونسبح في بعض صنتميتراتها عمقا …المهم عومة …في السنة الخامسة ابتدائية كانت لنا اول زيارة للبحر ..ومن لنا غير شاطئ سيدي منصور وبالتحديد قرب الولي الصالح الذي سمي باسمه … كانت السفرة تتم ليلا على عربة مجرورة (كريطة) حيث نحمل زادنا وزوادنا، وهذا يعني ما خف حمله ورخص ثمنه لان ما غلا ثمنه لا نملكه … دون نسيان جلد الكبش وصوفه لغسلهما في البحر …قلت تكون السفرة ليلا حتى نبتعد عن اعين المتحرشين، خاصة ان الوالد شعراوي (اي عندو شعرة سيدنا علي) او حزار.والويل كل الويل لمن يقترب منه اذا طلعتلو الكلبة بنت الكلب …

وهنا تروي لي الوالدة انها ذات مرة بينما كانت راجعة من زيارة اهلها في البرنوص (محطة بطريق منزل شاكر) وكان والدي قد اقترض كريطة للعودة بها معززة مكرمة من هنالك (وفي الحقيقة حرصا منه على ان لا يقترب منها طامع ما) ..اثناء تلك العودة كان هناك رجل يمشي الهوينا وراء الكريطة و”عينيك ما ترى النور” … نزل سي محمد (هكذا كنت اسميه دوما حتى مماته) وانهال على ذلك المسكين ركلا وضربا وسبّا …وامي مندهشة من صنيعه وتقسم لي باغلظ القسم انه “خاطيه وكلاها في عظمو ورقد مسيكن” … اذن تفهمون الان لماذا الزيارة لسيدي منصور تكون ليليا ذهابا وايابا …

السفرة تنطلق الساعة العاشرة ليلا وسيدي منصور يبعد عنا حوالي 15 كلم ..اي ان الوصول الى الطائرة لباريس اسرع من الوصول الى سيدي منصور على “الآرباس” الكريطية …حال وصولنا تهرع امي الى مقام الولي تبركا به لتشعل شمعة …(والحمد لله اني كنت كل سنة حتى وفاتها البّي رغبتها وامتعها بنفس الزيارة لتناول العشاء على “سطحة” مقامه …اما انا فكنت اهرع الى البحر اجلس على الشاطئ) ….يااااااااااه تصوروا المشهد الليلي …السماء تغطينا بنجومها والبحر يعزف في خريره سمفونية الوجود …مشهد حفر منذ اول زيارة لي للبحر ومازلت لحد الان افضل ما اعشقه في البحر (الليل وسماه ونجومو وقمرو) وزد على ذلك البحر وهديرو ….يا الله ما اعظمك ….في الاثناء كان الوالد مع البنتين الاكبر مني سنا ابقاهما الله، يبني قصرنا على الساحل الازوردي: “كيب” مصنوع من اعواد خشب مشدودة بشكل متقن ومغطاة بـ “طرف عربي” او كليم او بعض الملاحف … قلت متقنا لان الوالد كان اسطى بناء …. ومما اذكره في هذا الباب كان لا يعمر كثيرا مع من يعمل معهم سواء في البناء او في موسم الزيتون في المعصرة، او في (المرادم ) وهي لصنع الفحم … هو فعلا “ذريع” وعليه الكلام، ولكنه “بلابزي” بشكل فادح ولهذا السبب كان عاطلا عن العمل اغلب الوقت …

لا علينا في سيدي منصور نقضي ثلاثة ايام بطولها وعرضها بالنسبة للوالدة واخوتي لا سباحة خارج منظومة الليل …والصباح باكرا كتب عليهن ان يكون حبهن للبحر.. للحياة.. للجمال ..للوجود من نوع ذلك الفيلم المصري (حب لا يرى الشمس) … بالنسبة لابي يكتفي بـ”عومة الصباح” لان دوره في سيدي منصور ان يكون عونا ممتازا في الجوسسة والاستخبارات على حريمه …اما انا فكنت لا اخرج من البحر الا نادرا … ادخله اسمر واخرج منه فحمة في خاتمة المصيف… اخرج منه ربما لاخذ لمجة (ڨدمة خبز يابسة بشكشوكة بايتة) … وكنت الوكها وانا اردد القول ‘مرجتونا كبيدتنا بالشكشوكة) فترد الوالدة بكل حدة (احمد ربي غيرك ما طالهاش) … يا لسخرية القدر …هل هنالك اليوم افضل منها تلك الشكشوكة وهي مزدانة بكريكشة او بعصبانة القديد …او بكعيبات سردينة مقلية ..؟؟؟؟..

البحر في بداية اكتشافي له هو عالم آخر عالم لم نكتف فيه بالسباحة والام تلاحقني بندائها الذي لا ينقطع (ما تفوتش الحزام البحر غدار ) ربما لان والدها رحمه الله مات غريقا …وعبثا حاولت دوما ان “اصب لها بالقمع” ان السباحة في سيدي منصور قد تصل في بحره الى الكوت دازور دون وصول مائه الى الحزام …لانه فعلا من البحار غير العميقة (هو على فكرة بالحق شيّط في هذه النقطة، نازح حتى وهو مليان) ….البحر ايضا كان التقاط صدفات حلزونه على الشاطئ بانواعها في مرحلة اولى ثم التدرب على صيد سرطان البحر وحفظ التكتيك اللازم حتى لا يلدغنا بمنقاريه الحادين …والبحر انذاك لم تقف اختصاصاته عند هذا الحد بل تجاوزها الى بيت كبييييييير للراحة (مرحاض) وما لم نفهمه وقتها ونحن نعمل العملة ونبتعد عنها …انها تصر الحاحا على ان تتبعنا …وكم هربنا منها تاركينها تتبختر على سطح الماء حتى لا يتفطن الينا المصطافون (ويا لها من فضيحة) رغم اننا عرفنا في ما بعد انه مأوى لكل الفائض منا جميعا …

من المناسبات الاخرى التي لها نكهة خاصة امحت تماما: شهر رمضان …وهنا لا اقصد النكهة المعنوية بل النكهة التي نشتمّها بانوفنا …نعم والله اعي ما اقول دون مبالغة تماما كالمطر عند نزوله كنا نستنشق رائحة الغيث النافع ..الان وعند نزول القطرات الاولى من المطر نشتم رائحة قنوات التطهير العطرة …رمضان كان بسيطا جدا لا جواجم ولا تجوجيم …كنا في تلك السن نتسلق طابيتنا القبلاوية اي المتجهة الى القبلة، حيث هنالك فجوة بين ظلفة هندي واخرى ننتظر عندما تبدأ الشمس بالمغيب نور ثريا الجامع، بل قل طراطيش ثريا فوق صومعة جامع ساقية الدائر الوحيد …وذلك النور الذي يشتعل فجأة يعني …حان وقت الافطار حسب التوقيت المحلي جدا للطابية القبلاوية وما جاورها …

انذاك لا وجود لمذياع عندنا ولا وجود لمكبر صوت في الجوامع …وتعلو صيحاتنا ونحن اطفال (افطروا يا صايمين كسكسي بلحم ابهيم) ولم افهم لحد الان ما السر في هذه المعزوفة ….. كما لم افهم ما السر في مشاكستنا نحن الفتيان للفتيات في سننا بالتهكم عليهن (يا بنية شحمة نية) فيكون ردهن (يا وليد عود جويد) وكما لم افهم عند نزول المطر تلك الاغنية التي نرددها (يامطر صبي صبي والليلة عرس القبي، والقبي بسلامتو ضربة على قنباعتو ؟؟؟) … وكما لم افهم مجموعة من الامثال التي فيها نبز بالالقاب من نوع (كان لقيت الارض حايرة مشاو عليها الشطايرة) … او (كان لقيت الارض كالة مشاو عليها القلالة) …او (عرة الزنوس المعالج والفلوس) …او (غربال المليح فيهم مالطي ياكل الستاكة ويبات معلق) … مع اعتذاري لكل اصحاب هذه الالقاب … انا انقل فقط دون قصد اهانة اي كان …

حلمكم اذن واعود لرمضان …رمضان يتميز بخاصيات اخرى ايضا ليلة السابع والعشرين …هي ليلة مقدسة عند الوالد ليلة ختم القرآن والختم عنده يبدأ من سورة الضحى حتى المعوذتين … كنت واياه نتداول على السور وهنيئا له بمن ينهي الختم سيتمتع بهدية رمضان (نظريا زلابية ومخارق، وعمليا هي للجميع لانها من الفرص القليلة التي نتمتع بها بفاكهة رمضان: زلابية السيالة) … رمضان بالنسبة للوالد هو 30 على 30 مع احترام رؤية المفتي باااااااازين في السحور ولا شيء غيره وكان يأكله بكل نهم متغنيا بمعزوفته المعهودة (التشيشة ماهي عيشة من هم الزمان، والبازين هو الرزين اه يا لو كان) ر… مضان ايضا هو مرطبات العيد ( المقروض) … و”مرطبات” هذه كلمة بورجوازية جدا امام ما كنا نحضره والذي يتلخص في ابسطها واقلها ثمنا: الدرع ..الڨاطو …واكا هو ….لكن بتقدم الزمن وحسب محصول الجنان في محاصيل اللوز …مقروض اسمر وهو محشو باللوز وبعض كعك اللوز والڨيزاطة (كعبات) اغلبها لضيوف العيد ونحن من حقنا ان نتذوق ما يتبقى …حتى مقروض العيد على بساطته كانت له ونحن نحمل صوانيه ودائما ليلا الى الكوشة، نكهة تغني وتسمن من جوع …اقولها وانا الذي لم اكن يوما اكولا طيلة عمري ….

آخر مناسبة لها خاصيتها هو يوم العيد …هو اليوم الوحيد الذي اصاحب فيه ابي الى المسجد لصلاة العيد …لا كسلا او تكاسلا مني ولا الحادا او اهمالا مني … ولكن لان الوالد رحمه الله وكغيره من اغلب الناس في تلك السنوات الصلاة كانت بالنسبة لهم هي بمناسبة العيد لا غير …غفر الله لهم…. نعود من صلاة العيد التي لا نفهم فيها سوى تلك الترانيم التي نترنم بها قبل مجيئ الامام -(لا الاه الا الله، الله اكبر، الله اكبر، الله اكبر، وسبحان الله والحمد لله ولا حول ولا قوة الا بالله) …نعود بعد الصلاة الى المنزل فرحين مسرورين والشمس بازغة والعصافيرتزقزق ….نعم فرحون مسرورون بلباس العيد الذي تنتهي مهمته في ثالث ايام العيد في انتظار العيد المقبل …

نعم الشمس بازغة لانه يوم مشرق بزيارة ضيوفنا وخاصة منهم خالي الطيب والد زوجتي رحمه الله، الذي كان الوحيد في قمة الكرم حيث بناول الصغار منا 5 مليمات لكل واحد و10 مليمات للكبار فينا …اما بقية الزوار فكثيرا ما يتحلقون للعب الكارطة (روندة وشكبة) وللوالد فيها باع كبير من جهة لحذقه للعبة ومن جهة ثانية لحرصه على الربح مما يجعله احيانا يقوم بتقطيع اوراق اللعبة حين تبدو له الخسارة في الافق (بلباز من طراز رفيع ) … رحمة الله عليه كنت وقتها اتصور ان الالعاب الورقية تنحصر في ذينك النوعين، وبعدها اكتشفت ان تلك الالعاب لا تعدو ان تكون بدائية امام البليڨو .. و التريسيتي .. والبيلوت وخاصة الكونتريه …اما الرامي… انت والجواكر …

اختم بالعصافير التي تزقزق وهذه مرتبطة بعصافير بطني .. بالمأكول يوم العيد… الخاصية في عيد الفطر لدينا تتمثل في (الحوت المالح) و(الشرمولة) … وانا كل همي الحوت المالح ..لان السمك عموما مالحا كان او حلوا هو اكلتي المفضلة …ولاننا قليلا ما ناكله ايام السنة فان العيد بالنسبة لي هو زردة عظيمة …اما الشرمولة وعلى عكس اغلب الصفاقسية لا تعنيني (لا آكلها بتاتا) …

يااااااااااااه الم اقل لكم ان رمضان له نكهة خاصة … كم افتقدناها .وهذا يتم من نوع آخر …

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة

جور نار

ورقات يتيم …الورقة رقم 5

نشرت

في

Coloriage de printemps – occupez les enfants avec un dessin mignon à  imprimer et colorier

عبد الكريم قطاطة:


…. ولأن الذاكرة مازالت تختزن والحمدلله بعض ما عشته في طفولتي قبل الانتقال الى التعليم الثانوي فها انا اعود الي مخزونها …

عبد الكريم قطاطة

عامل الوقت في ذلك الزمن كان مختلفا جدا عما نعيشه اليوم …فاذا كان الواحد منا في عصرنا هذا يتصارع يوميا مع الوقت وهو يجري ما يلحق، فان طفولتنا كانت انذاك تعيش وقتا وتوقيتا آخرين فلاهو غرينتش ولاهو مكة المكرمة ولا هو القدس … اليوم في ايامنا انذاك كان بدهر ….الى حد اننا نستغرب من المعلومة التي تقول انه يساوي 24 ساعة …وعلى حد تعبير سعيد صالح في مدرسة المشاغبين (يااااااااه السكة طويلة اوي) … كنا نلعب كثيرا و نسهر طويلا وننام قليلا والاهم كنا نقلق (هلبة) … كانت العابنا بدائية جدا، زربوط او كرة مصنوعة من قراطيس وملفوفة بالحبال، او “العفاريت” المصنوعة من ورق علاوة على العاب الفتيات …البرتيتة …بيت الحارة …والخماس … والقفز على الحبل _…

وكان الزمن ايضا مختلفا في فصوله فالشتاء كان شتاء بحق …الاصابع تزرقّ من صقيعه … والشفاه ترتعش من زمهريره وامطاره رغم تدلعها في النزول واحيانا ياتي عام يسميه الآباء (عام الزمّة) اي الازمة… وعند الهطول كنا نهزأ بامطاره وبرده وعواصفه وقل ان تجد الواحد منا مصابا بانفلونزا … كنا (جنون) الله يعافيك، والمقولة لامهاتنا …لكن المقلق في مطره تعاملنا مع غديره الذي يعوض البحر …لم نكن نصل الى حد السباحة فيه ولكن كنا لا نرحمه ونحن نشتت ماءه بارجلنا حفايا، او حسب ما يقول عمي رحمه الله (لابسين صباط القدرة) باعتباره قضى طول عمره يمشي حافيا ويحمل صنداله تحت ابطه _ ليدخره للمناسبات _ وهو في ذلك يجسد المثل الشعبي (في ساقي ولا في الصباط) …

المقلق اذن في علاقتنا الطربية والراقصة بالغدير اننا لا نكاد نعود الى عتبة الحوش حتى تنهال الاصوات المستنكرة لحالتنا الآية في النظافة …اجسادنا وادباشنا هي اشبه بلوحة زيتية تجريدية لا تفهم كوعها من بوعها (وانا لحد هذه الساعة غبي جدا في استيعاب ذلك النوع من الرسوم) …الله غالب احسن ما رسمت في حياتي شلاكة بالية في الثانية ثانوي شكرني عليها استاذي الرسام الكبير الراحل ابراهيم الضحاك … ولست متأكدا انه يومها يمتلك كل مداركه لانه كثيرا ما يدرسنا وهو (تيلت) رحمه الله وغفر له …. كان جميع نساء سكان حوشنا وكأنهن ينتظرننا في الدورة لشن هجوم عنيف علينا ونحن في عتبة الحوش …آش هالسحاق ..؟؟؟؟… خدامة عندكم احنا انتوما توسخو واحنا انظفوا …جهدنا طاح في جرتكم ! …

وفي الحقيقة كانت امي وخالتي ترأسان فرقة الصياح والتأنيب وكانت اختي الكبرى وبنات عمي وخاصة الكبرى رحمها الله، لا يتركن الفرصة تمر حتى يقمن وعلى احسن وجه بدور المجموعة الصوتية لترديد مآثر منظومة مقاومة الفساد …وكأنها فرصة سانحة جدا للانتقام من مجتمع رجالي لم يعترف يوما بحقوقهن، والشماتة بادية على وجوههن … هذا من جانبهن اما من جانبنا وبعد وعيد وتهديد بطريحة من عند الوالد او العم او بحكان الفلفل في الشفاه، او الكي بالنار رغم ان الواحدة منهن كانت تردد دوما (ما يحرق بالنار كان العزيز الجبار) … بعد كل تلك المواويل كنا متى عاد المطر للنزول و عاد الغدير للتدوير، نعود لعادتنا …ربما لان الفراغ القاتل، يعمل بعمايلو … او ربما ايضا لايماننا بانهن بقدر ما هن بارعات في التهديد والوعيد نظريا بقدر ما هن غير قادرات على الدروس التطبيقية . وهو نفس المنطق قياسا الذي فرضته بعد سنوات على طلبتي ….اجبارية الحضور في الدروس النظرية كما الدروس التطبيقية تماما، اذ من خور النظام التعليمي ان يبيح للطالب الحق في التغيب عن النظري مقابل اجبارية الحضور في التطبيقي …؟؟؟ والخور يتمثل عندي في: كيف لأي متعلم وفي اي ميدان ان يتغيب في الدرس النظري ؟؟؟…. فصانع النجار مثلا عليه في البداية ان يتعلم كيف يمسك المنشار ويطوع حركته، خوفا من ان يقص الاصبع عوضا عن الخشب …. منطقي جدا ان يمر بعده الى التطبيقي وبكل حذر ….

هذا شتاؤنا … خريفنا لم يكن يختلف كثيرا عن الشتاء في تفاصيل تفاعلنا معه ….في الربيع تختلف حياتنا …الربيع حامل كل انواع الزهور البرية وخاصة البوڨرعون …. الربيع الربيع حقا … لان ربيعنا الان في المدن لا زهر فيه ولا فراش ولا نحل …ربيعنا منذ سنين اصبح باهتا ثقيلا …ولان كل الغابات التي تحيط بصفاقس تربضت واصبحت جزءا من المدينة تعتمها الحجارة ويصقل ترابها الاسفلت ويزينها تلوث السيارات ويدمرها شجرا وحجرا وبشرا … التلوث الصناعي بداية من °السياب °ووصولا الى الحي الصناعي ببودريار … فكيف لزهر ان ينبت وكيف لفراشة ان تحلق وكيف لاسراب الطيور من الكانالو الى العصفور الحيطي ان تغرد وحتى اسراب الخطاف هاجرت بلا رجعة وهجرتنا تلك التي كانت تنور سماءنا والتي كنا نصطاد الواحد منها لندهن راسها بزيت الزيتون راجين ان نتبرك بها وهي تعود في رحلتها الشتائية الى الكعبة فتحمل سلامنا الى بيت الله …هكذا كان يقال لنا …

كنا نقضي آخر الاسبوع في اصطياد النحل وسجنه في قارورات مغلقة طمعا في عسله بعد سكب قليل من السكر الذي يخيل لنا انه سيحوله الى عسل مصفى فيه شفاء لنا …. ثم نتفاجأ بموته ونحن نجهل اننا حرمناه من الاوكسجين وان العسل لا يساوي شيئا امام الاوكسجين تماما كما لا يساوي الكلام المعسول شيئا من سياسيي “الغورة” امام اوكسجين هيبة الدولة المفقودة وانتشار الفساد والمفسدين، وعلى رأس قائمتهم سياسيو الافلاس الثوري في محاولة منهم لتغطية عين الشمس بالغربال على ثرائهم غير المشروع …ساعود اليهم في ورقات قادمة ولنعد الى نحلنا …

كنا ننتظر كل يوم ان نستفيق على (جابية) من العسل البلدي الحر …لكن الادهى اننا لم نكتشف ان ما اصطدناه لم يكن نحلا الا بعد ان عشش في احدى الطوابي (جمع طابية) وهي حواجز رملية عالية تفصل بين الفرد وجاره، مغروسة في قممها بتاجها الذهبي أشجار سلطان الغلة (الهندي) في احداها عشش سرب من النحل … انذاك فقط ونظرا إلى التحذيرات الشديدة اللهجة والحازمة من قبل الجميع بعدم مشاكسة مملكة النحل لأن ردة فعل مواطنيها سيكون لاذعا جدا … يااااااااااااااه كم كنا بحق اطفالا …… هذا هو الربيع الذي نتغنى به حقا في احدى محفوظاتنا بالابتدائي (ورد الربيع فمرحبا بوروده … وبنور بهجته ونور وروده) … وللتوضيح ورود الاولى هي مصدر ورَدَ … وورود الثانية هي جمع وردة ….بايجاز عبدكم اليتيم وبكل الم اليتم …

الربيع في مدينتي اصبح ماضيا …ولانني متعلق وبشدة بصباي وبكل ما فيه من فرح وترح فاني وتمسكا بالربيع (باستثناء الربيع العربي اللعين) أنتقل كل سنة الى ما ابعد من 30 كلم عن مدينتي حتى اعانق الربيع في الحقول وا أشتمّ رائحة الارض واعشق زهوره البرية وزهور الاشجار وفي مقدمتها زهور شجر اللوز (تحفة إلهية سبحان الخالق _) وهي تعلن عن ولادة (كرش) اخرى من ثمارها متحدية تحديد النسل ….. كمممممم افتقدنا ها وكممممم اشتقنا لنسلها في مدننا الرمادية الباهتة ….

في الصيف كانت لنا حكايا اخرى اذ انه وبعد توديع المدرسة ومعلميها في آخر شهر جوان ونحن نقدم لهم هدايانا البسيطة اعترافا بالجميل (ڨازوز المسدي االابيض او ڨازوز بوڨا وبعض قطع البسكويت) … وبعد ان نغني تلك الانشودة التي كانت تبكينا (الى اللقاء الى اللقاء يا ايها الخلان) او (سوف اللقاء يجمع شملا بعد الفراق) …هو يوم لا ينسى …وكيف لنا ان ننسى ايام العز في التعليم والتربية بدءا من (مابك؟ هرب طاهر بكرتي … هذا مفتاح بابك …او لسعت حليمة عقرب فجعلت تبكي وتقوا او او او ( كتاب اقرأ سنة اولى ابتدائي) … مرورا بـ (بدويّ في العاصمة) و (الحلاق الثرثار) و (جسر الحقيقة) … وصولا الى دروس التاريخ ورواياته المثيرة وكأننا في عالم علي بابا …كيف انساها وقلبي لم يزل يسكن جنبي …انهاااا قصة حبي ….

بداية العطلة الصيفية التي كانت تمتد على ثلاثة اشهر (جويلية اوت سبتمبر).هي بداية رحلة المتاعب لكبار الحوش …فالصيف انذاك يعني يوميا شمسا حارقة جدا ورمالا نارية لا يمكن الاستخفاف بها …صيفا بحق … وكان حرص والدتي على ان لا آخذ صربة شمس حرصا مرهقا جدا لي فالصيف يعني سجنا في النهار ويتواصل ليلا خوفا من العقارب …تلك العقارب التي كانت بالنسبة لحوشنا حشرات اليفة و (متعودة دايما ) على اثبات وجودها لجل متساكني الحوش يقبلاتها دون استئذان … وانقراضها الان في جل انحاء مدينتنا كان موقفا استباقيا منها لتفادي عواقب جريمة التحرش …خاصة وهي تتحرش بالجميع دون تمييز لا في السن ولا في الجنس ….ولست ادري لحد الان سبب عزوفها على التحرش بي ….نعم لست ادري كيف ولماذا زارت جميع متساكني الحوش ولم تخترني بتاتا … ربما لأني كنت (جلدة على عظمة ) …

اعود للصيف لارسم مجموعة من الاعمال القسرية التي كنت اقوم بها قتلا للفراغ (والفراغ يعمل بعمايلو كما قلنا) … كنت يوميا عشية بعد ما تبرد القايلة، اقوم بجمع الهندي بالكماشة التي تقبض على جسده وتلويه حتى يذعن لمفارقة ظلفته … تلك الكماشة تسمى °جمّاعة °بالشدة فوق الميم، هي عبارة عن عصا طويلة متوجة بقضبان حديدية مجمعة بشكل يضمن وضع (كعبة) الهندي بينها __…ثم اترك ما جمعته لاختي كي تقوم بغسله وتنظيفه من الاشواك فكيف لكريم ان يلدغه شوك الهندي؟ هكذا كانت امي تنهر اخواتي …دون نسيان الاحتفاظ بسطل منه لاقوم غدا في الصباح الباكر خوفا دائما من الشمس ومن ذبول الهندي …اقوم _ انا النحيف الهزيل _ بحمله الى ساقية الزيت وبيعه بـ 5 مليمات . وتصوروا فقط طفلا مثلي يحمل ذلك السطل الثقيل الذي يدمي الايدي النحيفة لجمع بعض المليمات وادخارها لآخر العطلة لشراء الادوات المدرسية، واعيد القول السطل ب5 مليمات …ياااااااااااااااااه الان اصبح ثمن كيلو الهندي اغلى من كيلو الموز (تفيه على الدنيا!)…….اذن تهنينا على الصباح والعشية …

وسط النهار هو حبس اجباري في البيت لتكسير ثمار اللوز الجافة بثمن بخس للغاية …الشكارة بـ 60 مليما ثم تدرجت الى 100 مليم مع مر السنوات …وكنت كلما اهم بالخروج من هذا السجن كانت امي تهددني بـ (اش عندي فيك اخرج اما راهو ثمة عربية في الزنقة)… و (عربية) تعني بدوية بخلّتها ومِلْيَتها ….ومن شدة غبائي ثم جبني كنت استجيب وبهلع كبير لتهديدها لي بالعربية، بل كنت انزوي في احد اركان البيت وكأنها شيطانة من الشياطين الداعشية …

هكذا كانت ايامي الصيفية حتى الخامسة ابتدائي، سنة بداية محاولة الافلات من قيود سجني …القيد بدأت تكسيره يوم قدم احد السكان الجدد كجيران لنا وعلى عكس كل من يقطن في حومتنا يمتلك هؤلاء السكان “دار ملاك” … رحم الله موتاهم والصحة لمن تبقى منهم والامتنان لهم ولاحيائهم جميعا بما عشته معهم وبكل ترحاب … ازمنة لا تنسى ….هذه العائلة الجديدة هلت علينا بالكنز الاعجوبة: المذياع …

يااااااااااااااااااااااااااااااااااااه تلك كانت بداية حياة اخرى ….حكاية اقدار ….

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة

جور نار

مُلتويات تواصليّة يُتقنها التونسيّون

نشرت

في

منصف الخميري:

وأنا أقرأ كتاب “البُعد الخفيّ” لإدوارد تي هول، تمنّيت لو كان الكاتب مطّلعا على الثقافة الشعبية التونسية ليُدعّم فكرته المتصلة بالثقافات ذات السياق العالي، بأمثلة ملموسة من معيشنا اليومي في المقاهي وشبابيك الإدارة وعربات النقل العمومي وما يتمّ تبادله عبر الهواتف ومساحات التراسل والتواصل.

منصف الخميري Moncef Khemiri

وقبل استعراض البعض من هذه الأمثلة المؤيّدة لفكرة أننا كتونسيين منتمون إلى سياق ثقافي هلامي وعال وعائم جدا، قد يكون من المُفيد قول بعض الشيء عن صاحب مقولة “الزمن ناطق، ويصدح بالحقيقة أحيانا عندما تكذب الكلمات”.

إدوارد تي هول (1914-2009) عالم أنتروبولوجي أمريكي عُرف خاصة بإشاعته لمفهوم المثاقفة أو تواصل الثقافات واهتم بالأبعاد الخفية التي تحكم سلوكاتنا بصفة لاواعية في مجالات التواصل والزمن والفضاء.

بالنسبة إليه، كل ثقافة تتوفر على نموذجها الخاص في التواصل الذي لا يتحدد بموجب مضمون الرسائل فحسب. بل إن شكل الرسالة وصيغتها هما في أغلب الأحيان أهم من محتواها، الشيء الذي سيدفع به إلى التفريق بين سياقين للتواصل : سياق عالٍ وسياق منخفض.

في الثقافات ذات السياق العالي (مثل شعوب آسيا والشرق عامة وإفريقيا)، يكون للكلام قيمة أقل بالنسبة إلى السياق والمناخ الذي يتحقق فيه التبادل. يكون الفرد في غير حاجة إلى معلومة صريحة ومصوغة وفق قواعد محددة من أجل أن يتواصل ويتفاعل مع محيطه. ويعتمد التواصل هنا على روابط بين شخصية قوية، بحيث يكون التواصل ذاتيا وغير رسمي وعادة غامضا وغير لفظي ويستدعي أشكالا أخرى من التعبير  التي تتجاوز المعاني المباشرة للكلام.

في هذا النوع من الثقافات يكون الانتماء إلى مجموعة مهم جدا ويُولى اهتمام أكثر من قبل الأفراد إلى معاني “المعايشة” وجودة التفاعلات. هو سياق لا يثق فيه الفاعلون بالوثائق المكتوبة ويُخيّرون الإجراءات المرنة والسّائلة.

ويتضمّن هذا النسق ثراءً علائقيا وتواصليا كبيرا (الإيحاء والتضمين والدلالات الحافة واللايُقال ولحظات الصمت الصائت وغير المباشر والمضمر والكامن …) وعادة ما يتسبب في سوء تفاهم وتشنجات مع أشخاص منتمين إلى ثقافات سياقها منخفض.

أما في النوع الثقافي المقابل (ألمانيا وكندا وأمريكا مثلا) فتكون المعلومة موضوعية ورسمية وتُصاغ عبر قواعد تواصلية دقيقة ومكتوبة وتكون المعلومات واضحة ومحددة خاصة عند بلورة الأهداف. التواصل في هذا النموذج صريح ومباشر (الأولوية للتحليل وتعقّل المواقف) يتبادل ضمنه الأفراد كمًّا كبيرا من المعلومات على حساب ثراء السياق وخصوبته، فلا مكان لغموض الرسائل أو ضبابية معانيها (منطق استنتاجي وفق قواعد صريحة ومُتعارف عليها على نطاق واسع).

ومن المهم الإشارة كذلك إلى أن التواصل في هذا المنوال يكون باردا وعقلانيا ومحسوب النتائج منذ البداية ويتأسّس على الوضوح والاختصار مقابل المُبهم وغير الدقيق.

هنالك طُرفة متداولة تُجسّد تماما حدود التعارض بين السياقين الثقافيين العالي والمنخفض، وهي قصة مواطن تونسي له صديق ألماني تهاتفا صباحا للاتفاق على موعد مسائي يلتقيان خلاله في مكان ما ليحتسيا القهوة سويّا ويتحدّثان فيما يهمّهما.

فبادر التونسي بالقول : “مالة نتقابلو العشيّة كان عشنا مع الأربعة هكاكة، الأربعة ونصف… في المكان الفلاني”، فأجابه صديقه الألماني “من رأيي مرة واحدة تكفي، لِمَ نلتقي مرتين ؟”

ملتويات تواصلية لا يُحكم نسج خيوطها جيدا إلا التونسيون

التونسي لا يمنحك ثقة ولا يرتاح إليك وإلى ما تقوله إذا أنت لم تُمعن النظر مباشرة في عينيه والاقتراب منه (أكثر مما هو مسموح به اعتياديا إذا لزم الأمر) ومسكه من يده للتأكيد على حميمية العلاقة بينكما … ومناداته باسمه الصغير (عكس ما هو مُتعارف عليه في الثقافات الأخرى من ضرورة مناداة الأفراد الذين لا تربطنا بهم علاقات خاصة بألقابهم، كأن نقول السيد بيفو بدلا من السيد برنار) لمزيد شحنه عاطفيا، ولِم لا تذكُّرَ والدته خالتي مْنى للترحّم عليها واستحضار كرمِها ووقارها وسخاء مطبخها العامر دوما.

والتونسي يحفظ جيدا المثل الشعبي “كلمة لا ما تجيب بلاء” لكنه يزدريه ويتحاشاه لأن قُدسيّة العلاقات العائلية والقوة الرمزية لعلاقات الصداقة (بغثّها وسمينها) وكذلك نزعة التّوقير المهيمنة على العلاقات العامة إلى حدود زمن غير بعيد، كل هذا يمنع الأفراد من التعبير عن رفض حادّ لطلب ما أو ممانعة جافة وفظّة لقبول مضمون التماس معيّن عبّر عنه أحدهم… فإما أن يقبل على مضض ما طُلب منه ويكون متأكدا بنسبة عالية أن ما أعاره لن يعود أو ما قدّمه من خدمة (سيتعب في نيلها لفائدة غيره) لن يستتبعها اعتراف بالجميل… أو أن يلتجئ إلى ملتويات تواصلية تحفظ ماء الوجه وتضمن نصف اقتناع الشخص المقابل، مثل “والله نشالله يبقى بعدي لا نكسابها” كما كانت تقول والدتي رحمها الله، أو “والله طلْبتك عزيزة وإلّي بيناتنا أكبر وأثمن مالفلوس يعطيها ربْيَة وبوك راهو صاحبي برشة كالاخوة آنا واياه، آما والله جيتني في لحظة ماهيش هيا جملة ماك تعرف مصروف رمضان والعيد ودبش الصغار وفلوس الإيتيد، الخ…” بدلا من القول “لا أستطيع” ببساطة.  

والتونسي يجب أن تحذر ردود فعله عندما ينزل ضيفا عليك لأن حياءه الفطري يمنعه من التعبير بوضوح عن رغباته وما يفضّله من أكل وما لا يفضّله. فعلى سبيل المثال عندما يكون الجميع على طاولة الغداء أو العشاء، يجب أن تنتبه أنه اكتفى بأدنى ما يمكن وضعه في صحنه وبالتالي عليك أن تُصرّ وتُلحّ وتُقسم بأغلظ الأيمان حتى يقتنع ضيفك في النهاية (وهو الذي يتضوّر جوعا بعد كل المسافة التي قطعها) بإشباع الصحن في البداية وإكرامه في النهاية.

والتونسي لا يُسمّي أبدا الأشياء بأسمائها مُستحسنا الذهاب إلى المعاني من نوافذها الخلفية لأن التعرّي أو “الكِشفة” من الآثام التي يصعب تحمّل وِزرها ذهنيا وأخلاقيا ودينيا… كأن يمتنع عن قول “نحن نعيش حبّنا بكل معانيه” بل “الحمد لله هانا عايشين ومستورين” أو أن يعترض على ما أتاه شاعرنا الكبير الراحل مؤخرا محمد الغزي الذي قال بشكل مباشر “على الأرض خمور لم أذق أطيبها وذنوب جمّة لم أقترف أجملها” … مفضّلا إطلاق تسميات ملتوية من قبيل “الشادلية” أو “المعصية” أو “المحنة” أو “التڨديرة” (بالقاف المُثلّثة) نسبة إلى القِدر الذي تُعدُّ داخله بعض الأكلات البسيطة المُؤثّثة لمجالس الأنس بين الأصدقاء.

والتونسي ينزع إلى استعمال صيغ التصغير وكأنه يعتبر في لاشعوره عدم جدارته بتلك الأشياء في كمالها ومطلق بهائها، فالدار التي يبنيها “دويرة” والسيارة التي يشتريها “كريهبة” والعشاء الذي يتناوله مساءً “عْشَيْ”… إلا إذا كان ذلك في مطعم فاخر حينئذ يصبح “عشاء وعليه الكلام”.

والتونسي يُطيل بشكل غير طبيعي بروتوكول التسليم والتوديع. فبدلا من صباح الخير ويعود إلى السطر، يقول “السلام عليكم فينك يا معلم صباح الخير آش تعمل هاك قايم بكري اليوم آما عينيك منفوخين لازم سهرت البارح شفت الطقس اليوم متاع تبحيرة بصراحة آما هاك تشوف…” وعندما تودّعه مساءً لا يكتفي بـ “تصبح على خير” فهي جرعة غير كافية للتعبير عن كل الودّ (الواهم في أغلب الأحيان) الذي يكنّه لك فينطلق في جُمل مسهبة لا تنتهي إلا بالاطمئنان على فرصة اللقاء مجددا في الغد صباحا.

والتونسي يُبدع في تلغيزه للخطاب ويُطالبك بأن تفهمه “عالرّمش” شاهرا في وجهك “آنا نقلك وانت ما يخفاك” والا “لازم نقلك هنا بير باش تفهم ؟” وخير المتكلّمين عنده هو من يُتقن التلميح بدلا من التصريح ومن يقول من الكلام أقلّه وألطفه.

أكمل القراءة

صن نار