تابعنا على

جلـ ... منار

هيكل في ظل عبد الناصر (ج 2)

نشرت

في

اكتساب الثقة موهبة متأصلة عند هيكل، وفن يتقن قواعده، وكانت مواهبه الأخرى كثيرة ومتعددة، فتفوق على ثلاثة كانوا قد سبقوه إلى الاقتراب من كثيرين من أعضاء مجلس قيادة الثورة، وعرفوهم معرفة وثيقة، إبان سنوات الإعداد لها، وكانوا ثلاثتهم يصادقون عبد الناصر وعبد الحكيم عامر وصلاح سالم (6).

محمد حماد *

تفوق هيكل على إحسان عبد القدوس صاحب معركة «الأسلحة الفاسدة»، وتفوق على أحمد أبو الفتح (7) بكل معاركه حول قوانين «تعبيد الصحافة»، وتفوق على حلمي سلام صاحب الحملة على «فساد إدارة الجيش».

تفوق على الجميع، لأنه بلا شك كان يملك ما لا يملكونه، تفوق عليهم، لأنه كان مؤهلاً لهذا التفوق، ولأنه كان موهوباً بالفطرة ليتبوأ تلك المكانة.

**

كان هيكل مجرد صحفي بين صحفيين. لا هو أشهرهم و لا أخملهم. و لكنه بالقطع كان من أذكاهم. و قد صادفه حظه، و صادف هو قدره.

و لم يكن أياً من دعاة النظام السابق مؤهلاً لأن يكون داعية النظام الجديد خاصة لدى الرجل الأول في هذا النظام. كانت الساحة مليئة بأسماء تتقدم لتنال رضا النظام الجديد و رجله القوي.

مصطفى أمين حاول، و لكن عبد الناصر كان يشك في نواياه، لأنه كان مسموعاً و مقروءاً في نظام ما قبل الثورة.

كان الذين قاموا بثورة يوليو سنة 1952 قد طلعوا من المجهول، و لم يكن ليقبلوا التعامل مع هؤلاء الذين كانوا نجوماً في عصر ما قبل الثورة. و هكذا سقط واحد مثل التابعي. و تأرجح موقع وموقف مصطفى أمين. و الآخرون جميعاً قصرت مؤهلاتهم عن أن تدفع بهم إلى الموقع الأثير لدى رجل النظام الجديد.

وحده هيكل، دفعته جملة مصادفات إلى حيث يمكنه أن ينفرد بتلك المكانة و ذلك المكان. لم يكن ملوثاً قدر ما كانوا ملوثين. لم يكن منخرطاً قدر ما كانوا منخرطين. لم يكن ذا لون سياسي قدر ما كانت لهم ألوان و انحيازات. و اللون السياسي يجذب كما أنه ينفر.

و كان مؤهلاً أكثر من غيره لتقدير و تفهم و التعبير عن أفكار القادم الجديد. بدا كأنه واحد من القادمين الجدد، عمره قريب جداً إلى أعمارهم. يوم الثورة كان عمره حوالي 29 سنة، و هم أكبر بسنوات معدودة، لا تزيد على الخمس و الست سنوات.

كان معهم من نفس الجيل، من نفس الطبقة، من الشرائح الدنيا للطبقة الوسطى. كانوا تواقين لصناعة مجد الأمة. و لتخليد أسمائهم في التاريخ. و كان تواقاً لصناعة مجده و تخليد اسمه في التاريخ. لم يكن مثلهم ثورياً. و إن كان مثلهم يأمل في عهد جديد يتيح له و لطبقته ما حُرمت منه طويلاً.

**

من حسن حظ جمال عبد الناصر أنه وجد واحداً مثل هيكل بالقرب منه. و من حسن حظه أيضاً أنه وجد مفسراً و معبراً عن سياسته بهذه الروعة التي وجدها في هيكل الكاتب و الصحفي.

كان عبد الناصر فوق قمة الهرم، في أعرق سلطة دولة في العالم، و هناك فوق تلك القمة لا أحد غير العزلة و الوحدة، و لا شيء غير صقيع القمة. و في هذه العزلة، و في تلك الوحدة، و في ذلك الصقيع يصبح واحد مثل هيكل هدية من السماء.

وقد لامس هيكل هذا الصقيع بيديه، و كتب عن ذلك مرة قال: «كنا ليلتها على ظهر باخرة الحرية، في وسط الأدرياتيكي قادمة من يوغوسلافيا، بعد اجتماع بين عبد الناصر و تيتو(8) ، و كانت الثورة في العراق قد قامت يوم14 يوليو سنة 1958، و فى وسط طريق العودة، و نحن بعد في الأدرياتيكي، جاءت الأنباء بحشود الأسطول الأمريكي السادس في البحر الأبيض و بالإنزال الأمريكي على شاطئ لبنان.

و فكر جمال عبد الناصر أن يقطع عودته إلى الإسكندرية، و فكر في وسيلة يطير بها إلى موسكو يتباحث مع القادة السوفييت في التطورات الجديدة، لكي يستطيع تقدير موقفه بجلاء و يقين، قبل أن يعود إلى منطقة الشرق الأوسط، و العواصف المتحفزة للهبوب عليها.

و دعانا إلى مكتبه على ظهر الباخرة الحرية: الدكتور محمود فوزي و أنا، ثم طلب رأينا في فكرته بأن يطير إلى الاتحاد السوفيتي، و أعطانا ربع ساعة، لكي نعود إليه بجواب.

و خرجنا نفكر معاً، ثم عدنا بعد ربع ساعة، و قال الدكتور فوزي للرئيس: «إنك وحدك تستطيع أن تجيب على هذا السؤال بتفاعلك الداخلي مع الحوادث، و باتصالك العميق بالجماهير العربية، هذا سؤال يتولى الجواب عليه «إلهام الزعامة»، و لا يتولى الجواب عليه «حساب المنطق»، قرر بإحساسك ماذا تريد؟، و ما تقرره سوف يكون الصواب»، و أصغى الرئيس جمال عبد الناصر في سكون، ثم كان قراره وحده بالسفر. و كان تعليق هيكل: «أحسست بالوحدة المروعة عند القمة».

أحس هيكل بالصقيع الذي يعانيه من هم فوق القمة. و لعلها لم تكن المرة الأولى التي يلمس تلك البرودة عن قرب، و لكنها بالنسبة لنا تدل على وعيه المبكر بما يعانيه صاحب القرار من وحدة و عزلة، و مسؤولية، و أمانة ناءت بحملها الجبال. و لا شك عندي أن وعي هيكل المبكر بهذه الحالة جعله يرسم لنفسه دوراً إلى جانب الرئيس، دور يكون مفيداً فيه، بأكثر ما يكون مجرد عالة على صاحب القرار

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش:

* محمد حماد: كاتب و صحفي مصري، مؤلف كتابي “الرئيس و الأستاذ” – “دراما العلاقة بين الكاتب و السلطان‏ و قصة الدستور المصري”، و نائب رئيس تحرير‏ صحيفة العربي السابق‏

(6) صلاح سالم (1920 ـ 1962): ضابط مصري، تخرج في الكلية الحربية سنة 1940 و هو في الثامنة عشرة من عمره. تخرج في كلية أركان الحرب سنة 1948، و شارك مع قوات الفدائيين التي كان يقودها الشهيد أحمد عبد العزيز، و هو الأخ الأصغر لجمال سالم، انضما إلى تنظيم الضباط الأحرار، ثم صارا عضوين بمجلس قيادة الثورة بعيد 23 يوليو سنة 1952، تولى وزارة الاعلام في بداية الثورة، و اشتغل بالصحافة حيث تولى الاشراف على صحيفتي الشعب و الجمهورية، و تولى رئاسة مجلس ادارة دار التحرير للطباعة و النشر، و رأس تحرير جريدة الجمهورية. كان صلاح سالم أول من توفى من أعضاء مجلس قيادة الثورة، حيث توفي في سن صغيرة عن عمر 41 عاما في 18 فيفري 1962 بمرض خبيث، و تصادف موته مع الانتهاء من الأعمال التنفيذية للطريق الذي أطلق اسمه عليه، و أصبح من أشهر شوارع القاهرة.

(7) في كتابه: « لمصر لا لعبد الناصر» ص 72 يذكر الأستاذ هيكل أن أحمد أبو الفتح كان قد تعرف إلى جمال عبد الناصر عن طريق صهره ثروت عكاشة الذي كان عضواً مرموقاً في حركة الضباط الأحرار، و يعترف هيكل بأن: «صوت الأستاذ أحمد أبو الفتح كان من الأصوات المسموعة لدى مجلس الثورة في الفترة الأولى، فقد كان دوره وسط مجموعة الشباب التقدمي الجديد الذي ظهر في حزب الوفد و على اليسار من التيار الرئيسي فيه، دوراً ظاهراً و من هنا كان طبيعياً أن يكون الأستاذ أحمد أبو الفتح حلقة الاتصال بين النظام الثوري الجديد و بين حزب الوفد الذي كان حزب الأغلبية في ذلك الوقت. و مع بداية سنة 1953 بدأت الخلافات تدب في العلاقات بين جمال عبد الناصر و الأستاذ أحمد أبو الفتح لأسباب سياسية و أخرى نفسية و بعضها يعود إلى وفاء الأستاذ أحمد لأخيه محمود».

8) جوزيف بروز تيتو (7 مايو 1892 ـ 4 مايو 1980): رئيس يوغسلافيا في الفترة من 14 جانفي سنة 1953 حتى وفاته في 4 ماي سنة 1980 بعدما حكم يوغوسلافيا لمدة 35 عامًا، و انقسمت الدولة بعد رحيله بحوالي تسع سنوات. بدأت مواقف تيتو من القضايا العربية منذ لقائه مع الرئيس جمال عبد الناصر، و وقفت يوغسلافيا بجانب مصر و أيدتها في قرار التأميم، و ظهر موقفها الداعم لمصر في الأمم المتحدة، و كان تيتو من الداعمين للوحدة العربية بين مصر و سوريا سنة 1958 و إعلان الجمهورية العربية المتحدة. و ساند مصر في حرب الاستنزاف التي أعلنها الرئيس عبد الناصر ضد الاحتلال الإسرائيلي لسيناء، و قام تيتو بزيارات عديدة إلى مصر، و جرى خلال تلك الزيارات توحيد الجهود ضد الاستعمار و الصهيونية، و حتى بعد رحيل عبد الناصر سنة 1970، ظل تيتو وفيا لخطه الأول و لم يحد عن دعم القضايا العربية العادلة حتى رحل في 4 ماي سنة 1980.

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جلـ ... منار

بدل العتمة نور

نشرت

في

لا أدري لماذا تذكرت تلك القصة اليوم..تذكرتها وأنا أخوض معتركا نفسيّا منذ أن استبدلت صورة بروفايلي بصورة الطفل السوري عمران

وفاء سلطان

مات أبي إثر حادث سيارة وترك أمي في عزّ شبابها تصارع الحياة مع ستة أطفال..تكللت أمي بالسواد من قمة رأسها حتى أسفل قدميها لأكثر من سبع سنوات، وذلك حدادا على ابي..حتى قميص نومها كان اسود….مرّة سمعتها تدردش مع جار لنا، وكان ذلك الجار ارمنيا اسمه حنّا كازيزيان..سألها: لماذا تصرين على لبس الأسود، إن الله لا يحبه، فهو دليل على رفضك قضائه وقدره! أطرقت رأسها، ذرفت دمعة ثم قالت: وهل ترك لي غيره كي ألبس؟ فراح جارنا يقص عليها اسطورة من التراث الأرمني…

تقول الاسطورة: إن امرأة فقدت ولدها الوحيد فنذرت أن تلبس الأسود حدادا عليه مدى الدهر..بعد سنوات زارها ملاك في المنام، وقال: انظري إلى هذا الخيط (مشيرا باصبعه إلى طرف ثوبها الأسود)، لولاهذا الخيط الأبيض في ثوبك الأسود لاحترقت في نار جهنم..تذكرت السيدة أن طرف ثوبها انخزق مرّة، ولم تجد في حوذتها سوى خيط أبيض كي ترقع به ذلك الخزق!

………….

عندما ذبحت داعش الطفل السوري الفلسطيني على مرآى من العالم، تناولت تلك الجريمة في برنامجي الاسبوعي “حرب بلا سلاح”!

وصلتني عشرات الرسائل من معارضين سوريين: يا شرموطة يا نصيرية، أنت تتعاطفين معه ليس لأنه فلسطيني بل لأنه موالِ لسيدك بشار الأسد!

طفل موال لبشار الأسد؟؟؟ هل هناك انحطاط أخلاقي أكثر من ذلك؟؟؟؟

لم يطل الأمر كثيرا حتى صُعق العالم أمام كارثة الطفل السوري عمران…فاستبدلت صورة بروفايلي بصورته…فوصلتني عشرات الرسائل من موالين سوريين: يا شرموطة يا أمريكية يا متصهينة، لقد وقعت في الفخ فالصورة مبفركة..واقترح أحد “شرفاء” الموالين أن تُسحب مني الجنسية السورية وكأن جنسيتي صدقة يتصدقون بها عليّ من أموال رامي مخلوف!

………….

أسقطتني التجربتان في معترك نفسي ليس سهلا…يزعم الموالون أن الطفل عمران صورة مفبركة، وكأن الطائرات الروسية تُسقط المن والسلوى وأطباقا من الورود فوق رؤوس البشر..هؤلاء البشر الذين هُرسوا بلا أدنى إحساس بالشفقة رجالا ونساء وأطفالا…الموالون يهللون لها من منطلق ايمانهم بـ “هويتهم” السورية ودفاعا عنها…ومن يعبر عن مجرد ألمه هو أمريكي متصهين، ليس هذا وحسب بل شرموط!

أما المعارضون وفيصل القاسم مثال حي، فحدّث بلا حرج! (النصيريون يشربون المتة والأركيلية ويعيشون حياتهم يتفرجون على تدمير سوريا بدونأن يرف لهم جفن)

أكثر من ربع مليون “نصيري” في طائفة لا تزيد عن المليونين فقدوا حياتهم بين ساطور النظام وسندان المعارضة..يكاد لم يبق بيت في المناطق الساحلية إلا وفيه أم مفجوعة وأطفال يتامى..جيل بين العشرين والأربعين اندثر، وكارثة اندثاره ستلقي غلالها السوداء على تلك الطائفة مدى الحياة..

لكن المعارضين يتمسكون بثورتهم “المسالمة”، التي لم تسرق قمحة ولم تقتل نملة! ومن يقول حرفا لا يخدم مصالحهم هو من زبانية الأسد حتى ولو عبر عن ألمه حيال طفل ذبحته داعش،على مرآى من العالم بطريقة لا تقل وحشيّة عن ذبح بني قريظة! ليس من زبانية الأسد وحسب، بل شرموط!

………….

الموالون والمعارضون ـ بمختلف طوائفهم ـ انتاج محلي وثمرة لثقافة واحدة، ثقافة: ياآيها النبي حرّض المؤمنين على القتال…ك الطرفان معا وجهان لعملة واحدة!

لذلك، لا أستطيع أن اخرج من معتركي النفسي مهما حاولت إلاّ بقناعة مؤلمة جدا جدا..قناعة تؤكد لي أن تلك الحرب الجهنمية ضرورة لا بد منها! فالنار تطهر الحديد، ناهيك عن نفوس تتمجد بالقتل والدمار…

ستظل تلك الحرب مشتعلة، ربما عقدا آخر آو عقدين، أو من يدري؟؟؟

ستظل مشتعلة ـ سواء على أرض الواقع أم في عقول منفذيها ـ حتى يجد هؤلاء الموالون والمعارضون، الذين “يعتزون” بهويتهم السورية،ويعتبرون كل واحد خارجهم “شرموطا”، ستظل مستعرة حتى يجدوا خيطا أبيض يرقّعون به ضمائرهم السوداء المهترئة….

أكمل القراءة

جلـ ... منار

إنه الغاز.. يا غبي!

نشرت

في

“إنه الاقتصاد يا غبي” !

كان ذلك شعارا انتخابيا صاغته حملة المرشح الديمقراطي “بيل كلينتون” في الانتخابات الرئاسية، التي خاضها مطلع تسعينات القرن الماضي، بمواجهة الرئيس الجمهوري “جورج بوش الأب”

عبد الله السنّاوي

أرادت حملة كلينتون أن تركز الانتباه على كساد الاقتصاد وأثره الفادح على مستويات معيشة الأمريكيين.. لا على انفراد الولايات المتحدة بقيادة النظام الدولي بعد تفكيك الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة، التي ترجح كفة الرئيس.
بدا ذلك
الشعار عدوانيا بطريقة غير مألوفة لكنه لعب دورا جوهريا في صعود مرشح شاب نسبيا شبه مغمور سياسيا إلى البيت الأبيض على حساب رئيس عتيد ترأس في وقت سابق الاستخبارات الأمريكية..

“إنه البترول يا غبي”

كان ذلك تعبيرا مرادفا صاغه كتاب ومثقفون عرب، أبرزهم الكاتب الراحل محمود عوض، إثر احتلال العراق عام (2003).
لم يكن مقصودا بذلك التوصيف اللاذع الرئيس الأمريكي “جورج بوش الابن”، الذي قاد بالتضليل السياسي والإعلامي والاستخباراتي تحالفا عسكريا دوليا واسعا أعاد العراق قرونا إلى الوراء.
كان الرئيس الأمريكي ومن معه يعرفون جيدا ما يريدون من غزو العراق فيما انشغل عدد كبير من القادة العرب في التحريض والدعم اللوجيستي لآلة الحرب المدمرة وبعض الكتاب يبشرون بالديمقراطية الآتية مع دبابات الاحتلال!
الحقيقة أن العراق، ومشرق العالم العربي كله، هو المقصود بالتحطيم المنهجي لإعادة بناء الإقليم من جديد، وأن تكون إسرائيل مركز القيادة فيه.

“إنه الغاز.. يا غبي

باستلهام آخر في ظروف جديدة ومختلفة فإن الرئيس الأمريكي الحالي “جو بايدن” يجر العالم إلى النذير النووي، أو أعتاب حرب عالمية ثالثة تفضي إلى تدميره.
الحرب الأوكرانية أفلتت حساباتها العسكرية عن كل قيد وضربت تداعياتها كل بيت بأزمة غذاء فى العالم الثالث وأزمة طاقة بقلب أوروبا.
نحن أمام مأزق مزدوج ينذر بأوضاع مضطربة وأحوال تفلّت تتجاوز بكثير ميدان الحرب والأهداف المباشرة لطرفي القتال في أوكرانيا.
هناك ــ أولا ــ تصعيد عسكري ميداني إلى مستوى يكاد يكون صداما شبه مباشر بين روسيا وحلف يالناتوي، الذي يمد القوات الأوكرانية بترسانات من أحدث الأسلحة وأكثرها تقدما مصحوبة بخبراء ومستشاريين عسكريين وربما قوات قتالية حسب بعض التقارير.
يصعب الآن وصف الحرب الجارية أنها روسية أوكرانية، أو غزو روسي لأوكرانيا على ما دأبت بعض التغطيات الإعلامية.

أدق الأوصاف، التي تلائم الحقائق على الأرض، أنها حرب روسية أطلسية مرشحة للتمدد في الزمن واستنزاف طويل المدى تعاني ويلاته القوى المتحاربة، والعالم كله بأكثر من أي توقع.
تستهدف الولايات المتحدة من ضخ الأموال والسلاح بطريقة شبه مفتوحة في آلة الحرب استنزاف روسيا في المستنقع الأوكراني على ذات السيناريو، الذي حدث في أفغانستان، وأفضى بالنهاية إلى تفكيك الاتحاد السوفييتي نفسه.
السيناريو الأفغاني لا يقاس عليه موضوعيا، فالحقائق الجغرافية والإنسانية تختلف تماما وأغلبية الروس يؤيدون العملية العسكرية فd أوكرانيا.

إذلال روسيا سيناريو آخر مستبعد، وقد حذر من الرهان عليه وزير الخارجية الأمريكي الأشهر “هنري كيسينجر”.
بالمقابل تستهدف موسكو التمركز فيما حققته من توسع ميداني حتى يمكنها تاليا ضم ما تسمىه بالجمهوريات الانفصالية في أوكرانيا باعتبارها روسية وجزءا لا يتجزأ من الوطن الأم ينتمون إليه ويتحدثون لغته.

بموازين القوى الحالية: الحرب غير مرشحة للحسم بأي وقت منظور.

لا الروس مستعدون لأي تراجع بعد الأثمان الباهظة التي دفعوها جراء العقوبات الغربية غير المسبوقة
ولا الأمريكيون جاهزون لتسوية سياسية وإيقاف القتال لأسباب استراتيجية تتعلق بمستقبل النظام الدولي إذا ما خسروا الحرب، كما لأسباب داخلية تتعلق بانتخابات التجديد النصفي لمجلسى الكونغرس في الخريف والانتخابات الرئاسية عام (2024) المرجح أن يخسرها الحزب الديمقراطي.
وهناك ــ ثانيا ــ أزمة الغاز المتفاقمة في قلب القارة الأوروبية جراء توقف موسكو عن إمدادها بالغاز في إجراء يكاد يضاهي بالفعل ورد الفعل ما يحدث في ميادين القتال من اشتباكات سلاح لا تتوقف فيما كل طرف يعلن انتصاره لهز ثقة خصمه في نفسه.

بإلحاح ظاهر حرضت أمريكا على فرض عقوبات مشددة على الغاز الروسي بتحديد سقف لسعره، لا علاقة له بأية قواعد فى الأسواق العالمية للطاقة.
جرى ذلك باسم حرمان موسكو من أية موارد مالية قد تستخدم في تمويل عمليتها العسكرية بأوكرانيا
برد الفعل خفضت روسيا من صادرات الغاز قبل أن تغلق بالكامل خط أنابيب “نورد ستريم1″، الذى يمثل (40%) من الاحتياجات الأوروبية، خاصة ألمانيا وفرنسا، لإيقاع الألم بالاتحاد الأوروبي على التغير الحادث في لغة خطابه من التهدئة المراوغة إلى التصعيد الصريح ضد الكرملين واعتبار الرئيس فلاديمير بوتين غير جدير بالثقة.

بالتصعيد إلى حدود غير مسبوقة في التناحر على مستقبل النظام الدولي يدخل الاتحاد الأوروبي في أزمة شرعية مستحكمة.
إذا ما فشل في مواجهة آثار أزمة الغاز على حياة مواطنيه فإنه قد يتقوض من داخله وتتفلت بعض نظمه عن قراراته باسم احتياجات مواطنيها للغاز.
بقدر كفاءة أي نظام أوروبي على إدارة الأزمة الطاحنة يكتسب شرعيته.
كان لافتا تصاعد دعوات تخزين الغاز في أنحاء أوروبا خشية الآثار الوخيمة للشتاء القاسي الذى يدق أبوابها.
كما كان لافتا أن رئيسة الوزراء البريطانية الجديدة “ليز تراس” وضعت مواجهة أزمة الغاز على رأس أولوياتها على قدم المساواة مع تنشيط الاقتصاد والرعاية الصحية.

تعدلت الأولويات في الدول الأوروبية الكبرى خشية الآثار والعواقب وأخطرها انقطاع الكهرباء، وأن ترتفع أسعار الغاز إلى مستويات قياسية فوق طاقة أي تحمل للمواطن.
كان ذلك نوعا من الانتقام الروسي على سيناريو إذلالها.
بنفس الوقت ترددت دعوات أمريكية وغربية لبناء استراتيجية جديدة تنهي الحاجة الأوروبية للغاز الروسى دون تحسب أننا على أبواب الشتاء، وأنه بلا غاز سوف يكون غير محتمل وقد تترتب عليه اضطرابات اجتماعية واسعة.
هكذا أفلتت الحسابات، أو تكاد.

أفلتت في سباق التسليح وإطالة الحرب لأماد مفتوحة لم تكن متوقعة.
وأفلتت فى النذير النووي، الذي يتهدد محطة “زيبريجيا” بالاتهامات المتبادلة.
الروس يتهمون القوات الأوكرانية بقصف المحطة، والأوكرانيون يعترفون ضمنيا بمسؤوليتهم مطالبين بانسحاب القوات الروسية لضمان أمنها، هكذا بكل وضوح.

هيئة الوكالة الدولية للطاقة الذرية دخلت المحطة، ورصدت شواهد الخطر المحدق، دون أن تتهم أحدا بقصف المكان وتعريض العالم إلى كارثة نووية.
وأفلتت في أزمة الحبوب التي كادت تضع دولا عديدة في إفريقيا والعالم العربي تحت مقصلة الجوع قبل أن تخف وطأتها باتفاقية روسية أوكرانية رعتها تركيا.
وأفلتت فى أزمة الغاز، التي روعت أوروبا كما لم يحدث منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.

أكمل القراءة

جلـ ... منار

أطاييب الحياة … هي هذه أيضا !

نشرت

في

إذا سألتني: كيف سأحلّق في عالم من الخير والوفرة؟ سأردّ بلا تردد، وبكثير من الثقة: على جناحي الامتنان والعطاء! يجب أن تكون ممتنا لما بين يديك من خير، حتى ولو كان باقة بصل في ثلاجتك، وكلما امتننت كلما ازددتَ خيرا وازددتَ رغبة في العطاء…

وفاء سلطان

حادثتان أذكرهما كما لو أنهما وقعتا البارحة، أذكرهما كلما واجهني موقف عليّ أن أمتن من خلاله، أو أن أعطي.

في بداية حياتي الأمريكية دعتني صديقة ايرانية إلى حفلة عيد الشكر التي يتصدرها عادة الديك الرومي.بعد الغداء، وددت أن أجامل زوج صديقتي بعد أن أعلن أنه من طبخ الديك، وأشكره من خلال بضع كلمات:(لقد سبق ان تناولت الديك الرومي مرات لا تحصى، ولكن لم أذق طعما أطيب من هذا الديك. ماهي الطريقة التي تطبخه بها؟) … رد بعنجهية: سألني قبلك الكثيرون ورفضت أن أعطي طريقتي لأحد !

ظننته يمزح، فعاودت السؤال.أصر على موقفه: لا أعطيها لأحد!

بعد أكثر من خمسة وعشرين عاما، ومنذ فترة ليست طويلة كنت في مجمع عزّاء، أعزي صديقة لي بوفاة والدها، وإذ بي وجها لوجه مع سعيد !

لم أعرفه في البداية، إذ لم يبق منه إلا الخبث الذي يشع من عينيه. حاربته السنين حتى أنهكته وسلبته محاسن نفسه، قبل أن ينهكه التقدم في العمر. خسر زوجته وأولاده بعد الطلاق، وانتهى وحيدا يعد الملايين في حسابه البنكي، بينما يحترق قهرا من شدة الطمع والبخل!

هل تستطيع أن تتخيل مخلوقا يضنّ عليك بطريقة تحضيره لوجبة طعام،بينما تغص بها الآلاف من كتب الطبخ في أمريكا؟ اذ لم يكن طلبي إلا نوعا من الإمتنان والشكر، وكان أقل ما يعنيني أن أعرفها.

…………

عام 2007 وقعت الحادثة الثانية.

كانت يومها أسعار البيوت في أمريكا قد تضاعفت ثلاث مرات في غضون سنوات قليلة. اشترت زميلة لي بيتا بسعر خيالي، و دعتنا إلى حفل الانتقال إليه.

الحديقة الخلفية كبيرة جدا، وجزء كبير منها يغص بنباتات “قرن الغزال”.

عشرات القرون تشرئب بلونيها الجميلين الأخضر الغامق والفاتح.

لقد رأيت أشكالا كثيرة لهذه النبتة لكنني لم أر أجمل من هذا الشكل.تستطيع أن تدرك من خلال نظرة بسيطة أن الحديقة كانت مهملة، ولم يتم تشذيبها بطريقة دورية، ولذلك نمت القرون بشكل اعتباطي وكثيف.

في نهاية الزيارة التفت إلى زميلتي وطلبت بأدب أن آخذ قرنا منها لأكاثره.

ردت هي الأخرى بطريقة عنجهية: ليس الوقت مناسبا لقلع أي منها، سأعطيك واحدا في الخريف!!

مرّ أكثر من عشرة فصول خريف ولم أرها….لكن في الخريف الذي تلا لقاءنا هذا سقط سوق العقارات في أمريكا وضرب القاع،فهبط سعر البيت إلى أقل من ثلث قيمته.

خسرت ليلى بيتها، فاستولى عليه البنك وطارت معه القرون!!!

القضية هنا ليست قضية بخل وحسب، إنها قضية لؤم وخبث…

إنها قضية أرواح خبيثة وشحيحة، تريد أن تحتكر الكون لها،فراحت تنشد المزيد ولا تعطي…

…………

تحضرني هنا قصيدة “التينة الحمقاء” للشاعر إيليا أبو ماضي،التي وصف فيها شجرة تين توقفت عن الاخضرار والإثمار، كي لا يستمتع أحد بجمالها وثمارها،

فقال على لسان الشجرة:

بئس القضاء الذي في الأرض أوجدني….عندي الجمال وغيري عنده النظر

لأحبسنّ على نفسي عوارفها….فلا يبين لها في غيرها أثر

ولست مثمرة إلا على ثقة….إذ ليس يطرقني طير ولا بشر

ولأنها يبست من شدة اللؤم، انهال الفلاح عليها بفأسه، وحوّلها إلى حزم من الحطب.ثم يختم شاعرنا المبدع قصيدته ببيت القصيد:

من ليس يسخو كما تسخو الحياة به……فإنه أحمق بالحرص ينتحر

لقد انتحر سعيد انسانيّا، وانتحرت معه ليلى!!!

كلما حرصتَ على ماتملك شحّ وتلاشى، وشحّت معه روحك.بينما كلما قبلت أن تكون معبرا له، ومن ثم مصبّا، ازداد نبعك غزارة ودفقا!

عندما يفتح الكون يده عليك أن تفتح يدك، وإلاّ سيشحّ ضخه،وكلما ازدادت يدك رحابة ازداد هو دفقا!

…………

كما تعلمت من أخطاء غيري، تعلمت أيضا من أخطائي، إذ لم أكن منزّهة عنها.

كان لنا صديق سوري “بخيل” جدا جدا، وكنا نحن أصدقاءه نروي طرائف عن بخله، ونجعله موضوع ثرثراتنا في أكثر اللقاءات…

عندما اشتريت بيتي الأول عام 1999، دعوت شلة من أصدقائي إلى حفلة الإنتقال إليه، كالعادة في امريكا.جاؤوا محملين بالهدايا….

دخل سليم وفي يده قدر صغير بحجم فنجان الشاي، وفيه شجيرة صغيرة،طولها عدة سنتميترات.ناولني اياها وهو يقول: أعرفك تحبين النباتات، فاخترتها لك كهدية!

كانت حديقة البيت مهندسة بطريقة فنية للغاية، إذ كان البيت نموذجا مصمما ليكون دعاية لشركة البناء، ومما يطلقون عليهThe model لم يكن في الحديقة شبر من الفراغ كي أزرع فيه الشجيرة، فرحت استهزئ أمام الأصدقاء وأتمسخر معهم على هدية سليم، حتى نسيت مع الأيام مافعلته بها.

بعد حوالي عامين حشرت نفسي داخل حرش من أحراش الحديقة، ورحت أقلّم بعض الأغصان، وأتخلص من كثافتها التي حجبت الكثير من الأزهار والورود. وإذ بي ألمح بين تلك الأحراش شجيرة صغيرة طولها أكثر من قدم، تبدو أوراقها جميلة جدا تلمع تحت أشعة الشمس، وكأنها مدهونة بالزيت.أمعنت النظر فيها حتى تأكدت أنها شجيرة سليم…

بعد حوالي خمسة عشر عاما، اشرأبت تلك الشجرة حتى تجاوزت سقف الطابق الثاني، وغطت بغصونها الجميلة وظلالها الوافرة الحديقة الخلفية بكاملها.

عندما عرضنا البيت للبيع، دخل المشتري الجديد على الحديقة ووقف مذهولا أمام تلك الشجرة، ثم قال:هنا سأقضي معظم أيامي بعد أن أتقاعد. ستكون هذه الشجرة صديقتي!

بالمناسبة، بعنا البيت بمبلغ ثلاثين ألف دولارا زيادة عن السعر المطلوب، لأن الشاري تنافس مع ثلاثة عروض اخرى…وربّما كانت شجرة سليم “حبة البركة” التي كسبناها فوق الكعكة….

اليوم وكلما تذكرت سليم، أرسل له بطاقات حب وتيارات من طاقات ايجابية، وأتمنى له طول العمر وسعادته…..ثم أغطي وجهي خجلا منه ومن نفسي!!!

لقد تعلمت من تجربتي معه أن زيارة أي انسان هي أعظم هدية يقدمها لي،وخطوته داخل عتبتي هي جلّ ما يسعدني.

باختصار كل إنسان يزورني يباركني…لا لأنني مكتفية ماديا، بل لأنني مشبعة روحانيا ومنتشية إنسانيا.وتعلمت أيضا أن أمتنّ لباقة بصل في ثلاجتي، فأنحني إجلالا وتقديرا لجهود الفلاح الذي زرعها وقطفها!

بناء على ذلك، غصّت ثلاجتي وعبقت حياتي بكل طيوبها….

أكمل القراءة

صن نار