تابعنا على

منبـ ... نار

واجب التدارك في دونكيشوتـيّة المعارك … نقابات التعليم نموذجا

نشرت

في

كاتب عام نقابة التعليم الأساسي : ستنفجر قريبا بيننا وبين وزارة التربية

واحسْرتاه ،، لمّا كان الفؤاد ممتلئا بِحُبّ “الخيْمة”، زاخرا باِحترام قياداتها، حريصا على متابعتها .. هي اليوم قيادات تذهب بـالاتحاد العام التونسي للشغل مرّة أخرى إلى “الارتجاج” في صراعِه مع السلطة كما في نفوس أهل الدّار…

توفيق عيادي *

 على إثر معركتيْن طويلتيْ الأمد بين السلطة من جهة، ممثلة في وزارة التربية، والاتحاد من جهة أخرى مُمثّلا في نقابتيْ أكبر قطاعيْن من حيث الحجم والقيمة، التعليم الأساسي والتعليم الثانوي، اللتين تُعْـتبران من أشدّ الأوْتاد قوّة وصلابة في تاريخ “الخيْمة” … انتهت معركة الثانوي باتفاقٍ مع السلطة، بكثير من التأخّر في الزمن، لكنّه تجنّب جزئيّا حدوث الكارثة، رغم أنه لم يكن بحجم انتظارات الأساتذة. وتنتهي اليوم معركة الحجب بين الوزارة ونقابة التعليم الأساسي برفع الحجب دون التوصّل إلى أيّ اِتفاق .. لكن بعد حصول الكارثة المضاعفة، في مستوى العملية التربويّة أوّلا وفي مستوى الممارسة النقابية وقيمتها لدى المنظورين، ثمّ لدى العموم – بما في ذلك السلطة – ثانيا. 

بعد قرار الهيئة الإدارية القطاعية للتعليم الأساسي رفع الحجب ودعوة المعلمين لتنزيل الأعداد، سرَتْ حالة من السخريّة والتهكم على مآلات المسار النضالي لنقابة التعليم الأساسي، هذه السخرية لا يجب أن تطال المعلمين والمعلمات، ولا يجب لـقرار رفع الحجب أن ينال من معنويات المعلم ولا أن يأخذ من قيمته شيئا، يبقى المعلم معلما، وتاجا على رؤوسنا جميعا، فهو الذي أخذ بأيدينا من سراديب ظلام الجهل إلى محافل نور العلم واقتدارات رتْق الحرف، فألف ألف تحيّة لكل معلم ومعلـمة. لكن اِحترامنا الشديد للمربين (معلمين وأساتذة) لا يمنعنا من التعبير عن موقف إزاء هذه المعارك النقابية الفاشلة.

وفي هذا الشأن أقول: إن الدخول في معارك متى اتفق وكيفما اتفق، وتكرار هذه المعارك والترفيع في وتيرتها دون أن يكون لها حاصل إيجابي يسمح للمحارب بالاستراحة، ينال كثيرا من القيمة والقدرة ويُضعِف الثقة ويشق الصفّ ويكشف العجز عن الفعل. وهذا ما حدث داخل قطاعيْ التعليم الأساسي والثانوي. وأوّل الأخطاء المشتركة بين القطاعيْن هو غياب القدرة على تخيّر الزمن المناسب لخوْض معركة بهذا الحجم ومن أجل المربين، وهو خطأ اِستراتيجي غير قابل للمعالجة الحينيّة بسهولة ودون إحداث أضرار جسيمة. ومثل هذا الخطأ الاستراتيجي يُبين عن ضعف القدرة على قراءة الواقع قراءة جيّدة. ذلك أن فهم الواقع ضروري في كل معركة، بل هو أحد أدوات الصراع التي تـُـرَشح كل من يُحسن فهمه، قراءة وتوقعا ومعالجة، للانتصار في المعركة. كان حريّا بالنقابيين، سيّما القيادات، أن تفهم مليّا أن الواقع ليس مجرّد منصة أو إطار أو أرض للمعركة تتّصِف بالحياد يمكن عزلها أو تحييدها أو تجاهلها.

أمّا الخطأ الاستراتيجي الثاني وهو أيضا مشترك بين نقابتيْ التعليم الأساسي والثانوي، فهو أن نقابات التربية ومنظمتها الجامعة، تعتبر مسألة التربية والتعليم مسألة قطاعية يُمكن تسويتها وإصلاحها وتحقيق مكاسب فيها من خلال خوض معارك تقليدية وقطاعية معزولة ومنفردة، والحال أن مشكلة التربية مشكلة وطنيّة عميقة وعويصة، يحتل فيها المربي موقعا أساسيا ويحتاج تثمين هذا الدور معنويا وماديا إلى رؤية إصلاحية شاملة تنخرط في النهوض بها كل القوى الوطنيّة. وقد فشل الاتحاد في فهم المسألة التربوية وتقديم رؤية متكاملة تساعد على تأسيس تصوّر جديد للمنظومة التربوية (باستثناء بعض الورقات أو مساهمة بعض النقابيين في لجان “إصلاح” أعتبرها غير جادّة).

أخطاء نقابات التعليم لم تقتصر على ما هو استراتيجي بل امتدّت إلى المسائل التكتيكية، وفي كلا القطاعيْن حيث عمدت هذه النقابات إلى توسيع مساحة المعركة زمنيّا وعلى مدار سنة كاملة، وضيّقت من جهة أخرى مجال استخدام وسائل الصراع فاقتصرت على حجب الأعداد مرحليّا (في كل ثلاثيّة)، الذي لم يكن ناجِعا بما يكفي باستثناء حماية المربّي من دفع “ضريبة” النضال، ورغم هذه الحماية فقد ضاقت صدور جزء هامّ من المربّين بـِ”تخزين” بيانات الأعداد لديْهم، ربّما بدواعي المسؤولية الأخلاقيّة  التي ما يزال يحتفظ بها ويحرص عليها جُلّ المربّين (معلمين وأساتذة). في المقابل شعرت السلطة بشيء من الاطمئنان على انتظام سير العملية التربويّة رغم ما يشوبها من ارتباك، وخيّرت بدل الاستجابة لمطالب المربين أن تنتظرهم في نهاية الطريق (السنة الدراسيّة).

 واِنتقل الضغط بذلك من الوزارة إلى النقابة، وأصبح النقابيون – وهذا جليّ في تدخلاتهم- يبحثون عن حلّ قبل أن ينْسَرِبَ منهم الزمن الذي لم يبق منه الكثير، وتنتهي السنة الدراسية دون حاصل يُذكر لمعركة طويلة الأمد نسبيّا. وهذا ما دفع نقابة التعليم الثانوي إلى إمضاء اتفاق هزيل ، لم يقبل به معظم المربّين. وهذا الاتفاق – على هزالته – انقسم بشأن تقييمه المربون وجنّب نقابة التعليم الثانوي خطأ تكتيكيا خطِرًا، بالذهاب إلى الأقصى والمساس بالامتحانات الوطنيّة. على عكس نقابة التعليم الأساسي التي غامرت بالاستمرار في “المعركة المفتوحة”، فتورّطت تكتيكيا في خطإ حاصله المطلبي معلوم لدى الجميع، أمّا حاصِله المعنوي والتربوي فلا أحد يقدِرُ الآن على إحصاء خسائره .

الآن وقد وضعت “الحرب” أوزارها ومازال غبار المعركة يتناثر هنا وهناك، يُرافقه الكثير من حيرة الأسئلة ومرارة المآلات، حول الممكنات والحسابات والعلاقات والخيانات … إلاّ سؤال القيادات لا يُراد له أن يُطرح وهو أهمّ الأسئلة في تقديري. كما في الحرب تماما، المعنيون يذهبون بالأسئلة إلى الأطراف من قبيل: لماذا لم تتقدّم ّ ؟ أو ما منعك من استخدام سلاح كذا وكذا ؟ أو كيف تترك الخصم يُداهمك ؟..إلخ في حين أن السؤال المحوري الذي على القيادات أن تجيب عنه وتتحمّل المسؤوليّة فيه هو : لماذا دخلْتُمْ بنا حربا في غيْر أوانها ؟  وجواب السؤال، يعود بنا إلى الخطإ الإستراتيجي الأوّل الذي هو سوء التقدير وعدم القدرة على قراءة الواقع قراءة جيّدة والاندفاع والتشنّج. فالعمل النقابي ليس معاندة ولا مكابرة وما هو أيضا بـ”حرب طواحين” دونكيشوتيّة لا نفرغ منها حتى نعود لها. فمَنِ الذي يضعُ حدّا لِـدنكيشوتية القيادة ومن يحمّلها مسؤوليّة الإضرار بهذا المشترك التاريخي (إ.ع.ت.ش)؟

هناك أيضا سؤال آخر لا يقلّ جديّة عن الأوّل، والبحث له عن جواب قد يضيء لنا طريق المعارك القادمة ضد السلطة : لِـما لم يُحقق المربّون شيئا ذا بالٍ رغم المعارك المتكرّرة ورغم إقرار الجميع تقريبا لهم بـِـوَجاهة المطالب وأحـقّـيتها ؟؟ والحال أن رئاسة الجمهورية أقرّت بالوضع الصعب للمربّين ودعتْ إلى تحسينه ماديّا ومعنويّا، كما أن وزراء التربية الحالي والسابق والذي سبق، وسابق السّابِق، اعترفوا جميعا بالوضع المزري للمربين وأقرّوا بضرورة تحسينه، ناهيك عن المنظمة الشغّيلة في شخص أمينها العامّ ومكتبها التنفيذي حيث تتالى تصريحاتهم حول تدهور المقدرة الشرائية للمربّين وتراجعهم في مستوى سلم التأجير والثناء على المهمة التي يقومون بها. وفي ساعة الحسم ترسل للمربين الكثير من القُبل محْشُوّة بكثير من الضغط … فهل يعني أن المربّين لم يعرفوا من أين تؤكل الكتف ولم يقدِروا على حسن اِستثمار هذه الاعترافات الصادرة عن السلطة أو عن المركزية النقابيّة؟

إن سلطة تقِرّ للمربّي بحقهِ في مستوى الخطاب والقول وتمنعه عنه في الواقع، هي سلطة ماكرة وناكرة، وتدعم بسلوكها هذا فكرة “المزيد من الضغط” على السلطة لكيْ تستجيب. وهذا ما يُشرّع لكل متعاطٍ مع السلطة، الاستمرار في تكوين مجموعات الضغط والاصطفاف خلفها من أجل انتزاع الحق من السلطة/الدولة. وليس اتحاد الشغل إلاّ أحد هذه المجموعات الضاغطة والناجعة، لكنّها أصيبت بنخْرٍ سوسيّ عضال، قد تحتاج بعض أعضائه للبتر من أجل أن يتعافى و “يثوب إلى رشده” بعد أن بدأ الرشد في التلاشي …             

فالاتحاد العام التونسي للشغل كقيمة رمزية واعتباريّة تضرر كثيرا وتراجعت مكانته، حتى لدى النقابيين أنفسهم خاصّة مع القيادات الحاليّة (الوضع يُغني عن ذكر الأسماء). وعن نفسي كنقابي قاعدي من الأحزمة الداعمة، أجدُني غير قادر وغير متحمّس وغير معنيّ بسماع أيّ خطاب أو أيّ تدخّل إعلامي أو حتى قراءة أيّ بيان أو بلاغ يصدر عن الاتحاد العام التونسي للشغل وقيادته الحالية (الأمانة العامة والمكتب التنفيذي).لأوّل مرّة يُغادرني الاعتزاز بالانحياز لهذه المنظمة العريقة والانخراط فيها والدفاع عنها. لأوّل مرّة تهتزّ الثقة بداخلي وبيني وبين هذا الاسم العظيم ذي التاريخ المجيد “الاتحاد العام التونسي للشغل”. لأوّل مرّة أشعر تجاه بطحاء محمد علي، بالكثير من البؤس أو ما يقرب اليأس. لأوّل مرّة أشعر بانهيار داخليّ لقوّة الخير تلك بداخلي. وأخطر الأشياء على المقامات وعلى القامات والهامات أن ترتج وتتهاوى وتسقط من الداخل ولو رمزيّا.

 لا أشك في أنّ مثل هذا الشعور بدأ يسري لدى الكثير من النقابيين وخاصّة لدى الأحزمة النقابية الداعمة دائما. وهذا يؤشّر على أن المنظمة (بقيادتها الحالية وربّما القادمة) فقدت كثيرا من بريقها وحضورها لدى عموم التونسيين. وبدأت المنظمة تتوغّل تدريجيا في الاتجاه الخطأ، وبدأ بريقها يخفت حتى لدى القواعد. وتـُـمعِـن القيادة في نفس الوِجهة، ويستمرّ تراجع قيمة المنظمة لِـيطال النقابيين من غير القيادات المهيكلة، وبدأ يتسرّب القلق والاستياء إلى بعض القيادات النشيطة والمنتظمة، وكم أخشى أن يستمرّ تراجع قيمة المنظمة لدى مُنتسبيها، ويستمرّ الصّممُ لدى القيادة، ما يعني أن النقابيين لديْها مجرّد أرقام ، انخراطات للخزينة ونيابات للمؤتمر. الأرقام مهمّة ولا يجب إغفالها، نعم، لكنها ليست وحدها ما جعل الإتحاد العام التونسي للشغل واقفا، صامدا، شامخا …

انظروا في القيمة الاعتبارية وانظروا في المعنى وفي الرمزية والأمل وهي كلها مما كان يمثله الاتحاد، إنكم إذا أغفلتم كل ذلك وعنيتمْ فقط بحسابات الأرقام وأعداد النيابات، حتى وإن مثـّـلت لكم اليوم انتصارا، فهي مجرّد أرقام  لِعقل “حسبوتيّ” ستنقـلِـب حتى على من “عـلـّـمها” الحساب. ساعتها سيسقط الكل على الكل، ويبكي الكل كالعجائز عن منظمة عريقة لم يقدروا على حفظها كأمناء على الإرث وقادة للمستقبل، بل خرّبوها من الداخل، كما يتلهّى الصبيان بما لم يقدّروا قيمته الحقيقية … وكم أخشى أن تكون المنظمة اليوم تحت طائلة “قانون بن خلدون”، النشأة والعتوّ والانحدار، فيكون الاتحاد قد بلغ أقصاه وتوّجه بجائزة نوبل “للحوار”، وهو اليوم كمنظمة في طريقه إلى الاندحار أو انحسار مربعات الحركة، وهذا ممكن .. ربّما لِـقِلّة النقابيين فيه وكثرة “النقابْجِيّه”.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*أستاذ تعليم ثانوي

أكمل القراءة
تعليق واحد

1 Comment

  1. علي

    29 يوليو 2023 في 17:06

    مع الاسف سي توفيق (خرّبوها من الداخل، كما يتلهّى الصبيان) …
    و لأن استيائي فات كل مستوى الكلام فلقد قررت السكوت و السلام …

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

منبـ ... نار

غسّان كنفاني في فضاء غزّة

نشرت

في

8تموز1972) الذكرى السنوية لاغتيال غسان كنفاني: اختزال الشخصية وتشييئها -  الملتقى الفلسطيني

إن تفاقم الجريمة الصهيونية في غزة خاصّة منذ 7  أكتوبر  المنقضي وإنّ هول الدّمار وأشكال الموت التي تحمله إلينا الصورة بكل أصنافها قد يخلّف فينا – بالإضافة إلى التعاطف الإنساني اللامشروط – مشاعر أخرى متضاربة غريبة.

فتحي بوغرارة

 وأزعم أنّ بعض هذه المشاعر على الأقل غير مسبوق منها الخجل من أغلب ما وضعناه سابقا في خانة الصعوبات والمشاكل، ومنها الإحساس بما يمكن تسميته “بالفخر الهش” ونحن نتابع إصابات يوميّة تحققها المقاومة الفلسطينية الباسلة في صفوف العدو الصهيوني المرتعب، ولكنها إصابات لا تُنسي ما بقي فينا من عقل تباعد موازين القوى الحربية والمالية في هذه المعركة ولا تُنسينا تجدّد خذلان حكومات العرب لشعوبها، فتتجاور بوارق الفخر فينا مع ما أدمنّا عليه من عميق الحزن والخسران العربيين …

حين فكّرت مرارا في كتابة بعض الكلمات تصدمني الصور مجددا لتحمل أهوالا صباحية وليلية جديدة، فتكتئب الكلمات وتنكمش ثم تذوي، فما الكلام الذي يمكن أن يكون في مستوى هذه المأساة/ الملحمة الفلسطينية؟ ما الذي يمكن أن تقدمه كلمات تائهة متردّدة إلى هذه المقاومة الجبارة وهي تعاند الموت كل يوم ؟…

إلى أن شاهدت يوما في إحدى القنوات شيخا يجلس على تلّ صغير من الحجارة هو ما بقي من منزله المدمّر ضمن حيّ سكني سُحق بالكامل في مشهد جحيمي، حمد الصحافي الله على سلامة الشيخ ثم سأله : “وين بدك تروح يا عمّ؟” فأجابه “وين بدّي روح، أنا قاعد هون على حجارة بيتي”، وهنا لمع في ذاكرتي  غسّان كنفاني لأنه – في تقديري في تلك اللحظة- أقدر الناس على فهم الدلالة العميقة لعبارة “حجارة بيتي”، فليس الحجر عند هذا المسنّ الأبيّ مجرّد حجر، وليست أرض غزّة وبحرها عند الغزّاويين مجرد أرض وبحر وليست أسواق القدس وأنهجها عند المقدسيّين مجرّد أسواق وأنهج، ليست مجرّد أمكنة أو أشياء. إنّها “فضاءات حميمة” مؤثثة بقطع الرّوح مكتنزة بجواهر الذات، كيف لهذا الرجل أن يعتبر بيتا شيّدته يداه ووضع بين جدرانه عمره وعمر زوجته  وأبنائه ثم ارتوت الأرض المقام عليها من دماء شهيدين من أبنائه كيف له أن يراه حجرا …مجرد حجر،  تذكّرت كنفاني الذي أعطى ما أعطاه للسرديّة الفلسطينية من جمالية كونيّة في رواياته الأربع المكتملة [1] ، فتراءى لي وقد مثّل بحياته وموته صورة لا تضاهى تجمع في اتّساق عجيب بين المقاومة المسلّحة بخلفيتها السياسية من جهة والمغامرة الجمالية الأدبية من جهة ثانية، كان  من أهمّ قيادات الجبهة الشعبية مقاوما للمحتلّ وللرجعية العربية وللمرض [2] ومع ذلك وجد القدرة ليعطي بعضه خالصا للأدب وخاصة للرواية من حيث هي مُنجز فني يطلب الكونيّة وإن كان ذا محمول سياسي.

غسّان كنفاني هو بالتّأكيد من أقدر الروائيين العرب على “تفضية الأمكنة”  في سرده الروائي [3](La spatialisation des lieux)  فيخلّصها من بعدها الجغرافي المرجعي ويحلّق بها في عالم المعاني والقيم الكونيّة، “فالمكان – عنده- هو المادة التي يتشكل منها الفضاء  الذي يتخذ عبر مسار الحكاية جوهره الذهني الاستعاري “.

كان غسّان كنفاني مثالا فريدا [4] للجمع بين الالتزام السياسي والحرّية الجماليّة، فبعض رواياته فيها تجريب وانفتاح على آخر أساليب السرد الروائي في زمنه (استفادته من تيار الوعي في روايته “ما تبقى لكم” مثلا)، وقد يكون هذا الجمع هو أخطر ما لاحظه العدو الصهيوني ليعجّل باغتياله، فأعطى بموته الدليل على جدوى الكلمة وفعلها.

وليس من الصدفة في شيء أن تكون الأرض موضوعا مركزيا في روايات كنفاني خاصة وفي الرواية الفلسطينية والعربية عامة، فلقد كان الفلسطينيون الشاهد الأبرز على فقدان الأرض والبيت و”العش الأليف” على حد عبارة غاستون باشلار، على فقدان الأرض زمن الاحتلال المغتصب قاتل الأطفال ومُهجّرهم.

 الفلسطيني منذ صغره متمسّك بالكلمة لأن أرضه وبيته مهددان باستمرار، ليست الكلمة والذاكرة والحلم عنده ترفا ولا مجرد لعبة مجازية إنما هما عماد للبيت الفلسطيني الأكثر أمانا منذ بدأ التهجير، لذلك يجب أن نتوقف عن بلاهة الاندهاش من فصاحة الأطفال الفلسطينيين أمام أعين الكاميرا وخاصة حين ينظرون في أعين جنود العدوّ.

الشعب الفلسطيني محكوم بالشعر والشعريّة لأن الشعر عنده ليس مجرّد كلمات منظومة موقّعة، إنه أسلوب حياة ومسألة بقاء، فأمام تهاوي العالم واندحار القيم كلّها لا خيمة تؤويه وتقيه غير خيمة الكلمة.

ربما لهذا كلّه ولغيره لم يفلت كنفاني طيلة حياته الغنيّة الشجاعة الحزينة عنان الكلمة، لذلك علينا أن نحتفي به في هذه الأيام الصعبة الموجعة، فيكون التذكير برواياته وقصصه ومسرحياته وإعادة نشرها وتوزيعها شكلا من أشكال مساندة القضية الفلسطينية عبر تجذيرها في فضاء الذاكرة الإنسانية بالكلمة الكونية الخالدة.  

إني أرى غسّان يستيقظ صباح السّابع من أكتوبر، فيقول مبتسما بعد سماع أول الأخبار: “ها نحن ندقّ على جدران الخزّان بقوّة هذه المرّة”.


هوامش:

[1]نشر غسّان كنفاني أربع روايات مكتملة هي: رجال في الشمس، ما تبقى لكم، أم سعد، عائد إلى حيفا، ثم نشرت بعد موته روايات أخرى لم يتسن لغسّان إنهاؤها وهي : برقوق نيسان، الأعمى والأطرش، من قتل ليلى الحائك؟

[2] كان مصابا بمرض السكري

[3]  اهتممت بهذا الموضوع في نطاق رسالة ماجستير في الأدب الحديث نافشتها سنة 2006 بكلية سوسة للآداب، لجنة متكونة من الأساتذة الأفاضل: أحمد حيزم رئيسا، محمد رشاد ثابت مؤطرا وعبد الله تاج مقررا، وقد أنجزتها تحت عنوان “إنشائيّة الفضاء في قصص غسّان كنفاني الروائي”

[4]  يقول يوسف إدريس في مقدمة الأعمال الكاملة لغسّان: “أحسست لأول مرة بفخر أني كاتب من كتاب القصة العربية حين استشهد غسان كنفاني”.

أكمل القراءة

منبـ ... نار

البـرابـرة يعــودون … إنهم يقتلـــون (المـلائـكة) !!!

لأن الجريمة متواصلة .. و حتى لا ننسى .. أعيد نشر المقال* الذي تكفلت الأحداث بتحيينه

نشرت

في

ليلة تحت القصف الإسرائيلي ترويها مراسلة الشرق: أشلاء أطفال غزة في كل مكان |  الشرق

و الآن ، لقد عادوا ..

لم تعد إيطاليا لوحدها بل ضمن حلف شرّير صهيو / صليبي / رجعي يجمع حوالي 30 دولة منها أمريكا و فرنسا و بريطانيا .. و قطر … لقـد عادوا باسم حماية المدنيين ..

مصطفى بوعزيزي
مصطفى بوعزيزي

و منذ 19 مارس و الغارات الجوية و القصف بالليل خاصة و على مدار الساعة لا ينقطع ، جوا و بحرا على المدن و القرى و الواحات الليبية التي نعمت بالأمان طيلة 42 سنة ، فلم تجهـّز المدن لا بالملاجئ و لا حتى بصفارات الإنذار .. أصبحت المجازر يومية و ضحاياها يوميا بالعشرات: طرابلس ، البريقة ، سبها ، سوق الجمعة ، صرمان ، الخمس ، تاورغاء … وعبر مواقع الجرائم الأطلسية ، تعرّفنا كعرب في مختلف أقطارنا و اكتشف العالم ، جغرافية لـيبيـا – تماما في نفس الظروف و بنفس البيداغوجيا التي تعلمنا عبرها جغرافية العراق و لبنان و فلسطين و السودان … و اكتشف البعض أن الكفرة ليست ميناء بحريا شرق مصراطة و أن النهر الصناعي العظيم لا يحمل مياه البحر الأبيض المتوسط بعد تحليتها في محطات ضخمة و لا يجري من الشمال إلى الجنوب بل من الجنوب نحو الشمال …

و على مسارح الجريمة كانت الطفولة حاضرة في مشاهد الدم و الأشلاء و الأجساد المتفحمة و الممزقة والأطراف المبتورة … الضحية الأولى للقصف الجوي هم الأطفال . لأول مرة في التاريخ البشري تشنّ حرب إبادة على الأطفال تحديدا و مع سابقية الإصرار و الترصد.

تقول السفاحة “غولدا مائير” رئيسة وزراء الكيان الصهيوني 1969 / 1974 “كل صباح أتمنى أن أصحو و لا أجد طفلا فلسطينيّا واحدا على قيد الحياة ” و هي قاتلة الشهداء الثلاثة: كمال عدوان و كمال ناصر و يوسف النجار . و هي أيضا من أمرت باغتيال الأديب الفلسطيني غسان كنفاني بتفخيخ سيارته وهو الذي كتب كثيرا للأطفال ، و استشهدت معه ابنة أخته “لميس”. –

في عهد الرئيس بيل كلينتون عام 1996 وعندما سألت الصحفية “ليسلي ستول” في برنامج “ستون دقيقة” وزيرة الخارجية الأمريكية “مادلين اولبرايت” عما إذا كان حصار العراق يستحق وفيات بين الأطفال العراقيين تصل الى نصف مليون طفل، ردت و دون أن يرف لها جفن: “نعم، يستحق! “… و قد تواصل الحصار البربري الإبادي طيلة 13 سنة مخلفا 1 مليون ضحية من أطفال العراق .

و لأنهم يعرفون مكانة الطفل عند العربي استهدفوه بالترويع و الحصار و التجويع والقتل و الإبادة . استهدفوه طفلا و جنينا و إرثا بيولوجيا لآلاف السنين ..

يقول حطان بن المعلى : “و إنما أولادنا بيننا أكبادنا تمشي على الأرض”

و يقول الأحنف بن قيس : ” الأطفال ثمار القلوب و عماد الظهور ، نحن لهم أرض ذليلة و سماء ظليلة” لذلك أتوهم من السماء بالقصف الجوي ، بالصدمة والترويع : بالقنابل الفسفورية و العنقودية و المشبعة باليورانيوم المنضّب … يقتلون الحاضر و يقتلون المستقبل .. بما يعنيه ذلك من زيادة كبيرة في نسب الاصابة بالاورام الخبيثة، واللوكيميا، والتشوهات الخلقية بين الأطفال و الأجنة في المدن و المناطق الملوثة بالإشعاعات النووية مثل الفلوجة، حيث أصبح الأئمة يطالبون السكان بتجنّب الإنجاب نظرا للارتفاع المهول في الولادات المشوّهة ..

إنهم يحصدون الرياحين و يقتلون “الملائكة” في فلسطين والعراق و الآن في لـيبيـا ..

يستهدفون المناطق السكنية المدنية و الأسواق و المدارس و يلاحقون الأطفال في الملاجئ وفي أحضان أمهاتهم.. و الشواهد كثيرة ، نذكرها و نذكـّر ببعضها حتى لا ننسى و لن ننسى :

– سطيف ، الجزائر . 1945 / فرنسا

– دير ياسين ، فلسطين . 1948 / العصابات الصهيونية

– كفر قاسم ، فلسطين . 1956 / الكيان الصهيوني

– ساقية سيدي يوسف ، تونس 1958 / فرنسا

– مدرسة بحر البقر . مصر 1970 / الكيان الصهيوني

– صبرا وشاتيلا ، لبنان . 1982 / الكيان الصهيوني و المليشيات العميلة

– مدرسة بلاط الشهداء . العراق. 1986 / إيران

– طرابلس . 1986 / أمريكا

– ملجأ العامرية . العراق 1991 / أمريكا

– قانا . لبنان 2006 / الكيان الصهيوني

– غـزّة . 2009 / الكيان الصهيوني

– طرابلس . 2011 / حلف الناتو

– صرمان .2011 / حلف الناتو

لقد أصبحت القيادة والشعب حالة واحدة تحت ضربات الناتو وامتزجت دماء الشهداء الطاهرة لآلاف الضحايا من الشعب المسلح و النساء و الشيوخ و الأطفال بدماء الشهداء من عوائل القيادة الليبية خاصة ابن العقيد معمر القذافي سيف العرب وأحفاده الثلاثة و عائلة و أحفاد الخويلدي الحميدي نخص بالذكر منهم خالد و خالدة الحميدي ، تقبلهم الله في فسيح جنانه .

حاولوا ، كعادتهم ، شيطنة القيادة و فصلها عن الشعب بالقصف الهمجي البربري الحاقد و بالقصف الإعلامي الأشد إيذاء و حقدا عبر “الجزيرة” و “العربية” و غيرهما من آلة الدعاية الجهنمية المربكة و المخبّلة وبفتاوى شيوخ قاعدة السيلية الأمريكية وبأن طائرات الناتو و الصواريخ المدمرة ليست إلاّ “الطير الأبابيل” التي تستهدف “الطاغية و أبناءه” … فكان أن التحمت الجماهير الشعبية بقيادتها الوطنية في مسيرات مليونية سفهت كل دعاياتهم و كشفت عن أصالة معدنها و وعيها و استعدادها للتضحية و التحمّل والعطاء

.- المجد للشهداء الأكرم منّا جميعا

– الرحمة و عليين للأطفال الشهداء طيور الجنة

– الهزيمة و العار للاستعمار و عملائه الأراذل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*تعود كتابة هذا المقال إلى 16 ـ 07 ـ 2011

أكمل القراءة

منبـ ... نار

أطفال الحروب …

نشرت

في

حرب” كلمة تلخّص معنى التعذيب و التشرّد و العراء و الجوع و الجهل و الموت القاهر ضاعت فيها طفولة الأطفال ، ضاع فيها جريهم و لعبهم دون قيود … هذا ما يعيشه أطفالنا في فلسطين وسوريا والسودان و اليمن وغيرها من البلاد الشقيقة .. ماهذا السكوت … ما هذا التغاضي!!

رتيبة سليم

قد لا تكفينا الكلمات للتعبير عن أحوال هؤلاء الضحايا الذين انتشروا في كلّ أنحاء العالم مشرّدين بين بلدان و مخيّمات ويعيشون حياة كلّها قهر و وحشة و معاناة … ولا عين تنظر إليهم !! طفولة تخلو من الحياة لم تنل سوى ركام الحرب وأشلاء الضحايا … طفولة ممزوجة بالموت والدم والتهجير والعنصرية والقسوة . الآلاف بل مئات الآلاف من هؤلاء الأطفال يذرفون دموع الحُرقة وفي لحظات تأمّل لهذه المشاهد الموجعة يبدأ الضجيج بداخل من يحملون الضمير في صراع بين الإنسانية والتجاهل لهذه الطفولة البائسة . صمت .. وصمت يخيّم عليكم يا عرب … صمت عربي شديد القسوة…لنقل اللعنة على من وأد البراءة …

طفولة تتلظّى على نار الأسى والجوع والفقر حرمت من الحرّية و استكثر فيهم العالم قليلا من الأمان… تزداد بنا الحيرة يا عالمنا العربي الذي تستّر خلف الصمت عن كلّ شيء ليخيّم الظلام على وقع القصف والتّهجير من دنيا السلام إلى متاهات لا نعرف منها مخرجا … ألا يزلزل دواخلكم صراخ طفولة تصيح خوفا و فزعا و ألما، طفولة قدمت للدنيا بحبّ وفرح و أمل ولكن لعنة الحرب أخذت منها الحياة وأفرطت عقد العائلات و نثرت حبّاته في ارض السراب و الزيف لتجري كلّ حبّة في إتّجاه …

يبحثون عن استقرار لن يتمتعوا به ما لم يعودوا إلى استنشاق وطن كان آمنا قبل أن يدهمه الخراب … هربوا بحثا عن النّجاة ولكنّه لم يكن سوى هرب من الموت و إليه … وصرخة الإنسانيّة و إستغاثة الطّفولة التي تدوّي في هذا العالم المليء بالصخب الصامت لم تصل لآذانكم أو ربّما أنتم عمي صمّ بكم لا تفقهون … و كأنّ اصحاب الأمر يقولون تعدّدت الأسباب والموت واحد.

لتنظروا يا عرب لأجيال من بلدان الدمار ضاعت أحلامها و صار يطلق عليها اسم “لاجئين” و “مشرّدين” دون هويّة … مسح القصف ذكرياتهم مسح كلّ أثر للجمال من أوقاتهم … خمدت أصوات اهازيجهم تحت أصوات المدافع وهدير الطائرات و مات حلمهم البسيط …. هم لا يطلبون منّا سوى طوق نجاة من الموت المحتّم بلقمة تسد وطأة جوعهم الكاسر و وطن يحضنهم و مدارس تنقذهم من براثن الجهل والرعب و تنقي أنفاسهم من رائحة الدم …

أليس في مدار اهتماماتكم هذه الطفولة بدلا من التكالب على السلطة …اطفالنا مازالوا يموتون و ويواجهون أخطارًا و نحن نتفرّج بعيون لا ترى وألسنة لا تنطق و نصمت عن أحزانهم و آلام في عيونهم تديننا…

أكمل القراءة

صن نار