تابعنا على

جور نار

قراءة في توزّع مترشّحينا على أنواع الباكالوريا

نشرت

في

أتمنّى أولا النجاح والتوفيق لكل المترشّحين الجدّيين والمُثابرين المُكابدين للباكالوريا هذه السنة،  التوّاقين إلى إحراز أفضل المعدّلات وتحقيق أفضل النتائج التي ستُتيح لهم انتزاع المواقع الجامعية التي حلُموا بها والاختصاصات التي لا يتصوّرون أنفسهم متألّقين إلا في ثناياها،

منصف الخميري Moncef Khemiri
منصف الخميري

كما أحيّي ثانيا آلاف التربويين والأمنيين المجنّدين لمراقبة الامتحانات وإصلاحها وتأمينها والسهر على سيرها في أفضل الظروف الممكنة، وبخاصة الأساتذة المصحّحين السّاعين إلى تحقيق أكبر قدر من الانصاف والموضوعية أمام أوراق امتحان لا يعرفون من هويّة أصحابها سوى منسوب الأمل العالي الذي زُرع فيها. وأعتقد أن التناول المجتمعي الواسع لمُجريات امتحانات الباكالوريا كحدث وطني بارز يمسّ الأغلبية الساحقة من العائلات التونسية، يعكس معطيَيْن على غاية من الأهمية في السياق التونسي اليوم :

  • دراسة الأبناء مازالت من حسن حظّ تونس تحتل موقعا مركزيا في اهتمامات العائلة التونسية وتُنفَق من أجلها الأموال الطائلة بل وتُباع من أجلها العقارات وتُرهن الأساور والأقراط، إيمانا عميقا منها بأن عقلية الكَفاف و”دبّر راسك تبات متعشّي” ولّى عهدها لكونها تشبه الكائنات البريّة أكثر…لفائدة منوال جديد يُجِلّ العلم والمعرفة لذاتهما ويطمح بواسطتهما إلى نيْل مُتع تندرج في سياق ما فوق الحسّي البسيط.
  • طموح التونسيين جميعهم إلى حسم المعركة الدائرة منذ سنوات بين مسلكين كبيرين يراودان فئات واسعة من شبابنا : مسلك المدرسة بمتطلباته وإكراهاته وحسن الاستعداد لخوضه، ومسلك المفسدة بإغراءاته ومخاطره ويُسر الإقبال عليه. ..حسم هذه المعركة الضّارية لفائدة ما يضمن سلامة أبنائنا وبناتنا وما يجعلهم في نفس مستوى شباب العالم المتقدّم … وأكثر.

ما يصدم لأول وهلة في الإحصاء العام للمترشحين لامتحان الباكالوريا (والذي لا يقول كل شيء للأسف بل يُخفي حقائق مرعبة أحيانا) هو :

أولا : عشرون ألف من المترشحين يفِدون من المعاهد الخاصة

وهو عدد غير قليل ( 15%) قابل للتضخّم خلال السنوات القادمة أمام الوهن الكبير الذي أصاب المدرسة العمومية وأعداد المستوفين حقّهم في الدراسة المتعاظمة والذين عجزت المنظومات الموازية عن استيعابهم وإعادة إدماجهم. إضافة إلى بروز مؤسسات خاصة تنشد “النموذجية” من خلال نوعية الكفاءات المنتدبة وظروف الدراسة وتستقطب عددا لا بأس به من العائلات المهاجرة الفارّة من نكد المدرسة العمومية وخيباتها.

ثانيا : ماضون رأسا نحو مدرسة دون  رياضيات، العمود الفقري لمعارف المستقبل

6 % فقط (8673 تلميذا) من المترشحين ينتسبون إلى شعبة الرياضيات التي تمثّل في منظومتنا التربوية التونسية خزّان الموارد التلمذية التي تتغذّى منها مسالك التميّز في التعليم العالي، وخاصة الأقسام التحضيرية للدراسات الهندسية والاختصاصات العلمية وبعض مجالات التصرف في مؤسسات جامعية بعينها. وهو انكماش مذهل مقارنة بالانتفاخ غير السويّ في شعب أخرى لا يُفتح أمامها ما يكفي من الآفاق الواعدة، ومقارنة أيضا بالحال التي كانت عليها هذه الشعبة خلال سنوات خلت لمّا كانت نسبة التوجيه إلى شعبة الرياضيات لا تقلّ عن 20 %. لكن الأخطر من ذلك حسب تقديري هو ما تُخفيه هذه النسبة الوطنية الكئيبة أصلا من تفاوت كبير بين الجهات والمعاهد في نفس الجهة أحيانا، حيث لا تزيد في بعض ولاياتنا الداخلية عن 1 أو 2 % واندثار نهائي لشعبة الرياضيات في بعض المؤسسات التربوية.

ثالثا : تورّم سرطاني في شعبة الاقتصاد والتصرّف لا يُنبئُ بأي خير

35% من جملة المترشحين للباكالوريا هذه السنة (أكثر من 48 ألف تلميذ) يعشّشون في شعبة الاقتصاد الشبيهة إلى حدّ كبير بخاصيّة من خاصيات الشخصية التونسية القاعدية وهي “الأخذ من كل شيء بطرف” و “تسليك الأمور بدلا من تعهّدها ببسالة” و “شوي شوي من كل شيء” الخ… لأنها تتطلب عند الالتحاق بها في السنة الثانية ثانوي قدرا من الرياضيات يكون غير مخجل ونزرا قليلا من الانكليزية وحبّتين جغرافيا مع وجود استحالة في الالتحاق بأية واحدة من الشعب الأخرى الحازمة أكثر في انتداب منتسبيها (باستثناء شعبة الآداب).

المشكل في أن هذا التضخّم غير الطبيعي في شعبة “مرنة أو ليّنة شيئا ما في تقدير التلاميذ وأوليائهم” يكون عادة على حساب توازنات أساسية في علاقة ببقية مكوّنات خارطة المسالك والشعب في التعليم الثانوي، زد على ذلك أن جمهور الاقتصاد والتصرف عُرف في جزء كبير منه على الأقل بكونه غير مؤهّل من حيث تكوينه الأساسي لمعاندة المتفوّقين في شعب أخرى مثل الرياضيات والعلوم التجريبية خاصة عندما يتنافسون جميعهم على نفس العروض المفتوحة أمام كل الباكالوريات بنسب محدّدة سلفا… إضافة إلى كل ذلك، ثمة مفارقة أخرى تتمثل في أن التعليم العالي يسعى دائما (باعتباره المتصرف الوحيد والأوحد في توزيع الناجحين في الباكالوريا على ما يعرضه من مسالك تكوينية) إلى تعبئة اختصاصات التميّز المتصلة بالمحاسبة والمالية والتصرف والتسويق والتجارة والبنوك والتأمين والموارد البشرية وإدارة الأعمال … (أي كل تلك الاختصاصات المحسوبة أصلا على من درس شيئا من أصولها ومبادئها في شعبة الاقتصاد والتصرف في التعليم الثانوي) تعبئتها بشكل أساسي بناجحين قادمين من الرياضيات أو العلوم التجريبية رغم جهلهم تماما بأساسيات هذه الاختصاصات لكنهم يستقوون بتميّزهم في مادة الرياضيات والمجالات المرتبطة بها.

رابعا : شعبة علوم الإعلامية، فخامة التسمية يخذلها بؤس التعامل معها في التعليم العالي

7% (9282 تلميذ) من المترشحين لامتحان الباكالوريا ينتسبون إلى شعبة الإعلامية وهي نسبة متقاربة جدا مع شعب الرياضيات، وهنا أقول مباشرة إن دمج هاتين الشعبتين في مسلك واحد نُطلق عليه “شعبة رياضيات إعلامية” أو – وهو الاختيار الأسلم ربما – الإبقاء على شعبة علمية جامعة واحدة تمتد على ثلاث سنوات، وتُلوّن خلال السنة الأخيرة إما باختيار الإعلامية لمن ينوي متابعة دراسته الجامعية بمسالك الرقميات بصورة عامة (دون غلق الباب أمامه إن هو عدّل رأيه ورغب في التوجّه نحو اختصاصات أخرى غير مرتبطة عضويا بالإعلامية وتطبيقاتها) أو باختيار الرياضيات “العليا” لمن ينوي الالتحاق بالدراسات الهندسية والعلوم الصحيحة، أو اختيار البيولوجيا بالنسبة لمن يستهدف شعبا مثل الفلاحة والبيولوجيا والطب والاختصاصات شبه الطبية.

مشكلة مسلك الإعلامية (غير الموجود أصلا في أغلب المنظومات التربوية في العالم باعتباره مجالا مرتبطا أشد الارتباط بالرياضيات ومندمجا فيها) أنه لا يجد ترحيبا واسعا من قِبل التعليم العالي الذي يفضّل عليه الرياضيات، خاصة بعد تجارب السنوات الأولى في المراحل التحضيرية للدراسات الهندسية فينتج عن ذلك تحديد طاقة استيعاب بمقعد يتيم أو مقعدين في بعض الاختصاصات يتنافس عليها مئات المترشحين من حاملي باكالوريا إعلامية، فترتفع مجاميع النقاط بشكل تعجيزي وتُسدّ طرق الالتحاق بشعب هي الأقرب نظريا إلى حاملي هذه الباكالوريا.

وكأنه في وعي التعليم العالي غير المنطوق تنقسم الافاق المفتوحة في الجامعة في مجالات الإعلامية وما جاورها إلى آفاق “صلبة” أي الاختصاصات المرموقة المفتوحة بعد المناظرة الوطنية للدخول إلى مدارس الهندسة والتي لا يقدر عليها سوى المتميزين القادمين من شعبة الرياضيات، مقابل صنف ثان من اختصاصات “الدرجة الثانية” الشبيهة باختصاصات مؤهل التقني السامي في التكوين المهني مثل تكنولوجيات الإعلامية في المعاهد العليا للدراسات التكنولوجية والإعلامية الصناعية الخ… المصمّمة لاستيعاب حاملي باكالوريا إعلامية.

أخيرا

الحل في اعتقادي لا يكمن في التعسّف على النسب وتوزيع التلاميذ على الشعب المدرسية المعروضة بشكل مغشوش يحقق نوعا من التوازن الزائف بين مختلف الشعب المدرسية، بل يتمثل في مراجعة جوهرية للتعلّمات في كل المستويات ووضع خطة وطنية تنهض بمستوى المكتسبات الأساسية خاصة في التعليم الأساسي، وكذلك إقدار المعلّمين والأساتذة على التعامل بشكل مختلف مع هذه المواد عبر مناهج جديدة ومقاربات مجدّدة.

أكمل القراءة
2 تعليقان

2 Comments

  1. فرج الفارح

    12 يونيو 2023 في 15:18

    التوجيه الجامعي منفتح على التوجيهي المدرسي ولكل بساطة يمكن اعادة النظر في التوجيه المدرسي بشكل يجعله اكثر مردودية ونجاعة في ما يتعلق بالتوجيه الجامعي من حيث التشعيب ومن حيث التشغيلية وذلك بادماج شعبتي الاقتصاد والتصرف وعلوم التعليمية في مسلك العلوم وافراد شهية العلوم التقنية بمسلك مستقبل فيكون التعليم الثانوي متضمنا الثلاثة مسالم الاداب والعلوم والتكنواوجيا ويتضمن مسلك العلوم شعب الرياضيات والعلوم التجريبية وعلوم التعليمية والاقتصاد والتصرف. وعلى هذا الاساس نضمن جدية الأكويني الأساسية حيث تكون الرياضيات مادة أساسية مع مواد أخرى مميزة الشعبية. وتستقل شهية العلوم التقنية فتصبح اكثر تواجدا في الخارقة التوجيهية.ويراعى في ذلك الاعتبارات التشغيلية وطمانة المؤسسات الجامعية على الوثوق بملامح وتكون هؤلاء المتخرجين اذا دعمنا ذلك بشبكة تعلمات متطورة وحرصنا على نظام تقييم يدعم التركيز.

  2. الهادي العثمني

    12 يونيو 2023 في 18:56

    تحليل جيد ودقيق والمشكل مستمر منذ سنوات، لكن في تقديري لا تكفي مراجعة التعلمات دون مراجعة أساليب التقويم و آلياته؛ خاصة وأن المراجعات السابقة للتعلمات أدت إلى مزيد الدروس والفروع والمعارف.لا بد من نظر في ما جد ضمن المنظومات التربوية في السنوات الثلاثين الأخيرة، واستبعاد أسطورة التأسيس في السنوات الستين أو السبعين

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“زيدها شويّة”… أو كيف نُواجه سعير الأرقام في تونس

(من خلال أمثلة حيّة)

نشرت

في

ذكّرني التغيير الذي حصل مؤخّرا على رأس المعهد الوطني للإحصاء (احتمالا على خلفية دكتاتورية الأرقام التي لا تُجامل ولا تُعادي) بجملة من الأحداث والوقائع التي عشتُها شخصيا في أكثر من موقع والمُثبِّتة لعقليةٍ تشكّلت في بلادنا منذ العهود السابقة.

منصف الخميري Moncef Khemiri
منصف الخميري

 مفادُ هذه العقلية  كسْر المحرار إذا باح بنتائج لا تتطابق مع انتظارات المسؤول السياسي، والهروب بصناديق الاقتراع عندما كان يتوقع طلبة التجمع الحاكم عدم الفوز  في انتخابات المجالس العلمية كما كان يحصل في الجامعة التونسية… وعقلية “زيدها شوية” هذه نجد لها أثرا أيضا في نسيج العلاقات الأسرية وفي تعاطي عموم الناس مع الظواهر المختلفة وتفاصيل حياتهم اليومية، لأن الترقيع في ثقافتنا أعلى صوتا دائما من المعالجة الجذرية لمصادر أوجاعنا، وآليات والتسكين والتخفيف والتليين والتقليل والتمسكين منوالٌ قائم بذاته في رُبوعنا.

فعلى سبيل المثال عندما يُنتهك حقّ البنت في الميراث، لا يُجمِعُ أغلب الناس على إرجاع الحق إلى أصحابه بل يجنحون إلى المحافظة على الوضع القائم مع إضافة جملة ترقيعية  “زيدها شوية ووخيّان كيف آمس كيف اليوم” … وعندما تعوجّ حيطان البنّائين المُبتدئين تجد دائما من يحاول التنسيب بشكل ماكر “ثمة شوية عوَج صحيح آما توة باللّيقة تتسوى” … وعندما يعجز بعض الأطباء عن تشخيص مرض ما بدقّة، يسقطون في ما يُشبه تقليعات التنمية البشرية  “والله ما عندك شيْ، المشكل الكل في راسك، عندك برشة هلواس. آقف قدام المراية وصيح مانيش مريض توة ترتاح”…

المثال الأول : نسب النجاح في السنة الأولى بكلية العلوم

في بداية الألفية الجديدة، طلب المسؤول الأول عن مكتب الدراسات والتخطيط والبرمجة التابع للديوان بوزارة التعليم العالي، من رئيس مصلحة متابعة النتائج الجامعية (السيد ت.ع وهو من روى لي تفاصيل الحادثة) مدّه بنتائج آخر السنة الجامعية بالنسبة إلى كلية العلوم بتونس، فلمّا لاحظ أن نسبة النجاح العامة (في كل الاختصاصات مجتمعة) تراجعت خلال ذلك العام من 33 إلى 27 % أشعل سيجارة وسحب منها نفسا عميقا كمن يبحث عمّا يُساعده على ابتلاع نسبة التراجع التي سيُسأل عنها أمام وزيره آنذاك…ثم قال له في شبه توسّل “لا شويّة بالكل سامحني سي فلان، من رايي تزيدها شوية”.

المثال الثاني : في نفس الوزارة

في 2007، عندما انطلق تطبيق منظومة إمد على مراحل وكانت شهادة الأستاذية ماتزال قائمة جزئيا ريثما تحلّ محلّها شهادة الإجازة، طلب الوزير من المدير العام للشؤون الطالبية مدّه بإحصائيات حول مدى إقبال التلاميذ الناجحين الجدد في الباكالوريا على الإجازات الجديدة مقارنة بإقبالهم على الأستاذيات. ولمّا كانت النتائج الأوّلية مؤكدة لتوجّه الناجحين في الباكالوريا أغلبيّا نحو اختيار شهادة الأستاذية بدلا من الإجازة الجديدة، وبالتالي مُخيّبة لآمال من كان يتوقّع أن “إصلاح إمد” سيُعطي أُكله مباشرة بعد الشروع في إنفاذه بما يبرّر وجاهة الاختيار وسلامته، تمّ التشكيك في سلامة الأرقام فأعيد الاحتساب من جديد لتستقر نتائجه على نفس ما عبّر عنه المسح الأوّل، فلم تبق لديهم أية ذريعة سوى تسجيل ذلك على حساب ضعف الإعلام وجهل الأغلبية الساحقة من الأولياء بمزايا النظام الجديد… “وعلى أية حال توة نزيدوها شوية نسبة الإقبال على الإجازات في التدخلات الإعلامية دون تقديم أرقام دقيقة حول المسألة” … كانت هذه هي الفتوى التي أوجدوها للخروج من المأزق.

المثال الثالث : مشاركة التلاميذ التونسيين في تقييم “بيزا”  الدولي

كانت تونس من أولى الدول العربية التي تشارك في البرنامج الدولي لتقييم الطلاب “بيزا”، وذلك منذ سنة 2003، وهو تقييم دولي لقيس قدرة الطلاب في سن 15 عامًا (أي نهاية السنة التاسعة أساسي لدينا) على استخدام معارفهم ومهاراتهم في القراءة والرياضيات والعلوم لمواجهة تحديات الحياة الواقعية كل 3 سنوات. سنة 2015 احتلت تونس المرتبة 65 على 70 دولة مشاركة في الاختبارات (رتبة تقاسمتها تونس مع لبنان ضمن هذا التقييم الذي شمل عيّنة من 540 ألف تلميذ من مختلف أنحاء العالم).

وبدلا من مُواجهة الأسباب العميقة التي أدّت إلى تصنيف تلاميذنا التونسيين في ذيل الترتيب العالمي وهو مؤشر تُنكّس له الأعلام الوطنية لأنه يعكس وضع الوهن الموجع الذي باتت عليه منظومتنا التربوية، اختارت دولتنا أن تُقاطع هذه المحطة التقييمية الكونية مُفرغةً المحرار من زئبقه وضخّه ضمن خطابها الرسمي القائل بأن المؤشرات التي ينبني عليها التقييم صُنعت على مقاس التلميذ الأوروبي والسنغافوري والياباني وليس على مقاس التلميذ التونسي الذي يدرس ضمن بيئة خصوصية ووفق برامج ومناهج خصوصية !

المثال الرابع : 0.4 نسبة نموّ ليست من شِيمنا

دوّن المؤرّخ الجامعي نورالدين الدڨي على صفحته الرسمية يوم 23 مارس ما يلي :

“المعلوم أن المعهد الوطني للإحصاء لا يستنبط الأرقام؛ وليس مطلوبا منه تزويقها؛ فمهمته حسب نصوصه الـتأسيسية : “جمع المعلومات الإحصائية الخاصة بالبلاد و معالجتها و تحليلها و نشرها بالتنسيق مع الهياكل العمومية الأخرى”، وما نشره المعهد مؤخرا عن نسبة النمو الاقتصادي بتونس لسنة 2023 التي حددها ب 4 .0 بالمائة، وعن نسب البطالة : 4 .16 بالمائة، هو انعكاس أمين لقدرات الجهاز الإنتاجي الوطني…”

لكن وكما أسلفنا بالنسبة إلى الأمثلة السابقة، بدلا من مُعالجةٍ رصينة ومتأنية للأسباب الحقيقية والعميقة التي أدّت إلى هذه النتائج الموضوعية، تمّ اللجوء إلى إجراء تحوير على رأس هذه المؤسسة الوطنية ذات الطابع التقني والخِبري الصرف التي ظلّت علاقتها بصاحب القرار السياسي على مرّ السنوات منذ تأسيسها سنة 1969 مُتأرجحة بين نشر الأرقام كما هي أو في أسوإ الأحوال التعتيم عليها وعدم الإدلاء بها قصد التداول العام ولكن (وحسب شهادة عديد الكفاءات التي مرّت بنهج الشّام وتعمل اليوم بمؤسسات دولية وإقليمية مرموقة) لم يحدث أن تمّ تزوير الأرقام أو التلاعب بها.

أستعيد في النهاية ما قاله أحد المفكّرين “يمكنك أن تراوغ رجال الشرطة لكنه من الصعب جدا مراوغة بداهة الإحصائيات”.

.

أكمل القراءة

جور نار

إنت وما جاب العود… عن مسلسلات رمضان

نشرت

في

أخبار مسلسلات رمضان 2024: مواعيد عرض مسلسل فلوجة 2 بطولة ريم الرياحي في  رمضان 2024 والقنوات الناقلة - المشهد

عبد القادر المقري:

لي شبه يقين أن مسلسلاتنا التونسية (تماما كسينمائنا) محظوظة حظا يكسر الحجر كما يقال … فهي أقرب ما تكون إلى تلاميذ ذات فترة من عمر وزارة التربية، وهي تجربة المقاربة بالكفايات … لا أحد يأخذ صفرا، لا أحد يسقط في امتحان، لا أحد يعيد عامه، ولا أحد يتم طرده لضعف النتائج …

عبد القادر المقري Makri Abdelkader
عبد القادر المقري

بل لا قياس أساسا لأي جهد … الكل ناجح، والكل ممتاز، والكل متفوق، والكل نابغة بني ذبيان … والدليل أننا عند نهاية مهرجان من مهرجاناتنا أو عرض فيلم من أفلامنا، لا تسمع سوى الشكر، ولا تقرأ سوى المدح، و لا ترى سوى الحمد على نعمة السينما والذين أدخلوها إلى تونس … تماما كما يحصل عقب كل رمضان مع أعمالنا الدرامية، إن وُجدت … فدائما عندك جوائز لأحسن عمل، وأفضل مخرج، وأبرع ممثل، و أقوى سيناريو، وأكبر وأجمل وأبهى وأمتع وأروع … يا دين الزكش، كما يقول صديقي سلامة حجازي … يعني كل بلاد العالم (بما فيها هوليوود وبوليوود وقاهرة وود ودمشق وود) تنجح فيها أعمال وتفشل أعمال، إلا عندنا فيبدو أننا الفرقة الناجية …

… أو فرقة ناجي عطا الله !

هذه السنة، أتاح لي زميل مسؤول بإحدى الإذاعات أن أتفرج على قسم كبير من مسلسلين تونسيين مرة واحدة… قلت أتاح لي بعد أن رجاني مشكورا أن أدلي برأيي في هذا وذاك، وأنا اليائس منذ أعوام من مستوى مسلسلاتنا خاصة حين جنح معظمها إلى تقليد عمل أعتبره كارثة فنية بكل المقاييس، وهو مسلسل “مكتوب” … وصار الكل يستنسخ منه استنساخ أهل الغناء والمسرح لعرضي النوبة والحضرة طوال الثلاثين سنة الأخيرة … وكيف لا يفعلون وهم وجدوا الوصفة السهلة التي لا تكلّف تعبا ولا وجع رأس … فمثلما بإمكانك أنجاز “عرض” فني لا نص فيه ولا فكرة مبتكرة بل تكديس جملة من أغاني التراث وإلصاق بعضها ببعض، بإمكان الواحد أن “يبيض” مسلسلا لا قصة فيه ولا حوار ولا سيناريو… فقط عندك ركام من عارضي وعارضات الأزياء، يقولون في ما بينهم كلاما من الحزام فما أدنى منه، ويعيشون في بذخ لا تحلم به أميرة خليجية، ويستبيحون القوانين أصغرها وأكبرها، ولا قيم توقفهم ولا منطق ولا نواميس مجتمع … عكعك وهي حالّة معك، كما يردد شباب هذه الأيام …

إذن أخذا بخاطر صديقي، تفرجت صاغرا في اثنين من أعمالنا المعروضة لرمضان هذا العام، قائلا لعل الأمور تحسنت عمّا تركتها، وربما ظلمت مبدعينا الفتيان وهم يفتحون البلدان ويغزون الفضاء في غفلة مني … وبما أن ذلك فاتني على المباشر، فقد لجأت إلى التساجيل التي تبث على الإنترنت، وأطوي الأرض طيا حتى أرى أكثر ما يمكن ولا أتسرع في الحكم على أحد … رأيت إذن جزءا كبيرا من مسلسل “فلوجة 2” على الحوار التونسي، وجزءا مماثلا من “رقوج 1” (بما أنهم يبرمجون لجزء ثان على ما سمعت) … وأعطيت رأيي في حدود ما شاهدت، وواصلت بعد ذلك باقي الحلقات حتى تكتمل الفكرة وأكون بدوري من المحتفلين ختاما بأفضل عمل وممثلين ومخرجين إلى آخر الليستة … وعلى حق …

نبدأ بفلّوجة … هو أولا استمرار لقصة السنة الماضية التي أثارت أكثر من ضجة لدى رجال التعليم ونسائه … والسبب أن احداث المسلسل تدور في وحوالي معهد ثانوي فيه كل شيء إلا الدراسة … مخدرات في قارعة الطريق، علاقات جنسية بوها كلب بين الجميع والجميع، ولادات خارج إطار الزواج وغير ذلك … والعجيب أن احتجاج المربين قابلته عاصفة تبريرية كانت دائما السند الرئيسي لسامي الفهري ومسلسلاته … من نوع: أليس هذا واقعنا؟ ألا تحدث يوميا مثل هذه الفضائح؟ هل ما زال عندنا تعليم؟ ألم يهبط مستوى مؤسساتنا التربوية منذ زمن؟ هل نغطي عين الشمس بالغربال؟ أما كفاكم نفاقا؟؟ … ويصل التبرير إلى ذروته بالتهجم على الأساتذة أنفسهم … “ماهي جرايركم” … “ما هو من جرة” انغماسكم في الدروس الخصوصية وإهمالكم لعملكم الأصلي … “ماهي نقاباتكم” وإضراباتكم ومطالبكم وزياداتكم المتلاحقة، وبسببها أفلست المعاهد وصارت بؤرا فاسدة، فيما هرب الجميع إلى التعليم الخاص… وغير ذلك وغير ذلك …

ولم يقل أحد من هؤلاء لسامي الفهري: وأنت، ما غايتك من الترويج لهذه المظاهر؟

وبقطع النظر عن صحة كل هذا في المطلق، والإحصائيات التي ما زالت لصالح التعليم العمومي في الباكالوريا وغيرها مهما حصل … فإن هذا التعميم يظلم كثيرا من أهل التعليم الأوفياء وجهدهم في إنجاح تلاميذهم وتمكينهم من مستوى جيد دون مقابل عدا مرتب شهري بعرق الجبين … كما يحط هذا التقييم الشمولي من قدر أبنائنا وبناتنا المربين والمربيات الأشراف وأغلبهم يتمسك بفضائلنا وأخلاقنا … فهل كل أساتذتنا متحرشون بتلميذاتهم كما في المسلسل، وهل كل أستاذاتنا ومديرات معاهدنا شغلهن الشاغل إقامة علاقات جنسية مع هذا التلميذ أو ذاك الرجل العابر؟ …

وحتى إن حصلت بعض حالات فماذا تمثل نسبتها؟ 1 بالمائة؟ اثنان؟ ثلاثة بالمائة ولا أعتقد ذلك وسط مئات آلاف من منظوري وزارة التربية … ومن يقول أكثر عليه بإجبار الوزارة على التحقيق العاجل ويكون معها فيه، ثم أين منظمات الأولياء والتربية والأسرة؟ لو كانت معاهدنا على شاكلة معهد سامي الفهري، فمن الأحرى غلق مؤسساتنا التعليمية وإحالة ميزانية الوزارة نحو قطاعات أكثر احتياجا كالشؤون الاجتماعية أو الثقافة أوالفلاحة والصيد البحري … بل ربما نضع كل ما نملك بين يدي الأمن والقضاء حتى يقضيا القضاء المبرم على الداء الذي استفحل ويهدد بنسفنا من الجذور …

فلوجة في جرئه الثاني لم يشذ عنه في الجزء الأول … لا بل هو يستمر في شذوذه الآخر … عن كل ما هو مجتمع وأعراف وقيم ولنقُلْ أيضا، مسؤولية … فالعمل الدرامي ليس مجرد نقل للواقع (هذا إذا كان واقعا) بل فيه طرح ورسالة وتأثير مباشر خاصة مع طغيان الصورة ووسائل الاتصال الحديثة … الفهري ومرؤوسته سوسن الجمني، يتملّحان طولا وعرضا بما يمكن أن ينتج في مجتمعنا من تغيير سلوكات جراء ما يعرضانه في كل مسلسل …

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة

جور نار

هل ستقع المواجهة بين إيران والكيان الصهيوني؟

نشرت

في

الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين - هل تملك اسرائيل ان توجه  ضربتها الى إيران؟

لم تكن التهديدات من هذا الطرف او ذاك توحي بخطر شن حرب بين إيران و اسرائيل، ذلك ان طهران كانت عمليا تتفادى مواجهة مباشرة مع اسرائيل المدعومة من الولايات المتحدة وتعي بان الكيان اللقيط لا يعدو أن يكون إحدى ثكنات القوة الأعظم.

محمد الزمزاري Mohamed Zemzari
محمد الزمزاري

و لم يتهور الايرانيون المعروف عنهم العمل بصمت و عقلانية و تقبل بعض الخسائر المفترضة و المنتظرة مقابل تنويع مواطىء اقدامهم و تركيز مواقع قد تخدمهم لاحقا دون أي تسرع عاطفي ممثل في رد فعل غير محسوب الهدف او النتائج … لقد دفعت إيران قرابين كثيرة منذ التسعينات ضحايا لاغتيالات الموساد و المخابرات الأمريكية المتعاونة من تفجير مراكز نووية إلى اغتيال علماء او قيادات عسكرية هامة و الظاهر ان الإيرانيين يرسمون أهدافهم الاستراتيجية على المدى الطويل والتي يعتبرونها اهم بكثير من صراعهم مع الكيان الصهيوني… وقد نجحت لحد الان السياسة الإيرانية في تركيز اذرع في عدد من البلدان العربية ذات مكانة استراتيجية هامة مثل سوريا و العراق ولبنان و اليمن، وهي ساعية اليوم لغرس امتداد لها بالأردن، كما عمدت خلال هذه الأسابيع إلى دعم حكومة السودان ومدها بالطائرات المسيرة التي قلبت موازين المعارك ضد قوى الدعم السريع.

لكن الحدث الذي جد اخيرا و الذي تمثل في ضرب الصهاينة للقنصلية الإيرانية بسوريا والقضاء على واحد من اكبر القيادات الحربية و التنسيقية قد يؤجج ما كان كامنا بين الكيان وطهران. فإسرائيل ترغب منذ سنوات في توريط حلفائها الأمريكان في حرب ضد إيران وقد تراءت لنتنياهو فرصة سانحة للدفع نحو هذه الحرب المرغوب فيها اولا و لتمديد بقائه في الحكم و إتمام خططه النازية من تهجير و مجازر و تدمير لغزة و لاحقا للضفة الغربية، وهنا لم يبق لإيران بد من رد فعل قوي لحفظ ماء الوجه و تأديب الكيان الذي تجاوز الخطوط الحمراء و ضرب القنصلية الإيرانية التي تمثل سيادتها و صورة قوتها أمام الجميع وخاصة لدى اذرعها وأنصارها في المنطقة.

ومنذ ساعات أعلنت المخابرات الروسية عن تحديد ضربات او حرب خاطفة ممكنة الوقوع قريبا جدا و دعت مواطنيها لملازمة الحذر بالشرق الأوسط وخاصة بالكيان الصهيوني و منذ اكثر من ساعة دعت الولايات المتحدة مواطنيها في الأرض المحتلة وتل أبيب خاصة الى نفس الحذر. اذن فالوضع قابل جدا لوقوع حدث هام مدمر ليس باسرائيل فقط لكن أيضا بايران اعتمادا على ان الكيان الصهيوني يرغب فعليا في خلق مواجهة مع ظهران ستقودها الولايات المتحدة دون شك.

هل ستصدر الضربة الإيرانية انطلاقا من قاعدة احد اذرعها؟ هل سيكون الهدف محطة ديمونة النووية او ايلات او تل ابيب؟ اظن ان ضرب تل أبيب مستبعد مما يبعث على الظن بان الهدف المحتمل هو: إما إحدى السفارات الاسرائيلية في بلد خليجي او قصف إحدى المدن او المطارات الكبرى بالكيان الصهيوني. فيما يبدو أن الولايات المتحدة لا ترغب حاليا في خلق بؤرة حرب جديدة مكلفة قبل انتخابات نوفمبر القادم و لن تصل اية ضربة مهما كانت صدمتها إلى دفع بايدن إلى رد فعل ضد إيران …

أكمل القراءة

صن نار